ثمّة ما يشبه العودة لفكرة «المجلس» القديم في معرض «المصيف»؛ ذلك الفضاء الذي تتجاور فيه الأصوات، وتتقاطع فيه الحكايات، وتجلس فيه الأجيال جنبًا إلى جنب، دون فواصل حادة بين الخبرة والبدايات.
ففي هذا المعرض، الذي افتتح الاثنين 29 يونيو 2026 بـ«مركز الفنون»، بتنظيم من «هيئة البحرين للثقافة والآثار» وبالتعاون مع «جمعية البحرين للفنون التشكيلية»، تجتمع أعمال الفنانين البحرينيين لتخلق ما يشبه انعكاسًا للحياة البحرينية داخل الفضاء التشكيلي؛ حياة تتجاور فيها اللوحات والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والتجارب المفاهيمية، بينما تتحرك بينها الذاكرة المحلية، وتحولات المكان، وأسئلة الفن، وصور البحرين وهي تعيد تأمل نفسها بصريًا، في ذروة الصيف، حيث تتباطأ الحياة قليلًا تحت وطأة الحر، يواصل المعرض حضوره حتى الـ8 من سبتمبر المقبل، متخذًا من صيغة «الصالون الفني» مساحةً لتجاور التجارب والأجيال والأساليب المختلفة.
ينقسم المعرض إلى 7 قاعات، ففي قاعة «الجذور والتقاليد»، تعود البحرين القديمة بصورها ومفرداتها اليومية؛ الأسواق، الأزقة، الأزياء الشعبية، البوانيش الممتدة بمحاذاة الساحل، والخط العربي، كعناصر تستعاد داخل اللوحة كذاكرة ما تزال تتحرك في الحاضر، فالأعمال تنسج ما يشبه أرشيفًا بصريًا للحياة المحلية، حيث تتجاور العمارة الشعبية مع تفاصيل المعيشة القديمة، وتتداخل الهوية مع أثر المكان.
ويمتد هذا الحضور لقاعة «المد والجزر»، حيث يصبح البحر محورًا شعوريًا داخل الأعمال، ويعم الأزرق والفيروزي وتدرجات الأخضر، لتخلق إيقاعًا بصريًا بطيئًا ومفتوحًا على التأمل، فيما تستعيد اللوحات العلاقة القديمة بين البحرين والبحر، تلك العلاقة التي تشكلت منها الذاكرة الأولى للجزيرة وأُناسها.
أما قاعة «بين الداخل والخارج»، فتتحرك بين الطبيعة والفضاءات المنزلية؛ بين الخيول والحقول والمزهريات والطبيعة الصامتة، في انتقال بصري يذيب الحدود بين الخارج واتساعه، والداخل وحميميته، إذ تأتي الأعمال التجريدية والتكعيبية كامتداد لهذه الحركة، عبر إعادة تفكيك الأشياء وبنائها من زوايا متعددة.
البساطة وهي تتحول إلى لغةفي قاعة «العودة إلى الأساسيات»، ينحاز المعرض إلى الاختزال؛ الأبيض والأسود، الخطوط، الأشكال الهندسية، والعلاقات البصرية المجردة، حيث تتراجع كثافة اللون لصالح التكوين، وتتحول البنية نفسها إلى مركز العمل الفني، فيما تتأسس الأعمال على التباين والإيقاع والفراغ بوصفها أدوات التعبير الأساسية.
ويظهر هذا الميل بصورة مختلفة في قاعة «القوة والثقة»، حيث تحضر الاشتغالات بكثافة بصرية، تكشف عن رسوخ التجربة الفنية وسيطرة الفنان على أدواته، كالخطوط الحادة، وضربات الفرشاة، والكتل اللونية الثقيلة، التي تمنح الأعمال حضورًا مباشرًا ومشحونًا.
في المقابل، تنحو قاعة «اللعب والعفوية» نحو الخفة والخيال والذاكرة الطفولية، فالاشتغالات تستعيد الدهشة الأولى، وتتعامل مع العالم بوصفه مساحة مفتوحة للتجريب واللعب، حيث تمتزج التفاصيل اليومية بالخيال الحر، وتتحول اللحظات العابرة إلى مادة بصرية مفعمة بالحيوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك