اعتاد كثير من الآباء والمعلمين إنهاء الخلافات بين الأطفال بطريقة تبدو بسيطة وفعالة: يطلبون من الطفل المخطئ أن يقول" أنا آسف"، ومن الطفل المتضرر أن يقبل الاعتذار ويسامح، ثم ينتهي الأمر.
لكن خبراء التربية وعلم النفس يؤكدون أن هذه الطريقة -رغم حسن النوايا- قد تعلم الأطفال الامتثال للأوامر أكثر مما تعلمهم الاعتذار أو التسامح الحقيقي.
توضح الباحثة سوزان فريدمان لمجلة" غريتر غود" أن إجبار الأطفال على الاعتذار أو المسامحة مباشرة بعد وقوع الإساءة قد يبدو حلا سريعا لاستعادة الانسجام، لكنه يحرمهم من فهم المعنى الحقيقي لهاتين القيمتين الأخلاقيتين، ويجعل الاعتذار مجرد كلمات تُقال لإرضاء الكبار، لا تعبيرا صادقا عن الندم أو التعاطف.
list 1 of 2قبل أن تحجزي جلسة كيراتين لابنتك.
ما الذي يخفيه تنعيم الشعر في سن مبكرة؟list 2 of 2ما لا نعرفه عن آبائنا.
9 أسئلة تغير علاقتك بوالديك إلى الأبدالاعتذار والتسامح ليسا مجرد كلماتتشير الأبحاث إلى أن الاعتذار الصادق والتسامح الحقيقي يتطلبان استعدادا عاطفيا، وقدرة على فهم مشاعر الآخرين، وتعاطفا ينمو تدريجيا خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة.
لذلك، فإن قول" أنا آسف" أو" سامحتك" لا يعني بالضرورة أن الطفل استوعب ما حدث أو تجاوز مشاعره بالفعل.
وتؤكد سوزان فريدمان أن التسامح لا يعني نسيان الإساءة أو تبريرها أو التقليل من شأنها، كما لا يعني إنكار الغضب أو قبول السلوك المؤذي.
بل هو عملية يتخلى فيها الشخص تدريجيا عن مشاعر الاستياء والرغبة في الانتقام، مع تنمية مشاعر التعاطف وحسن النية تجاه من أساء إليه، رغم أن الأخير لا يستحق ذلك بالضرورة بسبب ما فعله.
ورغم الطلب من الأطفال باستمرار الاعتذار وقبول الاعتذار، فإن قليلين منهم يتلقون شرحا حقيقيا لمعنى التسامح وكيفية حدوثه.
وتشير سوزان فريدمان إلى أن العديد من طلابها الجامعيين أخبروها أنهم، عندما كانوا صغارا، كانوا يعتذرون فقط لأن الكبار طلبوا منهم ذلك، وليس لأنهم فهموا معنى الاعتذار.
ولم يدركوا البعد العاطفي للتسامح إلا في مراحل متقدمة من حياتهم، عندما تعلموا أن المسامحة تبدأ بالاعتراف بالألم وفهم نية الطرف الآخر، ثم اختيار التخلي عن المشاعر السلبية من أجل التعافي.
كما أظهرت دراسات تربوية أن كثيرا من الطلاب يرون أن تعليم التسامح كان يجب أن يبدأ في سن مبكرة داخل المدارس، لأنه يساعدهم على فهم كيفية الاعتذار الصحيح، وما يعنيه التسامح فعلا.
تستند سوزان فريدمان إلى نموذج عالم النفس روبرت إنرايت، أحد أوائل النماذج النفسية التي فسرت التسامح باعتباره عملية متدرجة، وليس قرارا لحظيا.
ويتضمن النموذج أربع مراحل رئيسية:مرحلة الكشف: يعترف الشخص بأنه تعرض للأذى، ويبدأ في فهم مشاعر الألم.
مرحلة القرار: يقرر الشخص ما إذا كان يريد أن يسامح، بعد أن يفهم جيدا ما يعنيه التسامح وما لا يعنيه.
مرحلة العمل: يبدأ بالنظر إلى الطرف الآخر باعتباره إنسانا، ويحاول تنمية التعاطف معه وفهم ظروفه.
مرحلة التعمق: يصل تدريجيا إلى الشعور بالراحة النفسية، وإيجاد معنى للتجربة، والتحرر من مشاعر الاستياء.
لماذا لا تنجح الاعتذارات القسرية؟يحذر الباحثون من أن إجبار الطفل على الاعتذار قبل أن يشعر بالندم الحقيقي، أو إجبار الطفل المتضرر على المسامحة قبل أن يستوعب مشاعره، يؤدي إلى تجاوز هذه المراحل الأساسية.
وتشير الدراسات إلى أن الأطفال يستطيعون التمييز بين الاعتذار الصادق والاعتذار القسري، وأن الاعتذارات المفروضة غالبا لا تقلل مشاعر الغضب، بل قد تزيد الاستياء لدى الطرفين.
كما أن الطفل الذي يُجبر على الاعتذار لا يتعلم التعاطف، بينما يفقد الاعتذار قيمته الأخلاقية الحقيقية.
كذلك، فإن مطالبة الطفل المتضرر بالمسامحة فورا قد تدفعه إلى كبت مشاعره بدلا من التعبير عنها، وهو ما يحرمه من معالجة ألمه بطريقة صحية.
وتشير الأبحاث إلى أن التسامح عملية تدريجية تتطلب الوعي بالمشاعر وتنظيمها، ولا يمكن فرضها بقرار خارجي أو بكلمات تُقال على عجل.
هل يشترط الاعتذار حتى نسامح؟يعتقد كثيرون أن المسامحة لا يمكن أن تحدث إلا بعد اعتذار الطرف المسيء، إلا أن الدراسات تشير إلى أن هذا الاعتقاد غير دقيق.
فالمسامحة تختلف عن المصالحة، إذ يمكن للشخص أن يسامح من أجل راحته النفسية حتى لو لم يتلق أي اعتذار.
أما استمرار العلاقة أو إصلاحها فقد يتطلب اعتذارا وتغييرا في السلوك، لكنه ليس شرطا لحدوث التسامح نفسه.
وإذا ربط الشخص قدرته على المسامحة باعتذار الطرف الآخر، فإنه يمنحه السيطرة على تعافيه النفسي.
كيف نعلم الأطفال الاعتذار والتسامح؟يجب على الآباء أو المعلمين أن يفهموا مشاعر الطفل، ففي النهاية، الغضب والحزن والقلق ليست مشاعر سيئة ينبغي التخلص منها فورا، بل هي استجابات طبيعية وصحية.
وبناء على ذلك، يجب عدم إجبار الأطفال على الاعتذار أو المسامحة، بل مساعدتهم على الوصول إليهما عندما يكونون مستعدين.
وهذه مجموعة من الخطوات العملية لتعليم الأطفال الاعتذار والتسامح بطريقة صحية:الاعتراف بمشاعر الطفل والتأكيد أنها طبيعية ومفهومة.
تشجيع الطفل الذي أخطأ على التفكير في أثر سلوكه في الآخر، وكيف يمكنه إصلاح الضرر.
تعليم الطفل تقديم اعتذار كامل يتضمن الاعتراف بالسلوك الخاطئ، وفهم أثره، والتعهد بمحاولة إصلاحه.
عدم استعجال إنهاء الخلاف، ومنح الطرفين الوقت الكافي لمعالجة مشاعرهما.
أن يكون الكبار قدوة في التعبير الصادق عن مشاعرهم.
الإشادة بالتقدم في التعاطف وفهم الآخرين، وليس بمجرد تنفيذ أوامر الاعتذار أو المسامحة.
في النهاية، تؤكد سوزان فريدمان أن التسامح ليس واجبا يُفرض على الطفل، بل خيار شخصي ينضج مع الوقت.
وعندما يفهم الأطفال أن الاعتذار والمسامحة عمليتان عاطفيتان تتطلبان الصدق والاستعداد، فإنهم يطورون قوة أخلاقية وذكاء عاطفيا يستمران معهم طوال حياتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك