في واحدةٍ من أكثر محاولات علم الآثار الرقمي تعقيداً في السنوات الأخيرة، أعلن فريق دولي من الباحثين ضمن مشروع" تحدّي فيزوف" عن التوصّل إلى قراءةٍ افتراضية شبه كاملةٍ لبرديةٍ رومانية متفحّمة تعود إلى مدينة هيركولانيوم، تحمل الرمز PHerc.
1667، كانت قد دُفنت تحت رماد ثوران جبل فيزوف سنة 79 ميلادية، وظلت غير قابلة للفتح أو القراءة منذ إعادة اكتشافها في القرن الثامن عشر.
تعود هذه البردية إلى مجموعة من المخطوطات التي اكتُشفت لأول مرة في خمسينيات القرن الثامن عشر داخل فيلا رومانية فاخرة في هيركولانيوم (مدينة رومانية قديمة واقعة قرب نابولي الإيطالية)، وهي ضمن مكتبة تُعدّ من أهم المكتبات الباقية من العالم اليوناني الروماني.
وقد تحوّلت هذه اللفائف بفعل الحرارة والرماد البركاني إلى كتل كربونيةٍ متفحّمة، ما جعل أي محاولة لفتحها مادياً تؤدي إلى تفتت طبقاتها وفقدان محتواها النصي.
وبحسب ما ورد في تقارير علمية وإعلامية متطابقة، من بينها إعلان جرى في مؤتمر علمي بمدينة نابولي في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، فقد شارك باحثون من جامعة نابولي فيديريكو الثاني، وجامعة كنتاكي، ومؤسسات بحثية أوروبية ضمن إطار" Vesuvius Challenge"، في إنجاز قراءة النص دون فتح اللفافة فعلياً.
اعتمد الفريق على تصوير مقطعي عالي الدقة (micro-CT) وتقنيات تصوير متقدمة تعتمد على مصادر سنكروترونية، سمحت برصد البنية الداخلية للبردية وتمييز آثار الحبر الكربوني داخل طبقاتها المتراكبة.
بعد ذلك جرى توظيف خوارزميات تعلم الآلة لإعادة بناء اللفافة رقمياً، عبر فصل طبقاتها الداخلية" افتراضياً" وتسطيحها على هيئة سطحٍ قابل للقراءة.
أقدم من الطبقة المعروفة من مؤلفي مكتبة هيركولانيوم، وفي مقدمتهم الفيلسوف الأبيقوري فيلوديموس الغداريوقد مكّنت هذه العملية من استعادة نحو 1.
5 متر من النص المتصل، موزعة على قرابة 20 عموداً مكتوباً باللغة اليونانية القديمة، الأمر الذي يُعدّ من أبرز النتائج التي أُعلنت في سياق هذا المشروع منذ انطلاقه عام 2023.
وتشير المعطيات اللغوية والتاريخية الواردة في التقارير إلى أن نص PHerc.
1667 يعود إلى الفترة ما بين القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، ما يجعله أقدم من الطبقة المعروفة من مؤلفي مكتبة هيركولانيوم، وفي مقدمتهم الفيلسوف الأبيقوري فيلوديموس الغداري (القرن الأول قبل الميلاد)، الذي تمثل أعماله جزءاً واسعاً من محتويات المكتبة.
وتذهب القراءات الأولية للنص إلى أنه ينتمي إلى تقليدٍ فلسفي رواقي، يتناول قضايا الأخلاق والسلوك الإنساني والطبيعة البشرية.
كما يرد فيه ذكر أرستوكريون، المرتبط بدائرة الفيلسوف الرواقي كريسيبوس، أحد أبرز أعلام الرواقية المبكرة، وفق ما ورد في تحليلات الباحثين المشاركين في المشروع، ومن بينهم فيديريكا نيكولاردي من جامعة نابولي فيديريكو الثاني.
ويأتي هذا الإنجاز ضمن مشروع" تحدّي فيزوف"، الذي أُطلق عام 2023 بمبادرةٍ من الباحث برنت سيلز، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة كنتاكي، بهدف تطوير تقنيات قادرة على قراءة البرديات المتفحّمة دون فتحها، عبر الجمع بين التصوير المقطعي المتقدم والذكاء الاصطناعي.
وقد أتاح المشروع خلال السنوات الأخيرة استعادة نصوصٍ متعددة من أرشيف هيركولانيوم، بعضها بصورة كاملة وأخرى جزئية.
كما تشير التقارير إلى أن العمل لم يقتصر على هذه البردية، إذ تمكّن الباحثون أيضاً من استخراج أكثر من 70 عموداً من برديةٍ أخرى تحمل الرمز PHerc.
172، في إطار الجهود المتواصلة لفكّ بقية اللفائف المحفوظة داخل المكتبة ذاتها.
ورغم هذا التقدم، لا تزال مئات اللفائف الأخرى محفوظةً في حالتها الكربونية الأصلية داخل هيركولانيوم، غير قابلةٍ للفتح حتى الآن، ما يجعل المشروع مفتوحاً على احتمالات واسعة لإعادة اكتشاف جزء كبير من التراث الفلسفي اليوناني الروماني الذي ظلّ صامتاً لأكثر من ألفي عام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك