في أعالي جبال محافظة رنية، بعيدًا عن الطرق المعبدة وصخب الحياة، تظل بئر الحجيزة شامخةمنذ قرون بعيدًا عن التوثيق التاريخي، محتضنه مياه الأمطار في أعماقها، تحرسها الجبال والنقوش الصخرية والقبور والقلاع الحجرية، لتشكل واحدة من أبرز المواقع الطبيعية والأثرية التي لا تزال مجهولة رغم ما تختزنه من قيمة تاريخية وتراثية كبيرة.
وتقع البئر غرب محافظة رنية، أعلى شعيب النطوف، في قمة السلسلة الجبلية الممتدة من شمال المحافظة إلى جنوبها، وهي تجويف صخري طبيعي عميق تتجمع فيه مياه الأمطار المنحدرة من الجبال المحيطة، وتبقى محفوظة داخله لفترات طويلة قد تمتد إلى سنوات، حتى في مواسم القحط وشح الأمطار، وهو ما جعلها قديمًا مصدرًا رئيسًا للمياه لأهالي رنية وسكان البادية الذين كانوا يقصدونها عندما تنضب الآبار الجوفية أو يقل منسوبها.
ورغم مضي أكثر من أربعة أشهر على آخر موسم للأمطار، وارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، لا تزال البئر تحتفظ بكميات كبيرة من المياه، في مشهد يثير الدهشة ويعكس طبيعة تكوينها الفريد، إذ تتدفق إليها مياه السيول من السفوح الجبلية المحيطة لتستقر في قاعها العميق، الذي يقدر بنحو 35 مترًا.
ولا يخلو الوصول إلى بئر الحجيزة من المشقة، إذ تقع في منطقة جبلية وعرة لا تصل إليها المركبات، ويستلزم بلوغها السير على الأقدام لأكثر من ساعة عبر ممرات ضيقة اعتادت الإبل سلوكها منذ مئات السنين للوصول إلى الماء، ولا تزال حتى اليوم ترتاد الموقع للشرب، لتبقى البئر موردًا طبيعيًا للحياة البرية والحيوانات السائبة.
وتزداد أهمية الموقع بما يحيط به من شواهد أثرية نادرة؛ فالصخور المنتشرة حول البئر تحتفظ بنقوش ورسومات لحيوانات برية عاشت في المنطقة قديمًا، منها المها العربي وغزال الريم والأرنب البري والوبر والذئب، إضافة إلى نقوش لأسلحة الصيد، وهي شواهد توثق جانبًا من حياة الإنسان في تلك العصور، وتبرز القيمة الحضارية للموقع.
وفي الجهة الشمالية الغربية من البئر تنتشر قبور أثرية قديمة، نُحتت أسماء أصحابها على الصخور المجاورة، بينما تنتصب بالقرب منها بقايا قلاع ومبانٍ حجرية ما زالت أجزاء منها صامدة رغم تعاقب القرون، كما يوجد مسجد صغير مبني بالحجارة يتسع لنحو عشرة مصلين، في دلالة على أن الموقع كان محطة استقرار وراحة للمسافرين والرعاة الذين ارتبطت حياتهم بمورد المياه الدائم.
وتشير الروايات المتوارثة إلى أن البئر كانت مقصدًا لأهالي رنية وأبناء البادية الذين كانوا يصعدون إليها على ظهور الجمال للتزود بالمياه، بل ويقيم بعضهم بجوارها مع مواشيهم خلال سنوات الجفاف حتى تعود الأمطار، وهو ما منحها مكانة خاصة في الذاكرة الشعبية للمنطقة.
ورغم ما تختزنه بئر الحجيزة من مقومات طبيعية وأثرية، فإنها لا تزال خارج نطاق الدراسات العلمية والتوثيق الأثري، فيما يرى مهتمون بالتراث أن الجبل الذي تحتضنه يعد متحفًا طبيعيًا مفتوحًا، ويستحق أن يحظى بمسوحات أثرية وجيولوجية متخصصة للكشف عن أسراره وتوثيق نقوشه ومعالمه التاريخية، وإدراجه ضمن المواقع التراثية التي تعكس عمق التاريخ الذي تزخر به محافظة رنية.
وتبقى بئر الحجيزة شاهدًا حيًا على تلاقي الطبيعة بالتاريخ، وموقعًا يختزن في صخوره ومياهه ذاكرة أجيال متعاقبة، في انتظار أن يحظى بالاهتمام الذي يليق بقيمته بوصفه أحد أبرز المعالم الطبيعية والأثرية في المحافظة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك