يظل الحديث عن نجيب محفوظ مثار جدل ومساءلة، ومجالا استعاديا، لإبراز علاقة سردياته بما هو غائر من أزمات الواقع المصري، عبر التعرّف على عوالمه وشخصياته وحكاياته، بوصفها حمّالات ثقافية وتاريخية واجتماعية، أو بوصفها تمثيلات سردية في جدّتها الفنية والأسلوبية، وفي معالجتها الفنية لمدونات التاريخ والسلطة والشخصية، وما يتخفى عبرها من إحالات نفسية ورمزية وسياسية في المجتمع المصري.
روايات مهمة وفارقة مثل «القاهرة الجديدة» و»الثلاثية» و»زقاق المدق» و»السراب» و»ثرثرة فوق النيل» و»أولاد حارتنا» و»حضرة المحترم» تحولت إلى مختبر للدرس الثقافي، والدرس النفسي والسياسي، وإلى إطار للتحليل الثقافي والديني والطبقي، فضلا عن تمثلها الرؤى التي تخص ما هو اجتماعي وأيديولوجي، في تمثيل تناقضات التحول السياسي ومفارقاته، والحيوات التي عاشت هذا التحول بوصفها حيوات مأزومة، أو لامنتمية، أو أضحوية، أو أقنعة لشخصيات ذات تمثيل ثقافي وطبقي تنظر للتمرد بوصفه وعيا وجوديا، للعنف السياسي والعنف الاجتماعي/ عنف العاهات بوصفه خرقا، وتجاوزا، وهذا ما جعل قراءة روايات نجيب محفوظ مفتوحة على زوايا نظر متعددة، لاسيما في مجتمع ثقافي «معقد» مثل المجتمع المصري، في صراعاته وتحولاته السياسية والاجتماعية، وفي تحيزاته الطبقية ونخبها، وفي أنماط ثقافاتها المتعددة، فضلا عن تعقيدات اصطفاف قواه الاجتماعية، وعلاقتها بمفاهيم الهوية الوطنية، والصراع الطبقي، و بالمرجعيات اليسارية أو المرجعيات الدينية.
ربما نجد في ثلاثية محفوظ « بين القصرين» و»قصر الشوق» و» السكرية» مدخلا للحديث عن التحول العميق في الاجتماع المصري، من خلال الهامش الطبقي الذي تمثله الطبقة الوسطى، وشخصياته التي تخلط بين استيهامات الوعي الطبقي، والوعي بالمقدس، وبالهوس الجنسي، وهي تمثيلات تدفع الشخصية الرئيسية «سي السيد» لأن تجعلها شخصية مُبأرة، ليس لاستقطاب الأحداث فحسب، بل لتجسيد مستويات التحول السياسي، عبر توريات ما هو نفسي واجتماعي، فبقدر ما تبدو وكأنها رمز للفحولة بمفهومها الإنساني والجنسي في البيئة المصرية الاجتماعية والدينية، فإنها تمارس هيبتها الرمزية عبر شخصية «البورجوازي الصغير» العالق بوهم التعالي، والرغبة بالامتلاك – امتلاك الزوجة والعشيقات والأولاد والبنات والمكان-يمكن أن يكون تتبع نمو هذه الشخصية السردية كاشفا اجتماعيا عن علاقتها بالزمن السياسي، وعن علاقة الزمن السياسي بالوعي الذي يستغرقها، حيث تمثيل مظاهر القلق الوجودي، وحيث الاستغراق في مفارقات وتناقضات، تتبدى من خلال التمرد والانحراف والخيانة والتملق، أو من خلال الاختناق بالمكبوت السياسي والجنسي والطبقي، الذي يدفع بالمقابل إلى الاستغراق في إشباعات رمزية، حيث الانحياز الشعبي لفكرة «الثورة» والحساسية الوطنية، وحيث الإحساس بأن «ثورية الرمز المصري – أحمد عرابي، سعيد زغلول، مصطفى كامل- هي استثارة للوجدان المكبوت، ولفكرة تمثيل الأرض والتاريخ والهوية.
أهمية السردية المحفوظية، تكمن في سخريتها من التاريخ، وفي نقدها للواقع، فتجعل من أحداثها المتخيلة نظيرا لما يمور به ذلك الواقع، في صراعاته، وفي تحولاته، وحتى في تمثيله التاريخي والديني، على مستوى تحويل هذا السرد إلى تاريخ مواز، قابل للاستهلاك الشعبي، وعلى مستوى صياغة ردود فعل لتشوهات الوعي الاجتماعي، عبر شخصيات محبطة، أو مأزومة، أو هاربة، لاسيما شخصية «المثقف» المنتمي إلى الطبقة الوسطى، فهو الغارق في أحلامه المُجهضة، وفي تخيلاته عن الحرية والجنس والثورة، حيث انتهت رومانسيته بعد الثورة 1952، لتبدأ مع زمن إشكالي، ليس في تمثيل مصريته الخالصة، بل في بروز نزعة قومية متعالية ذات منحى ناصري، اشتبك فيها مشروعه الوطني بالنزوع إلى «الاشتراكية» البسيطة، ذات المفارقات الأيديولوجية، والصراع الاجتماعي والسياسي، والإيهام بقوة الذات والمؤسسة والجمهور، وهو ما دفع إلى نكبة يونيو/حزيران 1967.
«أولاد حارتنا».
التاريخ والسرد والحكايةما تركته هذه الرواية الملحمية من أثر كبير، فتحت الأفق لقراءات متعددة، حيث التاريخ والمصادر الدينية، وحيث التفسير والسيرة، وحيث التحليل النفسي والأنثروبولوجيا، قبالة ذلك نجد المخيال السردي الذي اشتبك مع تلك المصادر، ليجعل من سيرة الهامش المصري متنا لصياغة ملاحم وطنية وشعبوية موازية، يكون فيها البطل الشعبي نظيرا لفكرة بطل الأسطورة، والأب نظيرا للنبي، ومفارقات الزمن الملحمي نظيرا لمفارقات وصدمات الزمن السياسي، والزمن الوجودي المصري.
ما كشفته هذه الرواية استبطن المستور في التاريخ وفي الواقع، بقطع النظر عن التوظيف الذي عمد إليه نجيب محفوظ، ومدى انحيازه، أو تقاطعه مع التفسير الديني والرؤية الدينية، أو مع تمثلات الخطاب الأيديولوجي، عبر أنموذج البطل، أو عبر يوميات الصراع، ورمزية شخصية «الفتوة» في المخيال الشعبي المصري، فضلا عن الشخصيات «المنحرفة» التي لم تغب عن تمثلات محفوظ للهامش الاجتماعي، حيث يوميات الحارة وحرافيشها، وحيث ما هو سري في الإشارة إلى الجنس والمثلية والانحراف والعجز، وهي عوالم ـ رغم سريتها ومكبوتها – لكنها لم تغب عن أغلب رواياته الاجتماعية والنفسية.
ليس غريبا ربط هذه الرواية بسرديات المحاكاة التاريخية، وبعض الأحداث التي تنتمي إلى قصص وأسفار «الأنبياء» في التراث الإسلامي، أو في التراث المسيحي، لكن معالجة محفوظ الروائية هي الموجّه الفعال في مسار التمثيل السردي، حيث تحول التاريخ والملحمة والشخصانية إلى أدوات جعلتها تكتسب سمات فارقة في أسطرة الرواية، وفي إعطاء الشخصية اليومية بعدا متعاليا، في تمثيل البطولة والخرق الزمني، والانحياز إلى فكرة الخير بمفهومها الفلسفي، وليس الأيديولوجي، بعيدا عن شخصية «اللامنتمي» التي طرحها غالي شكري في قراءته للرواية، التي قد نجد بعض ملامحها في روايات أخرى مثل «السمان والخريف» و»الشحاذ» و»اللص والكلاب» و»الطريق»، بوصفها شخصية مسكونة بالاغتراب، والقلق الوجودي، فتتلبس بأزمة الإنسان المعاصر الذي يعيش مفارقة وجوده، وإحساسه بوهم البطولة والنهاية المأساوية.
قصة أو حكاية «الجبلاوي» في هذه الرواية ترمز إلى «القوة المتعالية» وإلى الصاحب، في إحالته إلى الرمز الفحولي، أو إلى المقدس، أو إلى رمزية تجاور حكاية الخلق عبر الأسماء «أدهم» و» إدريس» وعبر سردية الصراع بينهما حول الخير والخيانة والخداع والملكية، وبهذا يأخذنا محفوظ إلى المرجعيات المتخيلة للصراع الإنساني، وللعنف الذي يرتبط بحساسية التنافس، والعدالة، وبنقد «السلطة/ الأبوة»، وأحسب أن الإفراط بربط الرواية بـ»المتخيل الديني» غير دقيق، لأن محفوظ كان أكثر استغراقا بنقد رمزية السلطة، دينية أو أيديولوجية أو سلطوية، وهو بدا متواريا في نقده لسلطة ثورة 1952 عبر استعادة الصورة الذهنية المتخيلة للأب المتسلط، والمتورط مع حكايات أولاده، في حدسهم، وفي صراعهم على السلطة والتملك والنساء، وفي مواجهة «العدو الداخلي» الذي يمثله «عرفة» في الرواية، في خداعه، وفي الجريمة التي ارتكبها، وهي إشارات واضحة لرموز معينة للسلطة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك