الجزيرة نت - بيان للشرطة وتدخل لاحتواء الموقف.. منتخب مصر يكشف تفاصيل المشادة مع الأمن الأمريكي (فيديو) العربية نت - روسيا تعلن السيطرة على مدينة كوستيانتينيفكا شرق أوكرانيا القدس العربي - حسام حسن: أهدي الفوز للشعب الفلسطيني الذي لم يخذلنا أبدا الجزيرة نت - رئيس وزراء غرينلاند: ترمب تراجع عن فكرة ضم الجزيرة CNN بالعربية - كيف علق الشيخ محمد بن راشد على تأهل مصر لثمن نهائي المونديال؟ قناة الجزيرة مباشر - Beyond the headlines: Rapid Support Forces accused of besieging El Obeid and the stance of intern... روسيا اليوم - عمال "مرسيدس" يقودون احتجاجات واسعة في قطاع السيارات بألمانيا روسيا اليوم - شهود عيان يكشفون تطورات حادثة صراخ سارة زوجة نتنياهو عليه (فيديو) العربي الجديد - ليندا مادجوري: ارتفاع واردات إيطاليا من الأسلحة الإسرائيلية روسيا اليوم - أسعار النفط تتماسك وسط آمال باتفاق أمريكي إيراني
عامة

في صحة الجهل... كيف نتخلص من تخمة المعلومات؟

Independent عربية
Independent عربية منذ 1 ساعة

في زمن يقضي فيه البشر معظم وقتهم على منصات التواصل الاجتماعي، إذ كل شيء متاح بضغطة زر، تتدفق المعلومات من كل جانب، التحليلات السياسية والدروس التعليمية وآخر صيحات التكنولوجيا والنصائح النفسية والاكتشا...

في زمن يقضي فيه البشر معظم وقتهم على منصات التواصل الاجتماعي، إذ كل شيء متاح بضغطة زر، تتدفق المعلومات من كل جانب، التحليلات السياسية والدروس التعليمية وآخر صيحات التكنولوجيا والنصائح النفسية والاكتشافات العلمية والوثائقيات التاريخية، لتتلقفها عقولنا بنهم معرفي ليس له مثيل.

عالم يغرقك بالمعارف على أنواعها، اطلب وتمن، حتى أن مشتركي هذه المنصات العاديين أصبحوا في غالبيتهم معلمين وكتاباً ومدربي وعي وتطوير ومستشارين، فأين المفر من المعلومات؟وفي خضم هذا نجد أنفسنا أمام مفارقة عجيبة، فكلما ازدادت أدوات المعرفة، ازداد شعورنا بالتشتت وضعف التركيز والإنهاك، وكأننا على عجلة هامستر، نركض طوال الوقت ونبذل جهداً هائلاً، لكن الحقيقة أننا لا نغادر أماكننا أبداً، حتى تلك الفكرية منها.

من هنا أصبح من السهل على المرء أن يقنع نفسه بأنه ينتج ويتطور ويحسن من نفسه، لمجرد أنه يستهلك معلومات لا تتوقف، لكن مع نهاية اليوم، غالباً ما يتسلل شعور غامض بالإرهاق الشتات والعجز مصحوباً بكتلة ثقيلة من القلق والتوتر.

ماذا لو قال لك أحدهم إنك تعاني سمنة، تثقل عليك جسدك وتبطئ حركتك، وإنك بحاجة فورية إلى" ريجيم" قاس؟ لكن لمعلوماتك هذه المرة، فكما يخزن الطعام النيئ حتى يفسد، يختنق عقلك بكم هائل من المعلومات الخام غير المستخدمة، باختصار أنت مصاب بـ" سمنة فكرية".

بقينا عقوداً طويلة نردد خلف الفلاسفة والمفكرين عبارة شهيرة تنسب لفرانسيس بيكون، تقول إن" المعرفة قوة"، مقولة جرى التعامل معها كحقيقة مطلقة لا تقبل الجدل، وتحولت مع الزمن إلى نوع من التبرير الذاتي لشهوة مراكمة المعلومات، لكن هل هذه المقولة صحيحة بالمطلق؟أثبت الواقع المعاصر وجود نقص في هذه الأطروحة، فالمعرفة في غياب التطبيق، هي مجرد إمكان قوة، ولو تأملنا قليلاً، سنجد أن المعارف التي لا تستخدم، والمعرفة التي لا تغير في سلوكنا وقراراتنا، هي مجرد وزن زائد يحتل مساحة ويبطئ حركتنا.

وهنا علينا التمييز بين نوعين من المعرفة: المعرفة الفعالة التي تستخدم وتختبر وتعاد صياغتها تبعاً للتجربة، وهي معرفة حية ترتبط بالعمل مباشرة، إذ نبحث عنها بدافع الحاجة إلى حل معضلة قائمة أو تطوير مهارة مهنية أو اتخاذ قرار مصيري، وهذه المعرفة لا تخزن بل تترجم فوراً إلى تجربة وسلوك في العالم الخارجي.

والنوع الثاني هو المعرفة الراكدة التي تخزن كملاحظات في تطبيق هاتفي أو كحلقات" بودكاست" منهية أو ككتب تقرأ على عجالة وتوضع على الأرفف، معلومات نستهلكها يومياً من دون سياق عملي يلزمنا بتحويلها إلى واقع، فهي أشبه بطعام نلتهمه من دون أن نحرق سعراته، فيتحول إلى دهون تثقل الجسد.

فالمعرفة الحقيقية تكمن في التشغيل وليس التخزين والمراكمة، والقوة ليست في عدد الكتب التي قرأتها، بل في التغيير الذي أحدثته في حياتك، أما المعرفة التي لا تجد طريقها إلى أرض الواقع، فهي مجرد حجر معرفي يعرقل الأفكار المهمة ويشتت الجهود.

فالسمنة الفكرية باختصار هي حشو الذهن بمعلومات لا تحسن جودة قراراتنا ولا تسهم في تغيير سلوكنا أو في بناء مشروع أو حل مشكلة حقيقية، مما يخلق وهماً زائفاً بالنمو فيشعر الشخص السمين فكرياً بأنه يتطور لأنه يقرأ كثيراً ويشترك في عشرات الدورات التدريبية ويستمع لساعات من" البودكاست" وغير ذلك.

لفهم فخ السمنة الفكرية هذا، يمكن أن نتفحص يوم عمل عادي في حياتنا، تبدأ العمل وبعد دقائق تواجهك مشكلة ما، فتستعين بـ" غوغل" أو بالذكاء الاصطناعي، ريثما تصلك الإجابة (التي لا تتجاوز الثانيتين)، لا يستطيع عقلك تحمل الهدوء والانتظار، فتنتقل إلى واحدة من المنصات، " تويتر" أو" إنستغرام" على سبيل المثال، ولسان حالك يقول" سأرى في ثوان ماذا حصل في غيابي"، لتستيقظ من هذا العالم بعد ما لا يقل عن 20 دقيقة، وتجد نفسك غارقاً في مشاهدة فيديو كيف تخبز الخبز بالقمح الكامل، أو كيف تزرع حديقة منزلك بخطوات تفصيلية، أو ربما تنتشل نفسك من مقطع سياسي يكشف عن خفايا سقوط نظام أو صعود آخر، لتعود بسرعة لصفحة البحث، وتطمئن إذ تجد الإجابة جاهزة، لكنك نسيت تماماً لماذا طرحت السؤال، وحتى إن الموضوع ذاته لم يعد يهمك بالدرجة ذاتها، وكل ما حدث خلال تلك الدقائق أنك استهلكت كمية هائلة من المعلومات المتناثرة التي لا رابط بينها.

ما يحدث هنا ليس ضعف تركيز كما يعتقد الغالبية، بل هو تبديد للتركيز تخلقه أزمة أولويات واضحة.

فنحن نتعامل مع كل شذرة معلومة تمر علينا وكأنها كنز ثمين، بينما في الحقيقة غالبها ملهيات لا أكثر، فأصبحنا كمن يجلس إلى مائدة طعام لا نهائية، يأكل من كل الأطباق معاً، فلا هو شبع، ولا استمتع بطعم شيء منها.

وفي إطار ترتيب فوضى العقل، من المفيد تصنيف المعارف والمهارات التي تعرض علينا في الفضاء الرقمي إلى فئتين واضحتين: الأولى هي الأدوات، وتمثل المهارات والمعارف الأساسية التي تشكل البنية التحتية لأي نجاح إنساني، نستخدمها لنتعلم من خلالها كيف نبني حياتنا ونؤثر في الآخرين، فهذه المعارف بمثابة مضاعفات للقوة، بمجرد امتلاكها يرتفع مردود أي عمل آخر تقوم به، كالتفكير المنطقي والتحليلي ومهارات الكتابة والصياغة والوعي والذكاء المالي وفن الإقناع والتفاوض وإدارة الذات والوقت.

والثانية الألعاب، وهي المعارف والمهارات التي قد تكون ممتعة ومحفزة ذهنياً، لكنها تقف عند حدود المتعة والتسلية من دون أن تنعكس على واقعك العملي، مثل روايات الخيال العلمي المعقدة وإتقان لعبة الشطرنج وحفظ تفاصيل تاريخية وجغرافية هامشية والانغماس في متابعة النشرات الإخبارية على مدار الساعة، وتمثل هذه الألعاب الفخ الأكبر للأذكياء، لأنها تملك قدرة كبيرة على الخداع، إذ يضيع الوقت في ما يبدو من الخارج عملاً جاداً، لكنه في الحقيقة مجرد تسلية للذهن.

وهذا لا يعني أن الألعاب سيئة في حد ذاتها، بل على العكس فللمتعة الخالصة قيمتها الإنسانية التي لا يجب إنكارها، لكن الخطر يكمن في خلط الأدوار، أي عندما يتم التعامل مع الألعاب على أنها إنجاز ثقافي يغني عن امتلاك الأدوات، وفي هذا خداع للنفس، إذ نعتقد أننا ننتج في الوقت الذي نستهلك.

وهنا يجب أن نخضع أنفسنا لاختبار يطلق عليه اختبار الخيار المصيري، يتمثل بالسؤال التالي: تخيل لو أنك حرمت من تصفح الإنترنت، ولم يسمح لك بالوصول إلا لثلاثة مصادر للمعلومات فقط طوال العام القادم، فماذا ستختار؟هذا التضييق الافتراضي المتعمد يجبر العقل على التخلي عن الحشو والالتفات إلى الجوهر والركائز الأساسية التي تصنع الفارق الحقيقي في الحياة.

وبالنهاية الجهل المتعمد بمعظم ما يعرض علينا من معلومات يعد في هذا الموقف فعل حكمة، فالعقل البشري، مهما بلغت قدراته، محدود الطاقة والانتباه، والإنسان الذي يحاول أن يعرف كل شيء، غالباً ما ينتهي به الأمر إلى عدم إتقان شيء.

ولمواجهة السمنة الفكرية يتعين علينا إيجاد فلتر ذهني نمرر عبره كل مقالة أو فيديو أو مصدر للمعرفة يعرض أمامنا، ويتكون هذا الفلتر من سؤال حاسم، هل تعيد هذه المعارف تشكيل طريقة تفكيري في الحياة التي أريدها فعلاً؟ وأي جزء من عقلي أرغب في تطويره؟ وهل أريد أن أصبح أقوى في التحليل أم أكثر إبداعاً أم أكثر قدرة على التواصل؟إذا كانت المهارة الجديدة لا تأخذك في اتجاه الرؤية التي رسمتها لحياتك، فتجاهلها بلا تردد.

فكل مهارة نكتسبها تسهم بصورة أو أخرى في تغير بنية الدماغ الفعلية وخلق مسارات عصبية جديدة، فالبرمجة تبني المنطق واللغات تبني الذاكرة ومتابعة السياسة طوال الوقت غالباً ما تورث الغضب والرغبة في الجدال.

إن محاولة الإحاطة بكل شيء في هذا العصر هو رهان خاسر مسبقاً، لا ينتج منه سوى عقل متخم بالمعلومات وعاجز عن الفعل، نحن بحاجة إلى تحول في استراتيجيتنا الذهنية ينقلنا من العقلية العشوائية التي تتحرك في كل مكان، إلى عقلية تركيز الطاقة وتحديد الهدف بدقة متناهية.

وربما حان الوقت اليوم لتتوقف عن كونك مجرد مستهلك للمعلومات وتصبح منتجاً لحياتك، وما عليك إلا البدء بطرح السؤال وتصنيف مهارتك وفلترتها، والشروع في رحلة التخلص من الوزن الفكري الزائد الذي يمنعك من التحليق عالياً.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك