بيروت - يرى عدد من المحللين أن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت تمثل أكثر من مجرد زيارة دبلوماسية، بل تُعد اختبارًا لمرحلة جديدة في العلاقات السورية اللبنانية بعد التغيير السياسي في دمشق، وتحمل رسائل داخلية وإقليمية في توقيت شديد الحساسية.
اضافة اعلانوتحمل زيارة الشيباني في جنباتها رسالة مفادها أن سورية الجديدة تحرص على طي صفحة الماضي، وصفحة الوصاية السورية السابقة على لبنان.
ويرى مراقبون أن الزيارة هدفت إلى تأكيد أن دمشق الجديدة تريد علاقة" دولة مع دولة" تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما اعتبره مسؤولون لبنانيون رسالة لطمأنة القوى السياسية والشارع اللبناني.
كما جاءت الزيارة لنفي التكهنات بشأن دور سوري ضد حزب الله، بعد جدل أثارته تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال اضطلاع سورية بدور في الحد من نفوذ حزب الله.
ويرى محللون أن دمشق سعت عبر الزيارة إلى تبديد الانطباع بأنها تستعد للعودة إلى الساحة اللبنانية كطرف في الصراع الداخلي.
وتحمل زيارة الشيباني تركيز على الملفات العملية، فقد اعتبر خبراء أن جدول الأعمال ركز على قضايا الحدود، ومكافحة التهريب، والتنسيق الأمني، وملف السجناء، والتعاون الاقتصادي، وهي ملفات تعكس رغبة في نقل العلاقة من الطابع الأمني والسياسي التقليدي إلى تعاون مؤسساتي.
يحمل لقاء الشيباني برئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري دلالات خاصة، فهو يعتبر أول تواصل مباشر بهذا المستوى مع القيادة السورية الجديدة، ورأى بعضهم أنه مؤشر إلى انفتاح دمشق على مختلف القوى اللبنانية وعدم حصر علاقاتها بفريق سياسي واحد.
كما حملت زيارته رسالة انفتاح على جميع المكونات اللبنانية، فقد أكد الشيباني بأنه مستعد للقاء جميع الأطراف إذا اقتضت المصلحة، وفُسر محللون تلك التصريحات بأنها محاولة لتقديم سورية كوسيط أو شريك إقليمي لا كطرف منحاز، مع تأكيده أن النقاش مع بري انحصر في تطوير العلاقات الثنائية.
في المقابل، يحذر بعض المحللين من المبالغة في تفسير الزيارة، معتبرين أنها لا تعني تحولًا استراتيجيًا كاملاً في العلاقات بين البلدين، بل تمثل بداية مسار طويل ستُقاس نتائجه بمدى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، خصوصًا في ملفات ترسيم الحدود، وضبط المعابر، والتعاون الاقتصادي، وتسوية القضايا العالقة بين دمشق وبيروت.
وفي قراءته لدلالات الزيارة اعتبر الباحث السياسي مروان الأمين، أن هذه الزيارة تحمل رسائل متعددة المستويات، بروتوكولية وسياسية وتفاوضية، تستحق التوقف عندها بدقة، خصوصا في ما يتعلق بموقف دمشق من" حزب الله" ومن مسار العلاقة اللبنانية الإسرائيلية.
ففي المستوى الأول من قراءته للزيارة، أشار الأمين إلى أن الشيباني التقى المسؤولين الرسميين اللبنانيين كافة، وبدأ زيارته من خلال بوابة الشرعية اللبنانية بكل اتجاهاتها، بما فيها نبيه بري.
ورأى الأمين أن هذا الأمر يعكس تعاطي دمشق مع لبنان ليس من منطلق موقف سياسي مسبق مع اتجاه بعض الأطراف، بل من خلال التعامل مع الشرعية اللبنانية ومن يمثلها.
وتوقف الباحث عند الأمر الآخر الذي اعتبره مهما، وهو موقف الشيباني من حزب الله، لافتا إلى أن هذا الموقف جاء بطريقة دبلوماسية، وكأن سورية لا تحمل الماضي معها في علاقتها المستقبلية مع لبنان.
وأوضح الأمين أن" جواب الشيباني جاء في إطار المصلحة العامة، بمعنى أنه إذا اقتضت المصلحة العامة بين البلدين عقد لقاء مع حزب الله، فإن سورية لن تكون في موقع طرف ضد طرف آخر داخل لبنان، ولن تقف عند الماضي وما قام به حزب الله من مشاركة إلى جانب بشار الأسد في قتل الشعب السوري".
ولفت الأمين إلى نقطة اعتبرها ملفتة وتستحق المراقبة لاحتمال أن تحمل تفسيرات إضافية في المستقبل، وهي الجواب حول اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل.
فقد بدأ الشيباني بالقول إن هذا الاتفاق شأن لبناني يقرره لبنان وحكومته، غير أنه أردف بـ" لكن" حملها معه إلى بيروت، مفادها أنه يجب ألا يذهب لبنان متسرعا إلى توقيع أي اتفاق نتيجة الضغط الميداني في الجنوب.
ووفق الأمين فإن هذا الموقف يوحي وكأن سورية تقول للبنان إن أي اتفاق سلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي من شأنه أن يُضعف موقفها هي، باعتبار أن سورية ستكون آخر دولة من دول المنطقة توقّع اتفاق سلام معها، الأمر الذي قد يضعف موقفها التفاوضي مستقبلا.
وبمعزل عن هذه الزيارة، شدد الأمين على أن بري ما زال حتى اليوم يؤمّن الغطاء السياسي للخيارات التي يتخذها حزب الله وللمسار الذي يسلكه، على الرغم من الأثمان الباهظة التي تحمّلها أبناء الطائفة الشيعية والجنوب.
وأوضح أن الشيباني استخدم لغة دبلوماسية لكي يتجنب القول صراحة إنه يرفض لقاء حزب الله، تفاديا لإظهار موقف سياسي يوحي بالدخول في الصراع الداخلي اللبناني، مع الإشارة إلى أن حزب الله كان شريكا للأسد في سفك دم السوريين.
الذاكرة السوداء ومقاربة جديدةفي سياق أوسع، استعاد الأمين الذاكرة اللبنانية السوداء المرتبطة بنظام آل الأسد وعلاقته بلبنان، مشيرا إلى دماء لبنانية كثيرة مسؤول عنها هذا النظام، و" تجربة الاحتلال"، وقتل أكثر من رئيس جمهورية لبناني وأكثر من رئيس حكومة، إضافة إلى اغتيال مفتي الجمهورية وشخصيات بارزة أبرزها كمال جنبلاط زعيم الطائفة الدرزية، ورؤساء جمهورية من رينيه معوض إلى بشير الجميل، فضلا عن الشراكة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، على حد قوله.
وختم الأمين بالقول إن النظام السوري الجديد يحاول إقناع اللبنانيين بأنه لا علاقة له، لا من قريب ولا من بعيد، بهذه الملفات، وأنه يفتح صفحة جديدة ومقاربة مختلفة في علاقته مع لبنان، لن تكون قائمة على الخضوع والتسلط كما في السابق، بل ستكون علاقة ندّية تحترم مصلحة البلدين وتراعي حاجات الشعبين، على أن تكون علاقة بنّاءة وإيجابية، لا تحمل أي شكل من أشكال العرقلة أو التسلط أو التهديد.
-(وكالات).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك