في اللحظة التي اتضحت فيها أبعاد كارثة 7 أكتوبر، بات واضحاً أن إسرائيل مضطرة لشن حربٍ شاملة ضد حماس.
ليس جولةً أخرى من الضربات على غرار عملية “الجرف الصامد”، و”حارس الأسوار”، و”عمود السحاب”، وما شابه، بل خطوة عسكرية حاسمة مصحوبة بخطوة سياسية تضع حداً لحكم حماس في قطاع غزة.
تأخرت إسرائيل لبضعة أسابيع قبل بدء العملية البرية، ويعود ذلك جزئياً إلى خوف نتنياهو من هزيمة عسكرية، ولكن لم يكن هناك شك بضرورة إنهاء سيطرة حماس على غزة، وسكانها، واقتصادها، وتعليمها.
لأنه كان من واضحاً أن كل شيكل تمكن نظام حماس من جمعه من الضرائب المفروضة على سكان قطاع غزة أو من المساعدات الإنسانية بمختلف أنواعها، كان يُوجه إلى الجناح العسكري للحركة، ومن ثم يُستخدم في بناء الأنفاق وتصنيع الأسلحة وتجنيد المزيد من المقاتلين.
لكن بعد ألف يوم من حرب ضارية مدمرة، حصدت خلالها مئات القتلى في الجانب الإسرائيلي وعشرات الآلاف في الجانب الفلسطيني، حدث ما لا يُصدق.
لم ينجُ جناح حماس العسكري من الحرب فحسب، بل تمكنت حماس من البقاء بصفتها الجهة الحاكمة الوحيدة في قطاع غزة.
صحيح أن بنية الأنفاق التحتية تضررت، وخسر الجناح العسكري عشرات الآلاف من الجنود، وأن الأسلحة التي بحوزتها لم تعد أفضل حالًا مما كانت عليه، وأن قيادة حماس بأكملها تقريبًا قد قُضي عليها، مع ذلك، ووفقًا للعديد من التقارير الواردة من غزة، حماس اليوم تعيد تسليح نفسها، وتُرمم بنية أنفاقها التحتية في الأراضي التي تسيطر عليها، وتُعيد إنتاج الأسلحة وحتى الصواريخ، وتحاول تهريب طائرات مُسيرة من سيناء، وبعبارة أخرى، تُجهز لجولة أخرى من القتال ضد إسرائيل.
في الوقت نفسه، تتمكن المنظمة الإرهابية في غزة من دفع رواتب عناصرها، بل وتجنيد عناصر جديدة.
في الأسبوع الماضي، خُطط لمظاهرات ضد حماس في غزة، لكن المشاركة كانت ضعيفة، والتزم الناس منازلهم.
بعضهم بسبب بقاء أنصار المنظمة، ومعظمهم خوفًا.
تم تصفية محمد ضيف، ويحيى السنوار، وعز الدين الحداد، وغيرهم كثيرون، وحل محلهم شخصيات بارزة أخرى في حماس، مجهولة الهوية لدى الرأي العام الإسرائيلي، ونادرًا ما يعرفها سكان غزة، لكنهم يحافظون على سيطرة المنظمة على القطاع.
فشل حكومة نتنياهو السياسي الذريعينبع فشل إسرائيل السياسي في إيجاد بديل حاكم لحماس، بديل يُهدد جناحها العسكري أيضاً، بشكل رئيسي من فشل حكومة نتنياهو السياسي الذريع.
فمنذ بداية الحرب، كل عاقل قال وحذر بضرورة اتخاذ إجراءات لإقامة بديل حاكم في غزة لتحقيق نصر حقيقي.
كان الخيار الأرجح إنشاء هيئة عربية فلسطينية تشارك فيها السلطة الفلسطينية، لكن إسرائيل رفضت مرارًا وتكرارًا أي نقاش حول موضوع هذه السلطة، وفرضت وضعًا يسمح لحماس بالبقاء في السلطة، بسبب خوف نتنياهو من شريكيه سموتريتش وبن غفير.
بعبارة أخرى، إسرائيل بقيادة نتنياهو هي التي سمحت لحماس ببقائها كياناً سيادياً في غزة.
يتباهى أنصار نتنياهو بأن حماس لا تسيطر إلا على 47 في المئة من قطاع غزة، لكن المنظمة لا تهتم بهذا الأمر إطلاقًا: فهي تريد السيطرة على السكان أولاً، أولئك الذين سيدفعون لها الضرائب، والذين سيتم تجنيد الجيل القادم من قوات النخبة منهم.
وهي تفعل ذلك بالفعل.
إن فشل إسرائيل السياسي في هذه الحالة لا يتوقف عند حدود غزة.
فبحسب تقرير جيلي كوهين في قناة “كان”، التقى زعيم حماس الجديد، خليل الحية، المقيم في قطر، مؤخرًا مع مستشار إدارة ترامب، أرييه لايتستون، وعضو في “مجلس السلام”.
لا يسع المرء إلا أن يتأمل كيف تحوّل النصر المطلق الذي وعد به نتنياهو إلى هزيمة سياسية يتمتع فيها الحية بحصانة في قطر.
فبعد محاولة الاغتيال الفاشلة، يجتمع ممثلو الحكومة الأمريكية علنًا مع زعيم حماس لمناقشة مستقبل قطاع غزة، بينما يُسلّح الجناح العسكري في غزة نفسه، وتستمر حماس في السلطة.
والأسوأ، على الصعيد السياسي، أن حماس نجحت في جعل إسرائيل هدفًا للاشمئزاز في كل أنحاء العالم تقريبًا، بما في ذلك السياسة الأمريكية.
فلا يقتصر الأمر على نجاح المرشحين المعادين لإسرائيل في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي كمرشحين للكونغرس، بل حتى في الحزب الجمهوري، وأصبحت إسرائيل تُهاجم وتُحمَّل مسؤولية جميع الحروب الأخيرة في الشرق الأوسط.
لقد نجحت حماس في إعادة توجيه الرأي العام العالمي نحو ما يحدث في الأراضي المحتلة والضفة الغربية وقطاع غزة، وجعلت من إسرائيل المتهمة عالميًا بارتكاب الإبادة الجماعية.
بل إن أعدادًا متزايدة من الشباب الأمريكيين والأوروبيين يعربون علنًا عن دعمهم لحماس، زاعمين أن أحداث 7 أكتوبر لم تحدث، وأن إسرائيل لا تملك الحق في الوجود كدولة يهودية.
ولا يقتصر هذا على هامش حزب منبوذ في السويد أو كوراساو، بل يمتد ليشمل مؤيدي نجم الحزب الديمقراطي البارز، عمدة مدينة نيويورك، المدينة الأكثر يهودية في العالم خارج إسرائيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك