غزة – “القدس العربي”: تزداد الأمور في قطاع غزة الذي يتعرض لحرب إبادة منذ السابع من أكتوبر 2023 سواء على كافة المجالات، وبعد 1000 يوم على بدء هذه الحرب، وما تخللها من عقد اتفاق لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر من العام الماضي، لم يشعر السكان الذين يعيشون في مناطق ضيقة غربا، بأن تحسن في ظروف الحياة، فلا تزال الأزمات الإنسانية التي أوجدتها الحرب قائمة وتتفاقم يوما بعد يوم، فيما تستمر إسرائيل في عمليات القتل اليومي.
وعلى الأرض تظهر جليا حجم المأساة، فآلاف الأطنان من ركام نحو 70% من منازل قطاع غزة ومنشآته الحيوية، لا تزال تغطي مساحات واسعة وتدلل على كم الدمار الكبير الذي خلفته الغارات الجوية وعمليات التوغل البرية التي كانت تتعمد فيها قوات الاحتلال تدمير كامل للأحياء والبلدات.
ولا تزال مشاهد المأساة حاضرة، حيث وسعت قوات الاحتلال من نطاق سيطرتها على أراضي القطاع خلال فترة التهدئة الحالية، لترتفع من 53% من بداية التهدئة إلى نحو 70% حاليا، فيما يعيش أكثر من مليوني مواطن في مناطق ضيقة داخل منازل تعرض من سلم منها من التدمير الكلي، إلى تدمير جزئي، فيما يعيش نصفهم في خيام نزوح بلاستيكية، وكلاهما يشتكيان قلة الإمكانيات وضعف الخدمات، حيث تمنع سلطات الاحتلال وبشكل متعمد وصول المساعدات الكافية سواء الغذائية أو الطبية، وهو ما تؤكده منظمات الأمم المتحدة الإغاثية، والتقارير الصادرة عن جهات رسمية وحقوقية.
وفي مناطق غزة الضيقة وبسبب تبعات حرب الإبادة، أصبحت بيئة السكن مهدا للأمراض المعدية، حيث تنتشر أطنان من النفايات التي تمنع إسرائيل إيصالها إلى المكبات المعتمدة، فيما يعاني السكان من العطش ونقص حاد في المياه، بعدما منعت إسرائيل عنهم كل السبل التي قد تخفف أزمتهم، فيما تعمل ما تبقى من مشافي غزة الناجية من التدمير بطاقة قليلة جدا، جراء النقص الحاد في الأدوية والمعدات والأجهزة الطبية، وهو ما دفع بالجهات الطبية للتحذير من مخاطر كبيرة تهدد حياة السكان وبالأخص الأطفال وكبار السن.
وتقول أسماء درويش، وهي سيدة في منتصف العقد الخامس، وتقطن وعائلتها في أحد خيام النزوح في منطقة مواصي مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة لـ”القدس العربي”، إنها تعيش واقع أليم منذ اليوم الأول للحرب، لم يتغير منه شيئا مع مرور 1000 يوم، وتضيف “الأوضاع تزداد سوء، في بداية الحرب كانت أزمة المياه أقل من الازمة الحالية، وكانت الظروف الاقتصادية أفضل قليلا، اليوم لم يبقى لدى الأسرة أي مال، أنفقناه في رحلات النزوح، وفي البحث عن الطعام”، وتقول وهي تشرح الواقع الأليم “اليوم تشاركنا في السكن الجرذان والحشرات، الخيمة ذابت وما عادت تصلح للسكن، في الصيف تتحول إلى فرن، وفي الشتاء إلى ثلاجة”.
هذا الواقع الأليم ذاته عبر عنه محمد إسماعيل، وقد كان يتجول في سوق مدينة دير البلح وسط القطاع، بحثا عن بعض الأطعمة للعودة بها إلى أسرته لتحضير طعامها اليومي، وقال لـ”القدس العربي”: “بالكاد نستطيع الحياة”، وأشار هذا الرجل الخمسيني بيده إلى منطقة قريبة مكتظة بخيام النازحين وعلى مقربة منها تعلو كومة من النفايات الصلبة تجمعت لعدم وجود مكان آخر لها، وأضاف “كل يوم هذه التلة تزداد، وكل يوم يزداد المرض”، لافتا إلى أسرته عانت كغيرها من أمراض النزوح والحرب، ويؤكد أن واقع غزة حتى بعد التهدئة ازداد سوءا، وأضاف “منذ أول يوم للحرب وحتى وصلنا اليوم الـ 1000، الوضع يسير من سيء إلى أسوأ”، وأضاف “كل وعودهم (يقصد مجلس السلام)، بعد التهدئة كذب، ما شفنا إشي تغير”.
وقد غيرت الغارات والهجمات البرية الإسرائيلية كل ملامح غزة، وأصبحت مناطق القطاع أشبه بتلك التي أصابها زلزال مدمر، ورغم ذلك لم تنفذ حتى اللحظة أي مشاريع إغاثية أو خدماتية في قطاع غزة، منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، بل أن البلديات حذرت من انهيار الخدمات بالكامل، نتيجة العجز الكبير في الوقود والمعدات اللازمة، وفقا لسياسات الحصار المشدد، ما يحول دون قدرتها على تشغيل آبار المياه وجمع النفايات، وباقي الخدمات الموكلة لها، ما يؤثر سلبا على السكان.
ولم تسمح إسرائيل بدخول المنازل المتنقلة “الكرفانات” لتكون بديلة عن خيام النزوح التي لا تصلح للسكن في الصيف أو الشتاء، رغم ما ورد في البروتوكول الإنساني الملحق باتفاق وقف إطلاق النار، وتفتقر مناطق النزوح لأبسط مقومات الحياة، وفيها يمكن مشاهدة حجم الكارثة، في الطوابير التي تلاحق عربات المياه، على أمل الحصول على لترات قليلة للشرب يوميا.
ومنذ اليوم الأول للحرب توقفت أيضا العملية التعليمية المباشرة في غزة، وعادت مؤخرا عبر التعليم الالكتروني عن بعد، وهي طريقة لا تفي بالغرض المطلوب، فيما تعمدت قوات الاحتلال تدمير عشرات المنازل بشكل كلي وأخرى أصابها الضرر الجزئي، فيما تحولت تلك المتواجدة في مناطق النزوح إلى مراكز إيواء للنازحين.
وليس بعيدا عن هذا المشهد المأساوي، مشهد المرضى والمصابين، ففي الوقت الذي يعاني فيه أصحاب الأمراض المزمنة من نقص حاد في الادوية اللازمة لتسكين آلامهم، يعاني نحو 20 ألف آخرين من أصحاب الحالات الخطرة ومن لا يتوفر لهم علاجا في غزة، من إجراءات إسرائيلية تحول دون وصولهم السريع إلى أماكن العلاج في الخارج، وتؤكد وزارة الصحة في غزة أن 47% من الأدوية الأساسية و59% من المستهلكات الطبية أصبح رصيدها صفر.
واشتكت أم وائل وهي سيدة مسنة تقترب من العقد السابع وتقطن مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، من معاناتها وزوجها في الحصول على علاج مرض ارتفاع ضغط الدم، ما يحول حياتهم إلى جحيم خاصة في فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وتوكد لـ القدس العربي، إن رحلة البحث عن حبة الدواء تستلزم الاصطفاف في طوابير طويلة في أحد عيادات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”، أو في عيادات ممولة من مؤسسات دولية أو حكومية، وأنها في كثير من الأوقات لا تجد الدواء اللازم لعلاجها، وقالت إنها وصلت مرات عدة لمراحل الخطر جراء نقص الدواء.
وفي إحصائية شاملة لآثار حرب الإبادة بعد 1000 يوم، أوضح المكتب الإعلامي الحكومي، أن 2.
4 مليون فلسطيني في القطاع يتعرضون للإبادة والتجويع والتطهير العرقي، حيث بلغت نسبة الدمار الشامل الذي أحدثته قوات الاحتلال 90%، فيما بات الاحتلال يسيطر على 80% من مساحة القطاع، وأن الاحتلال ألقى 223,000 طن من المتفجرات على القطاع منذ بداية الحرب، وذكر أن عدد الشهداء ارتفع إلى73,066، فيما هناك9,500 مفقود، منهم: شهداء مازالوا تحت الأنقاض، ومن ضمن العدد الكلي للضحايا 21500 طفل، و12500 امرأة، و262 شهيد صحفي، فيما هناك 173,514 جريح.
واستعرض في تقرير مطول مجمل الأضرار التي طالت قطاع غزة جراء حرب الإبادة، وقال إن الخسائر الأولية تقدر بـ 80 مليار دولار، وقد حمل الاحتلال والدول الداعمة له المسؤولية عن الكارثة الإنسانية العميقة في القطاع، وطالب المجتمع الدولي بالضغط الفعلي لوقف العدوان والإبادة الجماعية المستمرة، وفتح المعابر وإدخال المساعدات وطالب كذلك بانسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة.
سياسات القتل بهدف التهجيرويؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الانسان، إن قوات الاحتلال تواصل تصعيد جرائم القتل الجماعي بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، بالتوازي مع توسيع عمليات التدمير المنهجي لما تبقى من الأحياء السكنية والبنية المدنية، واستمرار القصف المتكرر لخيام النازحين ومراكز الإيواء المؤقتة، بما يؤدي إلى قتل وإصابة المدنيين وتشريدهم مرة بعد أخرى، في ظل انعدام أي مكان آمن داخل القطاع.
ويشير إلى أن الوقائع على الأرض تظهر نمطا متكررا من الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف المدنيين في أماكن وجودهم اليومية، ما يعكس إصرار قوات الاحتلال على مواصلة تنفيذ سياسات ممنهجة تستهدف تدمير مقومات الحياة، وإخضاع السكان لظروف معيشية تستحيل معها الحياة، لافتا إلى أن إسرائيل ومنذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، لم تلتزم بتنفيذه فعليا، إذ استمرت عمليات القتل والقصف والتدمير، ويؤكد أن هذه السياسات مجتمعة تشير إلى أن إسرائيل لا تكتفي بمواصلة أفعال الإبادة الجماعية، وإنما تواصل أيضا تكريس بيئة قسرية تدفع السكان الفلسطينيين إلى الرحيل، من خلال التدمير المنهجي، والتجويع، والتهجير القسري، وتفكيك مقومات الحياة المدنية.
من جهتها قالت فصائل المقاومة الفلسطينية، بعد مرور 1000 يوم على حرب الإبادة الجماعية المدعومة مباشرة من الإدارة الأمريكية واللوبيات الغربية، إنها تمثل “تجسيد صارخ لإرهاب الدولة المنظم كوجه حقيقي للاستعمار الصهيوني”، وأضافت “1000 يوم من الحرب والمواجهة بين المنظومة الاستعمارية الصهيوأمريكية والغربية المدججة بكل أصناف الأسلحة الأمريكية والغربية الصنع ضد شعبنا الأعزل إلا من إرادته”.
وأعلنت رفض أي وصاية أجنبية على الشعب الفلسطيني، وأكدت أن إدارة قطاع غزة هي “شأن داخلي”، ودعت اللجنة الإدارية لإدارة غزة إلى سرعة دخول قطاع غزة ومباشرة مهامها، كما دعت إلى ضرورة إطلاق حوار وطني شامل يؤسس لشراكة سياسية حقيقية، ويضع استراتيجية وطنية موحدة ويبحث القضايا الوطنية الكبرى ويرتب البيت الفلسطيني ويعيد بناء المؤسسات الوطنية بما فيها منظمة التحرير لتكون جامعة للكل الفلسطيني وذلك لمواجهة التحديات الهائلة التي تحدق بالقضية الفلسطينية، وطالبت بموقف عربي وإسلامي ضاغط ومركزي من أجل تثبيت وقف الحرب بشكل شامل وكامل واستثمار كل أوراق الضغط العربية والإسلامية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك