(CNN)-- بين التصميم والفن، لا تقف الفنانة اللبنانية عدرا قنديل عند حدود فاصلة واضحة، بل تتحرّك في مساحة رمادية تتداخل فيها التجربتان بهدوء.
ولا يبدو انتقالها من عالم الهوية البصرية والإعلانات إلى تأسيس مشروعها الفني" دير نوستالجيا" تحوّلًا مهنيًا بقدر ما هو استمرار طبيعي لمسار بدأ منذ وقت طويل، وتشكّل تدريجيًا عبر طبقات من التجربة.
في التصميم، تُبنى الفكرة على هدف واضح، وجمهور محدد، ورسالة قابلة للتواصل المباشر، بينما في الفن تتحرر هذه العناصر لصالح مساحة أكثر انفتاحًا، حيث لا توجد نتيجة مسبقة ولا شكل نهائي مُلزم.
هناك، يصبح العمل أقرب إلى محاولة لفهم شعور، أو الإمساك بلحظة عابرة، أو إعادة تشكيل إحساس داخلي في صورة بصرية قابلة للتأمل.
قالت قنديل في مقابلة مع موقع CNN بالعربية إن أدوات عملها تعتمد على مزيج من التقنيات التقليدية والرقمية، حيث تستخدم الصور الأرشيفية، والطباعة، والرسوم، والمواد البصرية المجمّعة، والنصوص البصرية، إلى جانب جمعها المستمر لمقتطفات من الكتب، والمجلات، والصحف، والأرشيفات الرقمية، وحتى الحياة اليومية.
بعد هذا الجمع، تلجأ إلى التطبيقات الرقمية، حيث تتعامل مع العملية بعقلية فنان الكولاج، وتعيد بناء قصص قديمة ومنحها حياة جديدة، وكأنها" تسقي نباتًا فيزهر من جديد مع بقاء جذوره كما هي".
شدّدت قنديل على أن ما يثيرها في هذه العملية هو العلاقات غير المتوقعة بين العناصر، حيث يمكن لصورة قديمة أن تتجاور مع صورة معاصرة لتنتج معنى جديدًا بالكامل، في مساحة بين التفكيك وإعادة التشكيل.
حول اعتمادها على الكولاج الرقمي والصور الأرشيفية، اعتبرت أن هذا الأسلوب يعكس طريقة عمل الذاكرة البشرية، إذ لا نتذكر الحياة بشكل خطي، بل على شكل مقتطفات من صور، وأصوات، ومشاعر متداخلة.
أما عن الحنين، فقد أكّدت أنه ليس خيارًا واعيًا بقدر ما هو الطريقة التي نرى من خلالها العالم، كعدسة تعكس الحياة وتحولها إلى مادة ملموسة.
وأوضحت أن بعض الأعمال تبدأ من صورة، فيما ينطلق بعضها الآخر من حلم، أو شعور، أو حدث، أو ملاحظة عابرة، لكن الحنين غالبًا ما يتجلى في التفاصيل الحسية، أي في أذان الفجر، والياسمين على الجدران القديمة، وصوت التلفاز البعيد، وصوت والدها عند الاستيقاظ، والصمت الذي يخلّفه رحيل أحدهم، وضوء الشمس المنعكس على سجادة يدوية الصنع.
تستلهم قنديل أعمالها من مصادر متعددة، من بينها أعمال وتجارب لفنانين عالميين مثل الفنان الأمريكي مارك روثكو، والفنانة اليابانية يايوي كوساما، والفنان الأمريكي آندي وارهول، والكاتبة والفنانة اللبنانية-الأمريكية إيتيل عدنان.
كما تستوحي من الملصقات السينمائية العربية القديمة، والطوابع البريدية، ولافتات بيروت، وصور البحر المتوسط، وأفلام التسعينيات، إضافة إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأحيانًا من ملاحظة عابرة في الشارع.
وحول تأثير بيروت وهويتها اللبنانية، أكّدت أن لبنان جزء أساسي في أعمالها، وقالت: “يعلّمك لبنان العيش مع التناقضات: الفوضى والمعجزة، الألم والجمال، الضجيج والرقة، في اللحظة نفسها".
لذلك تحاول أن تعكس هذه الازدواجية في أعمالها، معتبرة أن حبها للبنان هو شكل من الانتماء الهادئ، الحاضر في كل ما تنتجه.
وعن مشروعها مع “سينما عقيل”، أوضحت أنها طُلب منها تصميم الهوية البصرية لـ" أسبوع السينما العربية 2026 في دبي"، وهو مشروع يتقاطع مع اهتماماتها الأساسية: المكان، الذاكرة، الإرث الثقافي، والسرديات الجماعية.
وهناك اعتمدت فكرة" السينما كأرشيف حي"، حيث صممت عالمًا بصريًا يشبه الدخول إلى الماضي، يضع المشاهد داخل سيارة تسير عبر لبنان حلمي، حيث تتداخل العمارة والطبيعة والذاكرة الشخصية وثقافة السينما، مع إعادة تخيّل سينما “ريفولي” في بيروت كرمز للذاكرة والاستمرارية.
وانطلقت من أن العلاقة بين السينما والذاكرة هي جوهر المشروع، حيث تعيدنا إلى أشخاص وأماكن لا تزال تعيش فينا، وأن الفيلم يمكن أن يصبح أرشيفًا حيًا لمدينة أو زمن كامل، مشيرة إلى أن السيارة المتحركة تمثل استعارة أساسية: حركة، عبور، ورؤية، حيث لا يقف المشاهد خارج القصة بل يمر داخلها.
وختمت قنديل أن أعمالها تنطلق من تجربة شخصية لكنها تنتمي في النهاية إلى سياق ثقافي أوسع، خاصة أن المواد التي تستخدمها ليست فردية بل جماعية.
لذلك يتحول العمل إلى شكل من التوثيق العاطفي الذي يحفظ أجواء ومشاعر مهددة بالاختفاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك