انخفاض تكاليف البطاريات بأكثر من 90% منذ 2010 يُحوّل الطاقة المتجددة من مصدر متقطع إلى منظومة تعمل على مدار الساعة، مع رهان عُماني على إنتاج 8.
5 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنويًا بحلول 2050في كل مساء، ومع غروب الشمس خلف الصحاري الممتدة في الخليج، كانت الحجة نفسها تعود إلى الواجهة: ماذا سيحدث عندما تتوقف الألواح الشمسية عن إنتاج الكهرباء؟لعقود طويلة كان السؤال وحده كافيا لحسم الجدل حول مستقبل الطاقة.
فمهما توسعت مشاريع الرياح والشمس، ظلت المصانع تحتاج إلى الكهرباء ليلا، وظلت المدن بحاجة إلى الإنارة، وظلت الشبكات الكهربائية مطالبة بالحفاظ على استقرارها في كل لحظة.
ومن هنا استمد النفط والغاز تفوقهما التاريخي ليس لأنهما الأرخص دائما، بل لأنهما كانا الأقدر على توفير الطاقة عند الطلب.
اليوم يتغير المشهد بسرعة، فالتراجع الحاد في تكاليف البطاريات والتطور المتسارع في تقنيات التخزين أعادا طرح السؤال بطريقة مختلفة: ماذا لو أصبحت الطاقة المتجددة قادرة هي الأخرى على توفير الكهرباء على مدار الساعة؟غير أن هذا السؤال لم يعد يطرح بالحدة نفسها اليوم لأن الانخفاض الكبير في تكاليف البطاريات، والتطور المتسارع في تقنيات التخزين، وصعود الأنظمة الهجينة التي تجمع بين الطاقة الشمسية والرياح والتخزين ضمن منظومة واحدة، أدت إلى ظهور جيل جديد من المشاريع القادرة على توفير كهرباء نظيفة ومستقرة على مدار الساعة.
هذا التحول كان محور تقرير حديث أصدرته الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) في مايو/أيار 2026 بعنوان “الطاقة المتجددة على مدار الساعة” (1).
ويذهب التقرير إلى أبعد من الحديث التقليدي عن خفض الانبعاثات أو حماية المناخ، ليطرح سؤالا اقتصاديا أكثر أهمية: ماذا يحدث عندما تصبح الكهرباء المتجددة المستقرة قادرة على منافسة الفحم والغاز في السعر والاعتمادية معا؟بالنسبة إلى دول الخليج، لا يبدو هذا التحول نقاشا نظريا حول مستقبل الطاقة، إنما فرصة اقتصادية تتشكل بالفعل على الأرض ذلك أن المنطقة التي تنتج نحو ثلث احتياطيات النفط المؤكدة في العالم تمتلك في الوقت نفسه بعضا من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي عالمياً، إذ تتجاوز في كثير من مناطقها 2000 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع سنوياً.
هذه الميزة الطبيعية جعلت الخليج من أقل مناطق العالم تكلفة في إنتاج الكهرباء الشمسية، حيث سجلت مشروعات في الإمارات والسعودية أرقاماً قياسية عالمية في أسعار شراء الكهرباء.
ومع الانخفاض المتواصل في كلفة التخزين، لم تعد الميزة التنافسية مقتصرة على إنتاج كهرباء رخيصة خلال ساعات النهار، بل بدأت تمتد إلى توفير كهرباء مستقرة على مدار الساعة.
وفي حال استمرت التكاليف في التراجع بالمعدلات الحالية، فإن المنطقة قد تنتقل تدريجياً من كونها مركزاً عالمياً لتصدير الوقود الأحفوري إلى أحد أكثر الأقاليم قدرة على إنتاج الكهرباء النظيفة منخفضة التكلفة للصناعة والهيدروجين الأخضر والمشروعات كثيفة الاستهلاك للطاقة (2).
من مشكلة التقطع إلى عصر التخزينشكل التقطع العقبة الرئيسية أمام انتشار الطاقة المتجددة لعقود نظرا لأن إنتاج الكهرباء من الشمس يرتبط بساعات النهار، بينما تتغير سرعة الرياح وفق الظروف المناخية.
وفي المقابل، تحتاج الشبكات الكهربائية إلى توازن دائم بين العرض والطلب، كما تحتاج المصانع والموانئ والمناطق الصناعية إلى تيار مستمر لا يتوقف عند غروب الشمس أو هدوء الرياح.
في السنوات الأخيرة، بدأت هذه المعضلة تتراجع تدريجياً مع التطور السريع لتقنيات التخزين.
ووفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، انخفضت تكلفة أنظمة تخزين البطاريات بأكثر من 90 في المئة منذ عام 2010، لتتحول من تقنية باهظة الكلفة إلى عنصر أساسي في تصميم مشاريع الطاقة الحديثة.
هذا الانخفاض لم يؤد فقط إلى توسيع استخدام البطاريات، بل غير طريقة بناء مشاريع الطاقة نفسها، فبدلا من ربط مزرعة رياح أو محطة شمسية بالشبكة بشكل منفصل، أصبحت المشاريع الجديدة تعتمد على دمج مصادر متعددة للطاقة مع منظومات تخزين قادرة على استيعاب فائض الإنتاج وضخه عند الحاجة.
ومن هنا ظهر مفهوم “الكهرباء المتجددة على مدار الساعة”، الذي يشير إلى قدرة منظومات تجمع بين الطاقة الشمسية والرياح والتخزين على توفير الكهرباء بصورة مستمرة وقابلة للجدولة وفق الطلب، وتكتسب هذه الفكرة أهميتها من التحولات الاقتصادية التي رصدتها الوكالة الدولية للطاقة المتجددة؛ فبحسب تقريرها الصادر عام 2026، (3) أصبحت تكلفة الكهرباء المتجددة المستقرة في المواقع ذات الموارد الشمسية والريحية العالية تتراوح بين 54 و82 دولاراً للميغاواط/ساعة، وهي مستويات تنافس محطات الفحم الجديدة وتتجاوزها في بعض الحالات.
والأهم أن هذه التكلفة تخص كهرباء يمكن توفيرها على مدار الساعة، لا طاقة متقطعة مرتبطة بساعات السطوع أو سرعة الرياح.
ولهذا ترى الوكالة أن الطاقة المتجددة تدخل مرحلة جديدة تنتقل فيها من دور المصدر المساند للشبكات الكهربائية إلى دور القادر على تأمين الإمدادات الأساسية للاقتصاد والصناعة.
جرت العادة أن تركز المقارنات التقليدية بين مصادر الطاقة المختلفة على تكلفة إنتاج الكهرباء فقط.
غير أن المستثمرين الصناعيين لا يشترون الكهرباء في لحظة إنتاجها، بل يشترون القدرة على تشغيل منشآتهم دون انقطاع.
فالمصنع الذي يعمل على مدار الساعة، أو مركز البيانات الذي يعتمد على تدفق كهربائي مستمر، لا تعنيه تكلفة الكهرباء عند الظهيرة بقدر ما تعنيه موثوقية الإمدادات ليلا ونهارا.
لهذا السبب يركز تقرير IRENA على مفهوم “التكلفة المستوية للكهرباء المستقرة”، وهو مؤشر يقيس تكلفة الكهرباء بعد احتساب التخزين والقدرة على تلبية الطلب في أي وقت.
وتشير بيانات التقرير إلى أن تكلفة الكهرباء المتجددة المستقرة تراوحت في عام 2025 بين 54 و82 دولارا للميغاواط/ساعة في المناطق ذات الموارد الشمسية المرتفعة، وهذه المستويات أصبحت قادرة على منافسة محطات الفحم الجديدة التي تتراوح تكلفتها بين 70 و85 دولاراً للميغاواط/ساعة، كما تقل عن تكلفة العديد من مشاريع الغاز الجديدة التي تتجاوز 100 دولار للميغاواط/ساعة.
الأهم من ذلك أن هذه الأرقام لا تتعلق بإنتاج كهرباء متقطع، وإنما بكهرباء مستقرة ومتاحة عند الطلب، وهي الصفة التي كانت تشكل نقطة التفوق الرئيسية للوقود الأحفوري.
وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة المتجددة استمرار انخفاض التكاليف خلال السنوات المقبلة مع تراجع أسعار البطاريات وتحسن كفاءتها، ما قد يجعل الكهرباء المتجددة المستقرة أكثر تنافسية بحلول منتصف العقد المقبل.
تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في منطقة الخليج العربي لأنها فالمنطقة تمتلك واحدا من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، إلى جانب مساحات واسعة قابلة لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة، وبنية تحتية متقدمة في مجالات الطاقة والنقل والتصدير.
تمنح هذه المعطيات دول الخليج فرصة استثنائية للاستفادة من التحول الجاري في أسواق الطاقة العالمية حيث أصبحت الكهرباء عاملا حاسماً في تحديد تنافسية الصناعات ومواقع الاستثمارات الجديدة.
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الطلب العالمي على الكهرباء سيرتفع بأكثر من 75% بحلول عام 2050 مدفوعا بالتوسع الصناعي والرقمنة والذكاء الاصطناعي وإنتاج الهيدروجين النظيف.
وفي الوقت نفسه تتجه الاقتصادات الكبرى إلى تشديد القيود على الانبعاثات الكربونية، حيث بدأ الاتحاد الأوروبي تطبيق آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، التي ستفرض تدريجيا تكاليف إضافية على الواردات كثيفة الانبعاثات مثل الحديد والصلب، والأسمدة والألمنيوم والإسمنت.
وفي مثل هذا السياق، تتحول إلى أداة لتعزيز القدرة التنافسية للصادرات وجذب الاستثمارات الصناعية طويلة الأجل.
وتحظى هذه الفرصة بأهمية خاصة في الخليج، حيث تتيح الموارد الشمسية الاستثنائية إنتاج كهرباء من بين الأقل تكلفة عالمياً.
ومع اقتراب تكلفة الكهرباء المتجددة المستقرة من مستويات تنافس الغاز والفحم، يصبح بالإمكان بناء صناعات جديدة تعتمد على الطاقة الرخيصة والنظيفة في آن واحد.
ولهذا تنظر دول المنطقة إلى الكهرباء المتجددة كمدخل بديل عن النفط والغاز فقط، ورهانا استراتيجياً لصناعات الهيدروجين الأخضر والمعادن منخفضة الكربون والبتروكيماويات النظيفة، وهي قطاعات يتوقع أن تلعب دوراً متزايداً في التجارة العالمية خلال العقود المقبل.
تقدم سلطنة عمان مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن أن يؤثر بها هذا التحول في الاستراتيجيات الاقتصادية الوطنية.
فالسلطنة تنظر إلى هذا التوجه بنية أساسية لمشروعات التنويع الاقتصادي والصناعات المستقبلية.
وتخطط عمان لإنتاج ما يصل إلى مليون طن سنويا من الهيدروجين الأخضر بحلول عام 2030، مع طموح للارتفاع إلى نحو 8.
5 ملايين طن سنوياً بحلول 2050، وفق مؤسسة هيدروم ووكالة الطاقة الدولية (4).
ويعتمد تحقيق هذه الأهداف على توافر كميات ضخمة من الكهرباء المتجددة منخفضة التكلفة، إذ تمثل الكهرباء ما بين 60 و70% من تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر.
في الدقم وصحار وصلالة، تتجاوز أهمية الكهرباء حدود تلبية الطلب المحلي، لتصبح عنصراً أساسياً في جذب الاستثمارات الصناعية.
ففي المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم وحدها يجري تطوير عدد من أكبر مشروعات الهيدروجين الأخضر في العالم، من بينها مشروع شركة ACME الذي يستهدف إنتاج نحو 100 ألف طن من الهيدروجين الأخضر و800 ألف طن من الأمونيا الخضراء سنوياً في مراحله الأولى باستثمارات تتجاوز 4 مليارات دولار.
كما تعمل السلطنة على تطوير شبكة بنية تحتية للهيدروجين تمتد لمئات الكيلومترات لربط مواقع الإنتاج بالموانئ والمناطق الصناعية.
وبناء على ذلك فإن تكلفة الكهرباء تضطلع بأهمية مضاعفة في قطاعات مثل الألمنيوم والصلب والبتروكيماويات، حيث تمثل الطاقة في بعض الصناعات ما بين 20 و40% من إجمالي تكاليف الإنتاج.
وعلى هذا النحو فإن أي انخفاض مستدام في أسعار الكهرباء ينعكس مباشرة على القدرة التنافسية للصادرات العُمانية في الأسواق العالمية.
وفي عالم يتجه نحو فرض قيود متزايدة على الانبعاثات الكربونية، قد تمنح الكهرباء المتجددة المستقرة عمان ميزة إضافية تتمثل في إنتاج سلع صناعية منخفضة الكربون قادرة على المنافسة في الأسواق الأوروبية والآسيوية، ما يحول الطاقة النظيفة من قطاع اقتصادي إلى أداة لتعزيز جاذبية الاستثمار ودعم مستهدفات رؤية عُمان 2040.
رغم المؤشرات الإيجابية، فإن التحول نحو الكهرباء المتجددة المستقرة لا يزال يواجه تحديات حقيقية، فالتوسع في استخدام أنظمة التخزين يتطلب استثمارات كبيرة في الشبكات الكهربائية، والبنية التحتية الرقمية، وأنظمة إدارة الأحمال.
كما يعتمد قطاع البطاريات على سلاسل توريد عالمية تشمل معادن استراتيجية مثل الليثيوم والنيكل والكوبالت، وهي أسواق تشهد تقلبات مستمرة.
ويضاف إلى ذلك عامل التمويل لأن المشاريع الكبرى تحتاج إلى عقود طويلة الأجل وإلى أطر تنظيمية واضحة تقلل المخاطر وتضمن استقرار العوائد الاستثمارية.
بناء عليه، لا يكفي امتلاك موارد شمسية وريحية وفيرة لتحقيق الاستفادة الكاملة من هذا التحول دون قدرة على تطوير الأسواق لاستيعاب هذه التقنيات الجديدة.
على مدى القرن العشرين ارتبطت قوة أسواق الطاقة بحجم احتياطيات النفط والغاز الموجودة تحت الأرض.
أما التحول الجاري اليوم فيدفع باتجاه معادلة مختلفة، ترتبط بقدرة الدول على تحويل الموارد الطبيعية المتاحة فوق الأرض إلى كهرباء مستقرة ومنخفضة التكلفة.
ولعل السؤال الأكثر أهمية وسط أسواق عالمية مضطربة: هل تستطيع الطاقة المتجددة إنتاج الكهرباء؟ ومن يستطيع توفير كهرباء مستقرة ورخيصة ونظيفة في الوقت نفسه؟في الخليج، حيث تتقاطع وفرة الشمس مع طموحات التنويع الاقتصادي، قد تكون الإجابة عن هذا السؤال أحد العوامل التي ستحدد شكل الاقتصاد الإقليمي في مرحلة ما بعد النفط.
IRENA – 24/7 Renewables: The Economics of Firm Solar and Wind.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك