في كأس العالم، لا تدخل السياسة دائمًا من أبواب التصريحات الرسمية.
أحيانًا تأتي من مدرج بعيد، من علم مرفوع بين آلاف القمصان، أو من هتاف قصير ينجو من ضجيج المباراة ويصل إلى ما هو أبعد من الملعب.
هكذا عادت فلسطين إلى الظهور في قلب المونديال، لا عبر منتخب يشارك في البطولة، ولا مباراة تحمل اسمها على جدول المنافسات، إنما عبر جماهير اختارت أن تجعل من المدرجات مساحة للتذكير بقضية لا تغيب عن الوعي العربي والعالمي، حتى حين تنشغل الشاشات بالنتائج، والنجوم، وحسابات التأهل.
من نيويورك إلى مكسيكو سيتي، ومن المدرجات العربية إلى الفضاء الجماهيري الأوسع، حضر العلم الفلسطيني بوصفه علامة سياسية وإنسانية في بطولة يفترض أن تكون مخصصة لكرة القدم وحدها.
غير أن كأس العالم، منذ زمن طويل، لم يكن كرة فقط.
في المدرجات، تتنافس الألوان عادة على تمثيل المنتخبات.
الأحمر والأخضر للمغرب، الأزرق للأرجنتين وفرنسا، الأصفر للبرازيل، الأبيض لإنكلترا، وكل قميص يحمل ذاكرة بلد وحلم جماعة.
وسط هذه اللوحة، يظهر العلم الفلسطيني بلون مختلف.
لا ينافس منتخبًا، ولا يخص مباراة بعينها، ولا يدخل ضمن حسابات الفوز والخسارة.
إنه علم قضية، يظهر وسط أعلام المنتخبات ليذكّر بأن بعض الحضور الجماهيري يتجاوز التشجيع.
هذا ما يمنح المشهد قوته.
فالعلم الفلسطيني في المونديال لا يحتاج إلى منصة خطابية كي يعبّر عن نفسه.
يكفي أن يظهر في مدرج عالمي، أمام كاميرات تنقل الصورة إلى ملايين المتابعين، حتى يتحول إلى رسالة سياسية مكثفة: هناك شعب غائب عن البطولة، لكنه حاضر في ذاكرة من يشاهدونها.
مكسيكو سيتي.
حين صار الجسد علمًالم يقتصر الحضور الفلسطيني على المدرجات.
مع انطلاق البطولة في مكسيكو سيتي، شكّل ناشطون ومتضامنون علمًا بشريًا ضخمًا لفلسطين، في تحرك تزامن مع افتتاح كأس العالم.
المشهد خارج الملعب كان مكملًا لما يحدث داخله.
أجساد تصطف بالألوان الأربعة، في مدينة تستضيف واحدة من أكثر لحظات البطولة مشاهدة، لتقول إن الحدث الرياضي الأكبر في العالم لا يمكن عزله بالكامل عن القضايا التي تشغل الناس خارجه.
لم يكن ذلك خروجًا على روح المونديال بقدر ما كان تذكيرًا بطبيعته الحقيقية.
كأس العالم ليس مجرد مباريات موزعة على ملاعب كبرى، إنما ملتقى عالمي تتحرك فيه الهويات، وتظهر فيه الذاكرات، وتبحث فيه القضايا عن نافذة وسط أكثر المشاهد ازدحامًا.
بين قوانين فيفا وذكاء المدرجاتتحاول فيفا، في كل نسخة، ضبط ما يدخل إلى الملاعب وما يخرج منها: حجم الأعلام، طبيعة اللافتات، المواد المسموح بها، والرسائل التي قد تعد سياسية أو مسيئة أو مخالفة لقواعد السلامة.
لكن المدرجات تعرف دائمًا كيف تجد لغتها.
فالعلم، حين يكون علمًا معترفًا به كرمز وطني، يختلف عن اللافتة الحزبية أو العبارة المباشرة.
والهتاف، حين يخرج من آلاف الحناجر، يصعب التعامل معه كجملة معزولة على لافتة عند بوابة التفتيش.
بهذا المعنى، لا يتحرك الجمهور فقط داخل المساحة التي تتركها القواعد، إنما يعيد اختبار حدودها.
يرفع علمًا، يلتقط صورة، يردد هتافًا، ثم يترك للكاميرا والسوشيال ميديا أن يفعلا الباقي.
في مونديال 2026، بدا واضحًا أن فلسطين لم تكن بحاجة إلى إعلان رسمي كي تدخل المشهد.
دخلت من المساحة الوحيدة التي يصعب إغلاقها بالكامل: عاطفة الجماهير.
كرة القدم لا تنفصل عن العالمكلما ظهرت السياسة في كأس العالم، يعود السؤال القديم: هل يجب أن تبقى كرة القدم بعيدة عن السياسة؟لكن تاريخ البطولة نفسها يجيب عن هذا السؤال بطريقة أكثر تعقيدًا.
فقد كانت كأس العالم دائمًا مرآة للعالم الذي تُقام فيه: حروب باردة، أنظمة عسكرية، مقاطعات، احتجاجات، رسائل ضد العنصرية، قضايا حقوقية، وصراعات على الهوية والتمثيل.
الفارق أن المدرجات صارت اليوم أكثر قدرة على إنتاج خطابها الخاص.
ولم تعد الصورة حكرًا على المخرج التلفزيوني، ولا على البيان الرسمي، ولا على ما تسمح به اللجنة المنظمة فقط.
هاتف واحد في المدرج يكفي كي تتحول لقطة علم إلى مادة متداولة عالميًا.
من هنا تأتي أهمية الحضور الفلسطيني في مونديال 2026.
إنه لا يطلب من المباراة أن تتوقف، ولا من الكرة أن تصمت، لكنه يرفض أن يتحول أكبر حدث جماهيري في العالم إلى مساحة منزوعة الذاكرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك