لم يكن اتفاق الإطار الذي وُقّع في واشنطن بين لبنان وإسرائيل مجرد محطة سياسية عابرة، بل تحوّل سريعًا إلى اختبار داخلي بالغ الخطورة، بعدما فتح الباب أمام انقسام حاد كاد ينقل المواجهة من طاولة السياسة إلى الشارع.
وفي لحظة بدا فيها البلد أمام احتمال انفجار سياسي ومؤسساتي مفتوح، تقدّم رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى واجهة المشهد، محاولًا ضبط الإيقاع وقطع الطريق على الفتنة ومنع تحويل الخلاف حول الاتفاق إلى مواجهة داخلية تهدد الاستقرار والحكومة والمؤسسات.
ومنذ اللحظة الأولى، رفع بري شعار" لا للفتنة"، واضعًا السلم الأهلي فوق كل الحسابات، ومؤكدًا أن الخلاف، مهما بلغ حجمه، يجب أن يبقى داخل المؤسسات لا في الشارع.
ومن هذا الموقع، رفض الدعوات إلى إسقاط الحكومة أو مقاطعتها، ودعا إلى تغليب الحوار والبحث عن مخارج سياسية تحفظ البلد من انزلاق لا يعرف أحد حدوده ولا نهاياته.
وفي حديث إلى" الديار"، تناول بري مختلف جوانب الأزمة، من فرص التسوية إلى ملف السلاح، مرورًا برؤيته لاتفاق الإطار، وصولًا إلى الدور العربي والدولي المطلوب لمساعدة لبنان على الخروج من أزمته.
وعن إمكان الوصول إلى مخرج للأزمة التي نشأت بعد اتفاق الإطار، أكد بري، في مقاربة تضع حماية الاستقرار الداخلي ومنع الفتنة في صلب الأولويات، أن باب التسوية لا يزال مفتوحًا، مشددًا على استعداده لإيجاد المخارج إذا كان الطرف الآخر مستعدًا أيضًا، وقال: " إذا كان هناك استعداد للتسوية، فأنا مستعد لها، ولا أحد يريد أن يصل البلد إلى حائط مسدود".
وعن شكل التسوية الممكنة، جدد بري موقفه المعارض للمفاوضات المباشرة منذ البداية، معتبرًا أنه كان يدرك إلى أين ستقود، وأنها أوصلت إلى اتفاق وصفه بأنه" اتفاق فتنة" وسيئ ومجحف بحق لبنان.
وأشار إلى أن الاتفاق الذي رعاه في 27 تشرين الثاني 2024 شكّل نموذجًا مختلفًا، إذ أدى إلى انسحاب حزب الله الكامل من جنوب الليطاني من دون اللجوء إلى مفاوضات مباشرة.
وكشف بري أنه قبل التوصل إلى اتفاق الإطار جرى تواصل مع رئيس الجمهورية، حيث طلب اعتماد مبدأ الانسحاب الإسرائيلي وفق الأقضية، لا وفق المناطق التجريبية، معتبرًا أن هذا الخيار كان يؤمّن آلية أوضح وأكثر جدية للتنفيذ.
وأضاف أن بعبدا وافقت على هذا الطرح، إلا أن المفاجأة كانت باعتماد اتفاق الإطار مبدأ المناطق التجريبية بدل مبدأ الأقضية.
وعن توسيع المطالب الدولية لتشمل ما يتجاوز جنوب الليطاني، أوضح بري أن هناك استعدادًا لانسحاب حزب الله من جنوب الليطاني بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي كامل.
أما بالنسبة إلى السلاح شمال الليطاني، فأكد أن الموقف يقوم على احتواء السلاح ضمن إطار الدولة اللبنانية، ليس في شمال الليطاني فحسب، بل في كل لبنان، بحيث تكون الدولة المرجعية الوحيدة.
وأكد بري أن إسرائيل تسعى، من خلال ضغوطها ومطالبها، إلى جرّ الجيش اللبناني للاشتباك مع المقاومة، معتبرًا أن هذا هو الهدف الحقيقي الذي تعمل عليه، إلا أنه شدد على أن هذا الأمر لن يحصل، لأن اللبنانيين يدركون خطورة الانجرار إلى الفتنة الداخلية، ولأن الجيش والمقاومة لن يُدفعا إلى خدمة الأهداف الإسرائيلية.
وعن اتفاق الإطار، قال بري إنه عندما قرأه اعتبره" اتفاق فتنة"، ولذلك سارع إلى إطلاق موقفه الرافض لانزلاق البلاد إلى الانقسام، مؤكدًا: " لا للفتنة، لا للشارع".
وشدد على أن الأولوية تبقى حماية الاستقرار الداخلي ومنع انتقال الخلاف السياسي إلى الشارع، باعتبار ذلك خط الدفاع الأول عن السلم الأهلي.
وعن رسالته إلى رئيس الجمهورية، اكتفى بري بالقول إنه لا يملك في الوقت الحاضر أي رسالة يوجهها.
وعن سبل الخروج من الأزمة، جدد بري رؤيته أن لبنان يحتاج إلى مظلة دولية تساعد على إنجاز التسوية، معتبرًا أن هذه المظلة يجب أن تضم الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لأنها تشكل، برأيه، الضمانة الأساسية لأي تسوية قابلة للحياة.
وعن الاتصالات العربية والدولية الجارية، ولا سيما المصرية والقطرية، رحب بري بكل المبادرات التي تصب في مساعدة لبنان على تجاوز محنته، مؤكدًا أن أي جهد عربي أو دولي يهدف إلى جمع اللبنانيين وإبعاد شبح الانقسام هو موضع ترحيب.
وختم بري بالتشديد على أن موقفه لم يتبدل منذ اللحظة الأولى، وهو أن حماية الوحدة الوطنية ومنع الفتنة والحفاظ على المؤسسات تبقى الأولوية المطلقة في هذه المرحلة الدقيقة، لأن استقرار لبنان، برأيه، هو الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه أي تسوية سياسية مقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك