الكتابة عند المصريين فلسفة كاملة فى فهم الدولة والزمان والإنسان، لقد أدرك ذلك المصرى القديم، قبل أن يكتشف العالم معنى الوثيقة بآلاف السنين، إن الأمم التى لا تكتب تاريخها بنفسها، يكتبه عنها الآخرون، والرواية إذا خرجت من أيدى أصحابها، دخلت فى أيدى خصومهم، فأعادوا ترتيب الأحداث وفق أهوائهم، وطمسوا الحقائق، وأورثوا الأجيال ذاكرة ليست بذاكرة.
لذلك ليس غريبا أن تكون مصر أول دولة تجعل من الكتابة رفيقة للدولة، ومن البردية سجلا للحياة، ومن النقش على الحجر عهدا بين الأحياء، ومن سيأتون بعدهم، فالدولة المصرية لم تولد بالسيف وحده، إنما ولدت بالقلم أيضا، فالكتابة ترافقت والسلاح، ولم يكن القلم فى مصر نقيضا للسيف، كان شقيقه، أحدهما يحرس الحدود، والآخر يحرس الذاكرة، ولهذا بقيت مصر، بينما ذهبت إمبراطوريات امتلكت من القوة العسكرية أضعاف ما امتلكته، لكنها فقدت الرواية، فضاعت مع الزمن.
لعل الدكتور جمال حمدان، كان من أكثر من أدركوا هذه الحقيقة، حين رأى أن مصر ليست مجرد دولة، إنما ظاهرة حضارية فريدة، وأنها محكومة بحكم تاريخها وموقعها بأن تكون قوية، لأن ضعفها لا يصيبها وحدها، إنما يختل معه ميزان الإقليم كله، ولم يكن ماكس فيبر قد صاغ تعريفه الحديث للدولة حين كانت مصر قد أرست، منذ آلاف السنين، أول نموذج للدولة المركزية المنظمة، التى عرفت الإدارة والقانون والجيش والكتابة، وجعلت من التاريخ جزءا من أمنها القومى، قبل أن تعرف البشرية هذا المصطلح بقرون طويلة.
من هذا المعنى العميق أقرأ كتاب" رجل الأقدار.
سيرة قائد.
مسيرة وطن"، فهو -فى تقديرى- ليس إصدارا جديدا يضاف إلى رفوف المكتبات، ولا سيرة تقليدية لرئيس من رؤساء الدولة، إنما محاولة واعية لأن تكتب مصر روايتها بنفسها، وأن تقدم وثيقتها الوطنية عن مرحلة ستظل، لعقود مقبلة، موضع دراسة وفحص وإمعان.
هنا تبدو قيمة المبادرة التى تبنتها الهيئة الوطنية للصحافة، برئاسة المهندس عبد الصادق الشوربجي، حين قررت أن تنجز هذا المشروع الوثائقى الكبير، وأن تجمع له نخبة من الباحثين، والمفكرين، والكتاب، والصحفيين الثقات، ليخرج العمل معبرا عن رؤية مؤسسية، لا عن اجتهاد فردى، وليكون أقرب إلى شهادة وطن، منه إلى كتاب تقليدى، فالذاكرة الوطنية لا يصنعها قلم واحد، إنما تبنيها عقول متعددة، تتكامل فيما بينها لتقترب من الحقيقة قدر المستطاع.
منذ الصفحات الأولى، يدرك القارئ أنه أمام سِفر مهم، يحاول أن يفسر كيف تلتقى الشخصية بالتاريخ، وكيف يصبح الإنسان، فى لحظة فارقة، جزءا من قدر وطن بأكمله، لذلك لا يبدأ الكتاب من قصر الرئاسة، إنما يبدأ من الأزقة القديمة لحى الجمالية، حيث نشأ الرئيس عبد الفتاح السيسى فى بيئة مصرية خالصة، تتجاور فيها الأسواق مع المساجد، والحرفة مع العبادة، والعمل مع التدين الوسطى، فتتشكل منظومة قيم ستظل ترافق الرجل فى كل مراحل حياته.
جاء الكتاب نسيجا واحدا، شارك فيه باحثون وكتاب، وقد تولى الزميل الكاتب الصحفى حمدى رزق مهمة التحرير العام، ليكون نسقا واحدا تمتد بين خيوطه رؤية واحدة، تتسق مع أهمية الرواية الوطنية.
كما فى مصر القديمة حين كانت تسجل الوقائع بدقة، تتبع الكتاب تكوين الرئيس الإنسانى، مثلما يتكون أبناء الطبقة الوسطى المصرية، أسرة تعرف قيمة العمل، وأب يغرس الانضباط والجدية، وأم تمنح أبناءها الإيمان والسكينة، وحى شعبى يحمل فى تفاصيله روح القاهرة التاريخية، ثم مؤسسة عسكرية صاغت الشخصية فى مدرسة لا تعرف إلا الانضباط والواجب وتحمل المسئولية.
هنا تتحول السيرة من مجرد قصة نجاح فردية، إلى محاولة لفهم الكيفية التى تصنع بها الدولة رجالها فى لحظات التحول الكبرى، فالرجال، كما يقول ويل ديورانت، لا تصنعهم العبقرية وحدها، وإنما تصنعهم المؤسسات التى تعرف كيف تربيهم، وكيف تحملهم مسئولية التاريخ حين تأتى لحظته.
لهذا يعود الكتاب إلى محطة يونيو 1967، باعتبارها جرحا أصاب وجدان جيل كامل، فكان اختيار الحياة العسكرية، بالنسبة إلى كثيرين، فعل انتماء قبل أن يكون اختيارا لمهنة، ومن هذه الزاوية يقرأ الكتاب التحاق الرئيس عبد الفتاح السيسى بالقوات المسلحة المصرية، بوصفها المدرسة الوطنية التى حملت، عبر تاريخها، مسئولية الدفاع عن الدولة المصرية فى كل مراحلها الطويلة، وفى المحطات العاصفة، بوصفها الجدار الصلب، الذى تتحطم عليه كل المخططات الداخلية والخارجية.
يمضى الكتاب فى تتبع سنوات التكوين داخل المؤسسة العسكرية، حيث تتراكم الخبرات، ويترسخ معنى الانضباط، ويصبح الصبر أحد أشكال القوة، ويتعلم الضابط الشاب أن القرار ليس اندفاعا، وإنما مسئولية، وأن القيادة ليست سلطة، إنما عبء، وأن الوطن يبقى دائما أكبر من الأشخاص.
لعل هذه الصفحات من أكثر صفحات الكتاب عمقا، لأنها لا تكتفى بسرد الوقائع، وإنما تبحث عن الجذور التى تفسر شخصية الرئيس عبد الفتاح السيسى، فتقدم رجلا تشكل على الاحتواء قبل الصدام، وعلى الصبر الإستراتيجى قبل رد الفعل، وعلى تقدير موازين القوى قبل اتخاذ القرار، وهى خصال لم تكتسب فى لحظة، إنما تراكمت عبر سنوات طويلة من التجربة والتكوين.
ليس من قبيل المصادفة أن يستدعى الكتاب، فى هذا السياق، لحظة الثلاثين من يونيو، باعتبارها واحدة من أكثر اللحظات حساسية فى التاريخ المصرى الحديث، وهنا لا ينشغل الكتاب بالحدث فى ذاته، بقدر ما ينشغل بالسؤال الأكبر: كيف تتصرف الدولة حين يصبح وجودها نفسه موضع اختبار؟ وكيف يتخذ القائد قراره حين تتشابك إرادة الملايين مع أخطر التحديات الداخلية والإقليمية؟هنا يستحضر القارئ ما قاله المؤرخ البريطانى أرنولد توينبى، من أن الحضارات لا تتقدم إلا عبر «التحدى والاستجابة»، وكانت مصر، آنذاك، أمام تحد وجودى حقيقى، لا يتعلق بتغيير حكومة أو تبديل نظام، إنما بمصير الدولة الوطنية نفسها.
من هذه اللحظة الفارقة يبدأ الكتاب فى الانتقال من سيرة الرجل إلى سيرة الدولة، ومن تكوين الشخصية إلى اختبارها الأكبر، وهنا تتجلى إحدى أهم مزايا هذا العمل، فهو لا يضع الرئيس عبد الفتاح السيسى خارج زمانه، إنما يضعه داخل التاريخ، ويجعل القارئ يرى كيف تتداخل الإرادة الفردية مع إرادة الأمة، وكيف يصبح القرار، فى لحظات استثنائية، مسئولية وطن بالكامل.
لقد واجهت مصر، بعد الثلاثين من يونيو، وضعا بالغ التعقيد، فالإرهاب لم يكن مجرد عمليات مسلحة متناثرة، إنما كان مشروعا استهدف إسقاط الدولة الوطنية من جذورها، وكانت المنطقة، من حولها، تموج بانهيارات متلاحقة، سقطت فيها جيوش، وتفككت مؤسسات، وتحولت عواصم عريقة إلى ساحات حرب، وفى خضم هذا المشهد، يقرأ الكتاب خيارات الدولة المصرية، ليس بوصفها ردود أفعال آنية، إنما باعتبارها رؤية إستراتيجية لإبقاء الدولة واقفة على قدميها.
يحسب لمؤلفى هذا السِفر الضخم، أنهم لم يحصروا المعركة فى بعدها الأمنى وحده، فقد أدركوا أن الإرهاب لا يهزم بالرصاص وحده، كما أن الأوطان لا تبنى بالعمليات العسكرية وحدها، ولذلك يربط الكتاب بين المواجهة الأمنية وبين التنمية، ويقدم صورة متكاملة لدولة، كانت تخوض حربا على أكثر من جبهة، حربا ضد الإرهاب، وحربا ضد الزمن، وحربا ضد التراجع الاقتصادى، وفى الوقت نفسه كانت تشق الطرق، وتبنى المدن، وتوسع شبكات الكهرباء، وتطور الموانئ، وتستصلح الأراضى، وتؤسس بنية تحتية، لم تعرفها مصر بهذا الاتساع منذ عقود.
هنا يتوقف القارئ أمام فكرة عميقة تتكرر بين سطور الكتاب، وهى، أن الرئيس عبد الفتاح السيسى لم يتعامل مع الأمن بوصفه غاية، إنما بوصفه شرطا للبناء، فالأمن، فى فلسفة الدولة، ليس حالة عسكرية، إنما بيئة تسمح للمجتمع بأن يعمل، وللاقتصاد أن ينمو، وللإنسان أن يشعر بأن المستقبل ممكن.
ربما لهذا السبب ينتقل الكتاب، بسلاسة، من ميادين المواجهة إلى ميادين التأسيس، ليكشف أن السنوات التى أعقبت استعادة الاستقرار، لم تكن سنوات ترميم لما تهدم بسبب الإرهاب والفوضى، إنما كانت سنوات إعادة تعريف لمفهوم الدولة الحديثة فى مصر.
هنا -فى تقديرى- يبدأ العمود الفقرى لهذا المشروع التوثيقى، فالكتاب لا يقدم قائمة بالإنجازات، ولا يسرد أرقاما ومشروعات، إنما يحاول اكتشاف الفكرة الجامعة التى تنظم كل هذه الملفات، فالدولة، فى هذا التصور، ليست مجموعة مشروعات منفصلة، إنما رؤية متكاملة، تتصل فيها السياسة بالاقتصاد، ويتكامل فيها القانون مع العمران، ويلتقى فيها الإنسان، بالمكان.
لعل أكثر ما لفت انتباهى هو ما يسميه الكتاب «الثورة التشريعية» وهذه، فى رأيى، من أكثر القضايا التى لم تنل نصيبها من النقاش العام، برغم أنها ربما كانت الأساس الذى قامت عليه بقية خطوات الإصلاح، فالدول لا تنتقل من مرحلة إلى أخرى بالطرق والجسور وحدها، إنما تبدأ رحلتها الحقيقية حين تعيد بناء منظومتها القانونية، لأن القانون هو الإطار الذى تتحرك داخله الدولة والمجتمع معا.
وقد أحسن المشاركون فى الكتاب حين عرضوا عشرات القوانين التى صدرت خلال السنوات الأخيرة، فى مجالات الاستثمار، والصناعة، والإدارة، والتعليم، والصحة، والإدارة المحلية، وغيرها، دون أن يحولوها إلى سرد قانونى جاف، لكنهم ربطوها بفكرة أكبر، مؤداها أن إعادة بناء الدولة، تبدأ من إعادة بناء قواعدها.
لعل مونتسكيو كان محقا حين رأى أن القوانين هى روح الأمم، فالعمران قد يسبق القانون فى الدول الهشة، لكنه فى الدول الراسخة يولد منه، لهذا فإن الثورة التشريعية التى يستعرضها الكتاب، تبدو جزءا من مشروع تأسيسى، وليس مجرد تعديلات متفرقة فرضتها ضرورات المرحلة.
ثم ينتقل الكتاب إلى الملف الاقتصادى، فيقدم قراءة تتجاوز الأرقام إلى الفلسفة، فهو يرى أن الإصلاح الاقتصادى لم يكن ترفا سياسيا، ولا استجابة لضغوط خارجية، إنما ضرورة فرضتها طبيعة اللحظة التاريخية، ورغبة الدولة فى استعادة قدرتها على اتخاذ قرارها الاقتصادى باستقلالية أكبر، ويربط الكتاب بين هذا المسار، وبين إطلاق المشروعات القومية الكبرى، وتحسين البنية الأساسية، وتوسيع الرقعة العمرانية، وتوفير بيئة أكثر جذبا للاستثمار.
غير أن العمل لا يغفل الوجه الآخر للمعادلة، فالإصلاح، - كما يعرضه- لم يكن منفصلا عن برامج الحماية الاجتماعية، لكنه سار معها فى خط واحد، من هنا تتوقف صفحاته طويلا أمام مبادرة" حياة كريمة"، باعتبارها واحدة من أكبر المبادرات التنموية فى تاريخ الريف المصرى، ليس بحجمها فقط، إنما بما حملته من فلسفة، تقوم على أن التنمية لا تكتمل إذا بقيت أطراف الوطن خارجها.
لعل هذه الفكرة تلتقى مع ما ذهب إليه جمال حمدان، حين رأى أن قوة مصر تبدأ من عمقها البشرى قبل أن تبدأ من عمرانها، وأن الريف المصرى ظل، عبر التاريخ، مستودع الشخصية الوطنية وحارسها الأول.
لا يقف الكتاب عند حدود الاقتصاد أو التشريع، وإنما يمضى إلى القضية التى أراها جوهر كل مشروع نهضوى، وهى الإنسان، فالحضارات لا تقاس بما تشيده من طرق وجسور فحسب، إنما بما تبنيه فى عقل الإنسان ووجدانه، وقد أدرك مؤلفو هذا السفر المهم، أن الجمهورية الجديدة، - كما يقدمها الكتاب- هى مشروع بناء للإنسان المصرى، بوصفه الغاية والوسيلة.
من هنا يفرد العمل صفحات واسعة لتطوير منظومة الصحة، وإطلاق المبادرات الرئاسية للكشف المبكر عن الأمراض، وتطبيق منظومة التأمين الصحى الشامل، إلى جانب تطوير التعليم، وإنشاء الجامعات الأهلية والتكنولوجية، وربط العملية التعليمية باحتياجات التنمية وسوق العمل، كما يتناول التحول الرقمى، وتطوير الجهاز الإدارى، وتمكين المرأة، وإعداد الشباب، لا باعتبارها ملفات منفصلة، إنما باعتبارها حلقات متصلة فى مشروع واحد، يستهدف إعادة صياغة الدولة المصرية على أسس حديثة.
هنا تتجلى ميزة أخرى لهذا الكتاب، فهو لا يجعل القارئ ينتقل من ملف إلى آخر انتقالا ميكانيكيا، إنما يشعر أن كل قضية تؤدى إلى الأخرى بصورة طبيعية، فالاقتصاد يحتاج إلى تشريع، والتشريع يحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات تحتاج إلى تعليم، والتعليم يحتاج إلى إنسان قادر على حمل مسئولية المستقبل، وهكذا تبدو الدولة -كما يقدمها الكتاب- بناء متكاملا، إذا اختل أحد أركانه تأثر البناء كله.
لم يغفل المؤلفون قضية المواطنة، باعتبارها إحدى الركائز الفكرية التى قامت عليها الجمهورية الجديدة، فالكتاب يعرضها باعتبارها مفهوما سياسيا ودستوريا، قبل أن تكون شعارا اجتماعيا، ويستعرض التشريعات والإجراءات التى استهدفت ترسيخ المساواة بين المواطنين، وفى مقدمتها قانون بناء الكنائس وتقنين أوضاعها، وتوسيع مساحات المشاركة العامة، انطلاقا من أن الدولة القوية لا تقوم إلا على مجتمع، يشعر جميع أبنائه أنهم شركاء فى وطن واحد، لا رعايا متفاوتين فى الحقوق.
ثم ينتقل الكتاب إلى السياسة الخارجية، فيقدم قراءة هادئة للتحولات التى شهدها الحضور المصرى خلال السنوات الأخيرة، فالسنوات الأولى بعد الثلاثين من يونيو شهدت محاولات لعزل مصر، وفرض عزلة سياسية عليها، غير أن الكتاب يرصد، من خلال الوقائع والوثائق، كيف استطاعت الدولة، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى، أن تعيد بناء شبكة علاقاتها العربية والإفريقية والإسلامية والدولية، وأن تنتهج سياسة اتسمت بالاتزان، وتعدد الشراكات، وعدم الارتهان لقوة واحدة، حتى استعادت مصر مكانتها التقليدية، بوصفها دولة توازن واستقرار فى منطقة تعصف بها الأزمات.
لعل ما يميز هذا السفر التوثيقى، فى مجمله، أنه لا يقرأ كل ملف بمعزل عن الآخر، وإنما يربط بين الأمن، والاقتصاد، والتشريع، والتنمية، والسياسة الخارجية، فى إطار رؤية واحدة، وهى رؤية تجعل القارئ يشعر بأنه لا يطالع كتابا عن سلسلة من الإنجازات، إنما يقرأ فلسفة دولة، وهى تعيد ترتيب أولوياتها، بعد أخطر منعطف مرت به فى تاريخها الحديث.
يحسب للهيئة الوطنية للصحافة أنها لم تتعامل مع هذا العمل بوصفه إصدارا احتفاليا، إنما بوصفه مشروعا للتوثيق الوطنى، ولهذا جاء الكتاب ثمرة جهد جماعى، شارك فيه باحثون، ومفكرون، وكتاب، وصحفيون، من مدارس فكرية وخبرات متنوعة، فخرج النص متعدد الأصوات، غنيا بالشهادات والوثائق والتحليلات، دون أن يفقد وحدته الفكرية.
لعل أجمل ما فى هذا العمل، أنه لم يحاول أن يفرض على القارئ حكما نهائيا، إنما وضع أمامه المادة التاريخية، والوثيقة، والشهادة، والتحليل، وترك له مساحة واسعة للتأمل والمقارنة، وهذه -فى تقديرى- إحدى علامات الأعمال التى تُكتب للتاريخ، فالكتب التى تولد من رحم اللحظة تموت بانتهاء اللحظة، أما الكتب التى تستند إلى الوثيقة، فإنها تبدأ حياتها الحقيقية حين تصبح مرجعا للباحثين.
حين أغلقت هذا السفر، لم أشعر بأننى انتهيت من قراءة سيرة رئيس، إنما شعرت أننى فرغت من قراءة فصل طويل من سيرة مصر نفسها، فالرئيس عبد الفتاح السيسى -كما يقدمه الكتاب- ليس بطلا منفصلا عن عصره، إنما رجل ارتبط اسمه بمرحلة تاريخية شديدة التعقيد، أصبحت جزءا من ذاكرة الدولة المصرية، بكل ما حملته من تحديات ومواجهات وخيارات كبرى.
وقد أدرك المصرى القديم، منذ فجر التاريخ، أن الذاكرة لا تترك للمصادفة، ولا تسلم للغرباء، لذلك نقش على الحجر، وكتب على البردى، وسجل انتصاراته وانكساراته، لأنه كان يعلم أن الزمن قد يغير الوجوه، لكنه لا يغير الوثائق، وحين قال هيرودوت إن «مصر هبة النيل»، كان يصف نعمة الجغرافيا، لكن التاريخ أثبت أن مصر أيضا هبة شعبها، ومؤسساتها، وقدرتها الدائمة على النهوض بعد كل عاصفة، ثم جاء جمال حمدان ليكمل الصورة، حين رأى أن مصر ليست مجرد وطن، إنما حضارة ممتدة فى صورة دولة، وأن سر بقائها يكمن فى قدرتها على إعادة إنتاج قوتها، كلما ظن الآخرون أنها بلغت النهاية.
من هنا، فإن" رجل الأقدار.
سيرة قائد.
مسيرة وطن" ليس كتابا عن الرئيس عبد الفتاح السيسى وحده، ولا هو سجل لإنجازات عقد مضى، إنما هو محاولة، لأن تستعيد مصر حقها الأصيل فى أن تروى تاريخها بنفسها، وأن تقدم للأجيال القادمة روايتها الوطنية عن مرحلة ستظل موضع دراسة طويلة.
فالذاكرة الوطنية لا تورث، إنما تكتب، والتاريخ لا ينصف أمة تركت غيرها يكتب عنها، وقد ينتصر السلاح فى معركة، لكن الوثيقة هى التى تنتصر فى التاريخ، وربما لهذا السبب يكتسب هذا السفر قيمته الحقيقية، لأنه لا يحفظ ذاكرة مرحلة فحسب، إنما يضيف حجرا جديدا إلى صرح الوعى الوطنى، ويؤكد أن الأمم الكبيرة لا تخشى التاريخ، بل تكتبه بقوة وثقة وعمق، ومصر تفعل دائما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك