بغداد- بينما تتواصل حملة الاعتقالات التي طالت مسؤولين متهمين بقضايا فساد في العراق، يطرح المراقبون للوضع والشارع سؤالا ظل يتكرر طوال أكثر من عقدين: كم كلّف الفساد الدولة العراقية؟ لا سيما بعد حملة الاعتقالات التي طالت نوابا ومسؤولين كبارا في الدولة العراقية على خلفية اتهامات بالفساد، لكن تبدو الخسائر الاقتصادية المتراكمة هي العنوان الأبرز، بعد سنوات من تبديد الموارد وتعثر مشاريع التنمية، في بلد يُعد من أكبر المنتجين للنفط في العالم.
تقول الحكومة العراقية في آخر تصريحاتها إنها اعتقلت حتى الآن 21 مسؤولا متهمين بالتورط في قضايا فساد مالي وإداري، فيما لا يزال عدد آخر من المطلوبين متواريا عن الأنظار، مع استمرار عمليات الملاحقة الأمنية والقضائية.
list 1 of 3بعد اعترافات قلبت الملف.
الحكومة العراقية تكشف تفاصيل ملاحقة المتورطين بالفسادlist 2 of 3تساقطوا مثل قطع الدومينو.
ماذا بعد توقيف" حيتان الفساد" بالعراق؟list 3 of 3رسائل مشفرة.
هل تستهدف اعتقالات العراق تفكيك شبكات التهريب الإيراني؟وأكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، خلال جلسة مجلس الوزراء، أن الحكومة ماضية في مكافحة الفساد واسترداد المال العام، مشددا على وجود ما وصفهم" حراس أقوياء" على الأموال العامة، في إشارة إلى الأجهزة الرقابية والقضائية.
يقدر الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني -في حديثه للجزيرة نت- الكلفة الاقتصادية للفساد المالي والسياسي في العراق بأكثر من تريليون دولار، مشيرا إلى أن جزءا كبيرا من الأموال المنهوبة اندمج في اقتصادات خارجية.
وأشار إلى أن دراسة أعدها سابقا قدرت الأموال المهربة بنحو 600 مليار دولار، مقارنة بتقديرات حكومية بلغت 350 مليار دولار، فيما قدرها الرئيس العراقي الأسبق برهم صالح بنحو 150 مليار دولار.
وأضاف أن الفساد توسع بصورة غير مسبوقة بعد عام 2018، إذ ارتفعت كلفة الحصول على بعض المناصب الوزارية من نحو 5 ملايين دولار إلى ما بين 50 و100 مليون دولار، وهو ما يعكس -بحسب قوله- تضاعف حجم الأموال المنهوبة.
ولفت إلى أن تداعيات الفساد تجاوزت استنزاف المال العام إلى تعطيل مسار التنمية، إذ لا يزال العراق يعاني -منذ عام 2005- نقصا يقدر بنحو 9 آلاف مدرسة، في حين لم يشهد القطاع الصحي سوى بناء مستشفى أو مستشفيين جديدين منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وختم المشهداني حديثه بالإشارة إلى أن الأموال المضبوطة في قضايا تطال نحو 20 مسؤولا ونائبا تُقدّر بما بين مليار وملياري دولار، وهو مبلغ يكفي لإنشاء 10 مصانع إستراتيجية توفر ما بين 5 آلاف و10 آلاف فرصة عمل.
ولا تقتصر آثار الفساد، بحسب مختصين، على حجم الأموال المنهوبة، بل تمتد إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتراجع الخدمات العامة وتبديد فرص التنمية.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير المالي والمصرفي مصطفى أكرم حنتوش -للجزيرة نت- أن الكلفة الاقتصادية للفساد في العراق لا تقتصر على الأموال المنهوبة، بل تمتد إلى تراجع مستوى الخدمات العامة، رغم حجم الإنفاق الكبير على الرواتب، بسبب انشغال عدد من المسؤولين الفاسدين بتحقيق مكاسب شخصية بدلا من أداء واجباتهم.
وأضاف أن الفساد حرم الأجيال الجديدة من فرص العمل وأعاق بناء مؤسسات الدولة، مؤكدا أن كلفته لا تقتصر على الأموال المنهوبة، بل تمتد إلى ثلاثة أوجه رئيسية:وأكد حنتوش أن حملة مكافحة الفساد التي تنفذها الحكومة تمثل خطوة مهمة، لكنها تتطلب نفسا طويلا واستمرارية، لأن الفساد لا يرتبط بأفراد بقدر ما يقوم على منظومات متكاملة، مشددا على أن نجاحها مرهون بدعم مجتمعي يحول مكافحة الفساد إلى نهج مؤسسي دائم، لا إلى حملة مؤقتة.
وفي إطار جهود استرداد الأموال العامة، وجهت الحكومة العراقية وزارة المالية بإنشاء حساب مخصص لإيداع الأموال المستردة من المتورطين في قضايا الكسب غير المشروع، مؤكدة استمرار التزامها الدستوري بحماية المال العام.
وأعلنت دائرة الاسترداد في هيئة النزاهة، أن الهيئة تمكنت من حجز كميات كبيرة من الأموال خارج البلاد، مما حال دون تمكن المتورطين في قضايا فساد من التصرف بها، مؤكدة -في بيان- أنها تعمل بالتنسيق مع وزارة العدل على إقامة دعاوى مدنية لاسترداد تلك الأموال.
ويرى الصحفي مصطفى جليل -في حديثه للجزيرة نت- أن استرداد الأموال المنهوبة لا يمثل سوى جزء من المعالجة، إذ يتطلب الحد من الفساد إصلاحات مؤسسية وتشريعية ورقابية تضمن إغلاق منافذ الهدر ومنع تكرارها، مشيرا إلى أن ما فعلوه يفوق كل تصور، فما نهب كان كافيا لبناء دولة مزدهرة وربما دولتين بكامل بنيتها التحتية.
وتأتي الحملة الحالية في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية متراكمة، أبرزها الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، وعدم إقرار موازنته العامة، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الخدمات الأساسية، واستمرار الحاجة إلى استثمارات ضخمة في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية.
ومع استمرار التحقيقات وإلقاء القبض على مزيد من المتهمين، تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية، وما إذا كانت الحملة ستنجح في استعادة جزء من الأموال العامة، أم ستنتهي كسابقاتها دون أن تغير حجم الفاتورة الاقتصادية التي تراكمت على العراق منذ عام 2003.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك