شكلت ثورة 30 يونيو لحظة فاصلة فى تاريخ الدولة المصرية، بعدما خرج ملايين المصريين إلى الشوارع معلنين رفضهم استمرار حكم جماعة الإخوان الإرهابية.
وبينما كانت الحشود ترسم مشهدًا غير مسبوق من الإرادة الشعبية، كانت الجماعة تتحرك فى اتجاه مغاير، اتسم بالتصعيد والعنف، فى محاولة لفرض واقع جديد على الأرض بعد اهتزاز أركان حكمها.
وخلال أيام قليلة، تعاقبت وقائع دامية بدأت بإطلاق الرصاص من محيط مكتب الإرشاد بالمقطم، وامتدت إلى اشتباكات بين السرايات، وصولًا إلى التحركات المسلحة فى سيناء وإعلان ما سمى بـ" مجلس الحرب"، فى سلسلة من الأحداث التى وثقتها تحقيقات النيابة العامة، ورسختها أحكام القضاء، لتكشف ملامح أول رد فعل للجماعة عقب اندلاع ثورة 30 يونيو، ولتؤرخ لبداية مرحلة اتسمت بأخطر موجات العنف التى شهدتها البلاد فى تلك الفترة.
رصاص مكتب الإرشاد.
البداية الداميةفى مساء 30 يونيو 2013، وبينما كانت ميادين مصر تمتلئ بملايين المواطنين المطالبين بإنهاء حكم جماعة الإخوان الإرهابية، شهد محيط مكتب الإرشاد بالمقطم أولى الوقائع الدامية التى ارتبطت بأحداث الثورة، بعدما تعرض متظاهرون لإطلاق أعيرة نارية من داخل محيط المقر.
وكشفت تحقيقات النيابة العامة فى القضية رقم 6187 لسنة 2013 جنايات المقطم، والمقيدة برقم 2414 لسنة 2013 كلى جنوب القاهرة، أن عناصر مكلفة بتأمين مقر مكتب الإرشاد استخدمت أسلحة نارية فى مواجهة المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل 9 مواطنين وإصابة 91 آخرين.
وأوضحت التحقيقات أن الأسلحة التى استخدمت فى الواقعة جرى توفيرها لعناصر الجماعة، وأن الهدف كان منع المتظاهرين من الاقتراب من المقر وإرهاب القوى الشعبية التى خرجت للاحتجاج على استمرار محمد مرسى فى الحكم، إلا أن سقوط الضحايا لم ينجح فى وقف المظاهرات، بل أدى إلى تصاعد حالة الغضب الشعبى واتساع دائرة الاحتجاجات.
ومع استمرار المواجهات، فرض المتظاهرون حصارًا على مقر مكتب الإرشاد، قبل أن تتدخل مجموعات أخرى قادمة من اعتصام رابعة العدوية لتهريب عدد من العناصر المسلحة التى شاركت فى إطلاق النار، وإخفائهم داخل الاعتصام، فى محاولة لإبعادهم عن أعين أجهزة الأمن وإخفاء الأدلة التى تثبت تورطهم فى الواقعة، إلا أن سقوط أحد المتهمين فى قبضة الشرطة كشف كثيرًا من تفاصيل الجريمة، وأسهم فى استكمال خيوط التحقيق.
وبعد شهر من الواقعة، أصدر النائب العام فى 31 يوليو 2013 قرارًا بإحالة المرشد العام لجماعة الإخوان محمد بديع و17 متهمًا آخرين إلى المحاكمة الجنائية، من بينهم خيرت الشاطر، ومحمد سعد الكتاتنى، ومحمد مهدى عاكف، وعدد من أبرز قيادات مكتب الإرشاد، بتهم التحريض على القتل والشروع فى القتل واستعراض القوة واستخدام العنف.
وانتهت المحاكمة إلى إدانة عدد كبير من قيادات الجماعة، من بينهم محمد بديع، وخيرت الشاطر، ورشاد البيومى، ومحمد سعد الكتاتنى، وعصام العريان، ومحمد البلتاجى، ومحمد مهدى عاكف، وأسامة ياسين، وأيمن هدهد، إلى جانب عدد من قيادات وأعضاء الجماعة الآخرين، فى واحدة من أبرز القضايا التى وثقت مسئولية قيادات التنظيم عن أعمال العنف التى صاحبت تلك المرحلة.
بين السرايات.
التصعيد ينتقل إلى الجيزةلم تمض سوى ساعات قليلة حتى انتقلت المواجهات إلى محافظة الجيزة، فبعد بيان القوات المسلحة الذى منح القوى السياسية مهلة 48 ساعة للتوصل إلى حل للأزمة، دفعت جماعة الإخوان وحلفاؤها إلى تنظيم اعتصام جديد بميدان النهضة أمام جامعة القاهرة، بالتوازى مع استمرار اعتصام رابعة العدوية.
وتحولت منطقة بين السرايات فى 2 يوليو 2013 إلى مسرح لاشتباكات عنيفة بعدما اعترض عدد من الأهالى على قيام أنصار الجماعة بقطع الطرق وتعطيل حركة المرور بالقرب من كوبرى ثروت، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهات استخدمت خلالها أسلحة آلية وخرطوش، وفق ما أثبتته التحقيقات.
وأسفرت الأحداث عن سقوط ضحايا ومصابين، كما تعرض العقيد ساطع النعمانى، مأمور قسم شرطة بولاق الدكرور آنذاك، لإطلاق نار من قناص خلال محاولته التعامل مع الأحداث، ما تسبب فى إصابته بإصابات بالغة ظلت آثارها تلازمه لسنوات.
ورأت جهات التحقيق أن أحداث بين السرايات مثلت امتدادًا لحالة التصعيد التى شهدتها البلاد عقب اندلاع ثورة 30 يونيو، وأن اللجوء إلى استخدام السلاح فى مواجهة الأهالى وقوات الأمن عكس انتقال الأزمة من خلاف سياسى إلى مواجهات اتسمت بالعنف.
سيناء.
إعلان «مجلس الحرب»وفى الوقت الذى كانت فيه القاهرة والجيزة تشهدان اشتباكات متلاحقة، كانت سيناء على موعد مع تطور آخر لا يقل خطورة، حيث نظمت عناصر متحالفة مع جماعة الإخوان الإرهابية اعتصامًا مسلحًا، واعتلت قيادات من التنظيمات المتشددة منصة الاعتصام، بالتزامن مع إعلان عزل محمد مرسى فى 3 يوليو 2013.
وخلال تلك التحركات أعلن المشاركون تأسيس ما أطلقوا عليه" مجلس الحرب" لمواجهة القوات المسلحة والشرطة، فى خطوة اعتبرتها جهات التحقيق تصعيدًا غير مسبوق، خاصة مع تزامنها مع تصاعد العمليات الإرهابية التى شهدتها سيناء خلال تلك الفترة.
كما استندت التحقيقات إلى عدد من التصريحات التى أثارت جدلًا واسعًا آنذاك، وفى مقدمتها تصريح محمد البلتاجى، الذى ربط فيه توقف العمليات الإرهابية فى سيناء بعودة محمد مرسى إلى الحكم، وهو التصريح الذى ظل حاضرًا فى كثير من النقاشات المتعلقة بتلك المرحلة.
تسلسل زمنى وثقته التحقيقاتقراءة الوقائع وفق تسلسلها الزمنى تكشف أن الأيام الأولى التى أعقبت ثورة 30 يونيو شهدت انتقالًا سريعًا من حالة الاحتجاج السياسى إلى أحداث عنف متفرقة، بدأت بإطلاق النار فى المقطم، ثم اشتباكات بين السرايات، وصولًا إلى التحركات المسلحة فى سيناء، وهو ما انعكس لاحقًا فى عشرات التحقيقات والقضايا التى نظرتها المحاكم المصرية.
كما شكلت تلك الوقائع جزءًا من الملفات القضائية التى تناولت مسئولية عدد من قيادات جماعة الإخوان عن التحريض على العنف أو الاشتراك فيه، وانتهى العديد منها إلى أحكام نهائية أصبحت جزءًا من السجل القضائى لتلك المرحلة.
وبمرور السنوات، ظلت أحداث مكتب الإرشاد، وبين السرايات، وإعلان ما سمى بـ" مجلس الحرب" فى سيناء، من أبرز المحطات التى استدعتها التحقيقات وأحكام القضاء عند توثيق ما جرى عقب ثورة 30 يونيو، باعتبارها من أولى صور التصعيد التى شهدتها البلاد بعد خروج ملايين المصريين للمطالبة بإنهاء حكم الجماعة، لتبقى تلك الوقائع شاهدًا على واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا فى التاريخ المصرى الحديث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك