نشر المتقاعد التونسي حيدر عامر تدوينة قال فيها إنه يتقاضى معاشا لا يتجاوز 300 دينار (100 دولار) بعد 29 عاما من العمل في وزارة الفلاحة (الزراعة)، بينما لا يحصل فعليا إلا على 290 دينارا، (98 دولارا) بعد اقتطاعات قال إنه لا يعرف أسبابها.
وأضاف عامر أنه سأل عن الزيادة الأخيرة في الأجور، التي قالت السلطات إنها تشمل المتقاعدين، لكنه أُبلغ بأنه غير معني بها لأن معاشه يقل عن الأجر الأدنى المضمون، وتواصلت الجزيرة نت معه، لكنه اكتفى بما نشره في تدوينته.
لا تبدو قصة عامر حالة منفردة، بل تعكس -وفق شهادات متقاعدين تحدثوا للجزيرة نت- صعوبات يومية تواجهها فئات واسعة بعد نهاية مسارها المهني.
list 1 of 4سجن سهام بن سدرين يعيد تونس إلى جدلية الانتقام وتطبيق القانونlist 2 of 4هل أصبح تهريب الوقود أكبر استنزاف للاقتصاد الليبي؟list 3 of 4خلف جدران عمرها قرون.
لماذا تخوض المدينة العتيقة في تونس سباقا مع الانهيار؟list 4 of 4تونس تستهدف نموا بـ 4.
2% وخفض البطالة بحلول 2030يقول يوسف الرابحي، وهو متقاعد، للجزيرة نت إن ثمة من يتقاضى معاشا لا يتجاوز 240 ديناراً (نحو 82 دولاراً)، معتبرا أن مثل هذه المبالغ لم تعد قادرة على تغطية الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويضيف أن عددا كبيرا من المتقاعدين يجدون أنفسهم في مواجهة صعوبات مالية رغم سنوات العمل الطويلة، متسائلا عن قدرة هذه المعاشات على ضمان حياة كريمة لمن قضوا عقودا في خدمة الدولة والاقتصاد.
وتظهر هذه الصعوبات بشكل متكرر أمام مكاتب البريد بداية كل شهر، حيث يقضي عدد من كبار السن ساعات طويلة في طوابير للحصول على معاشاتهم التقاعدية.
أما المتقاعد مصطفى بن رجب، فيقول إنه تلقى الزيادة الأخيرة، لكنه يرى أنها لم تكن في حدود النسبة المعلنة، وأوضح للجزيرة نت أن الزيادة التي حصل عليها لا تتجاوز -حسب تقديره- نحو 4%، مضيفا أنه تلقى نحو 50 ديناراً فقط (17 دولاراً) بينما حصلت زوجته على زيادة في حدود 30 ديناراً (10 دولارات).
ويتساءل بن رجب عن استمرار اقتطاع الضرائب من بعض المتقاعدين، قائلا إنهم أمضوا سنوات العمل ودفعوا مساهماتهم قبل الوصول إلى مرحلة التقاعد.
تكشف معطيات منظومة الضمان الاجتماعي في تونس أن عدد المتقاعدين يناهز 1.
278 مليون شخص، موزعين بين الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية.
ويستحوذ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على النسبة الأكبر من أصحاب معاشات التقاعد بنسبة 65.
1%، أي ما يقارب 832 ألف متقاعد، مقابل نحو 446 ألف متقاعد ضمن الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية.
يأتي ذلك في ظل تحولات ديمغرافية متسارعة وارتفاع عدد المنتفعين بمعاشات التقاعد، وهو ما يزيد الضغط على التوازنات المالية للصناديق الاجتماعية، ويطرح أسئلة متعلقة باستدامة منظومة التقاعد وتمويلها خلال السنوات المقبلة.
ولا تبدو أزمة المتقاعدين في تونس مرتبطة فقط بالزيادة الأخيرة المحدودة، إذ سبق أن تحدث كاتب عام الجامعة العامة للمتقاعدين عبد القادر نصري عن وضعية صعبة تعيشها شريحة واسعة من أصحاب معاشات التقاعد.
وقال نصري إن أكثر من نصف المتقاعدين يتقاضون دخلا يقل عن الأجر الأدنى المضمون، مشيرا إلى أن نحو 600 ألف متقاعد من القطاع الخاص و20 ألفا من متقاعدي الوظيفة العمومية يحصلون على دخل لا يتجاوز في بعض الحالات 350 ديناراً (120 دولاراً).
في السياق، عبرت الجامعة العامة للمتقاعدين التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل بدورها عن رفضها للزيادة المعلنة بنسبة 5% في الدخل لمتقاعدي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
واعتبرت الجامعة، التي تمثل مصالح المتقاعدين، أن الزيادة كان يفترض أن تكون تصاعدية، بحيث يستفيد أصحاب الدخول الضعيفة بنسب أكبر، بما يخفف الفوارق بين المتقاعدين.
وقالت إن الزيادة الحالية لا تتناسب مع تراجع المقدرة الشرائية لعدد كبير من المتقاعدين، محذرة أيضا من تدهور الخدمات الصحية العمومية وصعوبة حصول بعض كبار السن على الأدوية والخدمات الضرورية.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي رضا شكندالي للجزيرة نت إنه فوجئ بعدم شمول بعض الفئات التي تتقاضى أقل من الأجر الأدنى المضمون بالزيادة.
واعتبر شكندالي أن هذه الفئة هي الأكثر حاجة للدعم، داعيا إلى مراجعة هذا التوجه ورفع دخولها على الأقل إلى مستوى الأجر الأدنى المضمون، معتبرا أن الحكومة قد تكون لديها ترتيبات خاصة بهذه الشرائح.
أما الخبير في الصناديق الاجتماعية هادي دحمان، فأوضح للجزيرة نت أن الإشكال يتعلق بتأويل إجراءات تطبيق الزيادة، مشيرا إلى وجود 3 شرائح وقع اعتبارها غير مشمولة مؤقتا، وهي بعض أصحاب الأجر الأدنى المضمون، والعمال التونسيون بالخارج، ومن تمت إحالتهم على التقاعد بداية من يناير/كانون الثاني 2026.
وأضاف دحمان أن هذه الفئات تمثل شريحة مهمة، بل إنها من أكثر الشرائح حاجة إلى الزيادة، مؤكدا أن مراجعة الإجراءات مطروحة وأنه من المنتظر أن يقع النظر في وضعيتها.
ولم تصدر وزارة الشؤون الاجتماعية حتى الآن توضيحا نهائيا بشأن هذه الإشكالية.
وتكشف أرقام الصناديق وشهادات أصحاب معاشات التقاعد، عمق الأزمة التي يعيشها المتقاعدون في تونس، التي تتجاوز مجرد زيادة محدودة في دخولهم لم تصل إلى بعض المتقاعدين.
ويبقى السؤال المطروح هو: كيف يمكن لمن أفنى سنوات عمره في العمل أن يجد نفسه بعد التقاعد في مواجهة صعوبة تأمين احتياجاته الأساسية؟ومن الواضح أن المعركة لم تعد فقط حول تحسين معاشات التقاعد، بل حول قدرة منظومة الحماية الاجتماعية على الحفاظ على معناها الأساسي: توفير حياة أكثر أمنا لمن ساهموا لعقود في بنائها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك