كنت أتمنى، حقاً، أن أكتب مقالاً إيجابياً أشيد فيه بفيلم «القصص» للمخرج أبوبكر شوقى، والأسباب كثيرة: فهو فيلم فنى جاد، فى سوق ساد فيها الترفيه التجارى واللهو غير المسئول، كما أن مخرج ومؤلف الفيلم شاب طموح سبق له أن صنع فيلماً بديعاً اسمه «يوم الدين»، 2018، كان تطويراً لفيلم وثائقى قام بصنعه أيام دراسته فى معهد السينما، عن نزلاء مستعمرة الجذام، ورغم بعض الملاحظات التى لم أستطع بلعها فى «يوم الدين»، إلا أننى اعتبرتها نتاج صعوبات صنع العمل الأول، وأن الأعمال التالية للمخرج المؤلف ستكون أفضل بالتأكيد.
ورغم أن فيلم أبوبكر شوقى التالى جاء بعد ست سنوات، وكان إنتاجاً وموضوعاً سعودياً خالصاً، وهو فيلم «هجان»، 2024، فقد اعتبرته خطوة إنتاجية بهدف العمل والوجود فى السوق لا تعبر عن طموحه وإمكانياته الكامنة.
من ثم توجهت لمشاهدة فيلمه الثالث «القصص» وكلى تفاؤل وتطلع لمشاهدة عمل متميز، خاصة بعد المشاركات «المهرجانية» الدولية وفوز الفيلم بالجائزة الأولى فى مهرجان قرطاج الماضى.
طالعت أيضاً عناوين بعض المقالات النقدية والتعليقات على مواقع التواصل التى تشيد بالفيلم، ما زاد من حماسى لمشاهدته والاستعداد لكتابة مقال إيجابى، تحتاج إليه الأفلام الفنية التى تعانى فى شباك التذاكر، على عكس أفلام الملايين خالية الفن والدسم.
حتى أفيش الفيلم الجميل، وأسماء الممثلين الذين أحبهم على عناوين الفيلم، مثل أحمد كمال وأمير المصرى ونيللى كريم، ساهمت فى مزيد من إعجابى بالفيلم قبل أن أراه.
ولكن الحقيقة المرة، التى يحزننى الاعتراف بها، أننى وجدت الفيلم مصطنعاً وفاتر الدراما والمشاعر بشكل صادم.
عمل عن الذات يخلو من الذاتية، وعن الفشل يخلو من الإحساس بالفشل، وساخر يخلو من فلسفة السخرية، بالرغم من إصراره على أنه عمل ساخر يدور عن الألم والفشل.
ببساطة: يبدو كأنه «درافت» فيلم لم يُكتب بعد، أو «بروفة ترابيزة» لم تتحول إلى مشاهد بعد.
يستلهم «القصص» من حياة أسرة مؤلفه ومخرجه، ولكنه بدلاً من البحث عن طريقة أصيلة لروى حكايته، يستعير أسلوبه من أعمال أخرى مختلفة المشارب: من «إسكندرية ليه؟ » و«بحب السيما» المصريين، إلى «يد الله» الإيطالى، ورغم أن الوقائع التى يرويها قد تكون حقيقية وشخصية جداً، إلا أن الطريقة التى يروى بها هذه الوقائع «مستعارة» وذهنية جداً.
خذ عندك، مثلاً، قصة الأب الذى يقطع عليه الإرسال التليفزيونى عندما يذكر كلمة الفساد فى عهد عبدالناصر.
من المؤكد أن للقصة نسخة أصلية حقيقية، ولكن الطريقة التى تعامل بها فى الفيلم، وينبنى عليها مواقف ومشاهد تستمر حتى مشهد النهاية، متهافتة الكتابة والتنفيذ، حتى تكاد تبدو كارتونية وغير حقيقية.
وخذ عندك موت الأخ فى حرب 1967، أو موت العم فى أحداث 1977.
بما أن الشخصيتين، مع بقية الشخصيات، مجرد «اسكتشات» ناقصة، فلا يمكنك أن تتعاطف معها أو تحزن عليها، ولا مع الشخصيات التى يفترض أنها تحزن عليها، لأنها أيضاًَ اسكتشات لشخصيات لم ينته رسمها بشكل مقنع بعد، ولم ينته الممثلون وفريق الإخراج والتصوير من صقل تنفيذها بعد.
وتتضح تلك السطحية المفتعلة فى المشهد الذى يثور فيه الابن أحمد، الذى صار موظفاً بسيطاً محبطاً مثبط الهمة، على وضعه أخيراً، فيحاول الاعتداء على صديقه القديم الناجح (بالفهلوة، حسبما يراه أحمد) لأنه سيتولى منصب مدير معهد الموسيقى الذى كان يحلم بتوليه، رغم أننا لا نرى أمارة واحدة لكفاءة أحمد أو أسلوب إدارته للمكان.
هذا الاعتداء المفاجئ على الزميل لا يتناسب إطلاقاً مع شخصية «أحمد» كما رأيناها عبر الفيلم، التى تؤكد أنه ليس من النوع الذى يلجأ للعنف البدنى، بالإضافة إلى الحماقة التى يبدو عليها فى المشهد.
ومن العجيب أن الحل الدرامى يأتى عبر الزوجة الأجنبية إليزابيث (فاليرى باشنر) وهى بالمناسبة الأفضل كتابة وأداءً تمثيلياً، عندما تتحدث فى التليفزيون، فى عهد مبارك، عن الفساد ويتم قطع الإرسال عنها مثلما حدث مع الأب.
وبغض النظر عن زيف حيلة قطع الإرسال المتكررة بسبب كلمة يقولها أحد الضيوف، بالرغم من أن ذلك لم يحدث فى تاريخ التليفزيون المصرى سوى عند اغتيال السادات، كما يظهر فى الفيلم، فإن تصريح الزوجة يؤدى إلى إنصاف زوجها أخيراً والسماح له، أخيراً، بعزف البيانو فى حفل عام يحضره رئيس الجمهورية، مبارك، حيث يحصل أحمد على صورة مع الرئيس ويحقق كل أحلامه، أخيراً.
وهو حل درامى غريب ومريب لن أستطرد فى المزيد من تأويله.
بجانب التلفيق «التاريخى» الذى يمكن أن نعتبره تخييلاً قصصياً، بالرغم من أن المشاهد الأجنبى سيتصور أنه حقيقى، مثل قطع الإرسال عن المواطنين (هناك أشياء أسوأ ليس قطع الإرسال من بينها)، أو ذلك المذيع القادم من رواية وفيلم «1984»، والذى يبدو عنصراً دخيلاً مختلفاً عن نسيج الفيلم.
وخذ عندك، أيضاً، هذه الفكرة العجيبة التى تماهى عائلة البطل بفريق الزمالك لكرة القدم.
يأخذ الفيلم وجهاً واحداً سطحياً من الواقع، وهو أن الزمالك فريق سيئ الحظ، يتسبب دائماً فى جلب المعاناة والحزن لجمهوره.
ماشى الحال.
فكرة كوميدية جيدة، ولكن ربطها بالفترة والأحداث التاريخية مربك بجانب كونه كاذباً.
فحسب الفيلم يبدو كأن فريق الزمالك لم يفز بمباراة واحدة على مدار ربع قرن!والحقيقة أنه فاز خلال هذه الفترة بالدورى العام مرتين وبكأس مصر عدة مرات منها ثلاث سنوات متتالية! مع ذلك، وفى سبيل «الإيفيه» الكوميدى يضحى الفيلم بالواقع، ولكن ربط هذه الكوميديا بنكسة 67 والهزائم العامة والشخصية للأب والابن يبدو مفتعلاً وزائداً عن الحاجة، خاصة مع تكرار تلك المشاهد التى تجلس فيها العائلة لمشاهدة هزائم الزمالك بلا انقطاع، وكأن العائلة لا تجتمع إلا فى المباريات القليلة جداً التى يخسر فيها.
ولن أطيل أيضاً حول سخافة فكرة الربط بين فريق الزمالك لكرة القدم باعتباره تجسيداً ورمزاً لمصر والمصريين.
لا يوجد إشارة واحدة فى الفيلم لفريق الأهلى أو جمهوره، وكأنه عدو للوطن، بالرغم من أن الأغلبية الساحقة من الجمهور خلال هذا الربع قرن كانت «أهلاوية».
وطبعاً هذه الفكرة المتعصبة تصلح لفيلم كوميدى، ولكن ربطها بالسياسة والأحداث التاريخية أمر مزعج.
ولو تخيلنا أن هناك فيلماً يروى الأحداث نفسها من وجهة نظر أهلاوى، فهل كانت مصر ستبدو منتصرة حينئذ؟ يظهر ذلك فى المشهد الذى تبدو فيه الأسرة منزعجة لأن الدورى، الذى يتصدره الزمالك، تم إلغاؤه بسبب حرب أكتوبر التى انتصرنا فيها! هذه المبالغات فى سبيل الكوميديا، بجانب الأداء التمثيلى القادم من نوع «الفارص»، تفسد الإحساس الإنسانى بالفشل والإحباطات المتتالية التى يعانى منها الأب والأم والابن.
وقد قارنت للحظات بين «القصص» و«إسكندرية ليه؟ » الذى يمتلئ بلحظات عائلية إنسانية صادقة ومؤلمة، وبينه وبين «بحب السيما» الذى يمزج الكوميديا بالمشاعر والأحداث العائلية الجسيمة من خيانات وهزائم وأسئلة وجودية كبيرة.
لا شىء من ذلك هنا، ولكن مجرد أسرة تنتمى إلى الطبقة الوسطى ذات الأحلام والطموحات الطبقية والكروية التى تفوق إمكانياتها وتبرر فشلها بفساد المنظومة السياسية والكروية السائدة.
هذه الطبقة «الميديوكر»، متواضعة الإمكانيات التى تتوهم الأهمية وتدمن الرثاء على نفسها.
ولكن المشكلة أن الفيلم نفسه لا يدرك هذه المشكلة التى يعانى منها أبطاله، ويعانى هو منها بالتبعية!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك