روسيا اليوم - طلب زواج فوق السحاب ينتهي في المحكمة.. عاشقان روسيان يواجهان خطر الترحيل بعد تسلق أشهر أبراج نيويورك قناة الغد - محكمة تركية تسجن فنانا كوميديا بتهمة إهانة أردوغان روسيا اليوم - ترامب يمازح ويسخر من الرؤساء السابقين أثناء قراءة قصة للأطفال (فيديو) روسيا اليوم - رئيس وزراء غرينلاند: ترامب تراجع عن فكرة ضم الجزيرة الجزيرة نت - "يفرحون بنا وسط الإبادة".. هكذا يتفاعل الوجدان الشعبي المصري مع فلسطين روسيا اليوم - مفوضة الاتحاد الأوروبي: مقترح تعليق الامتيازات التجارية لإسرائيل سيكون له تأثير اقتصادي كبير فرانس 24 - مونديال 2026: مصر تطيح بأستراليا بركلات الترجيح وتبلغ ثمن النهائي روسيا اليوم - الصين تطور منظومة متكاملة لرصد الكويكبات قناه الحدث - التحالف: تصريحات الحوثيين ضد السعودية محاولة لصرف الأنظار عن انتهاكاتهم الجسيمة العربي الجديد - لماذا يراهن البنك الدولي على نمو السعودية؟
عامة

علي عبدالله خليفة.. حين يرحل حارس الذاكرة وشاعر البحر والوطن

الأيام
الأيام منذ 1 ساعة

لم يكن صباح الرحيل صباحًا عابرًا يمكن أن يمرّ في سجل الأيام كما تمرّ الأخبار اليومية العابرة، فثمّة أخبار لا تُقرأ بالعين، بل تُستقبل بوجع القلب، وتستقر في أعماق الوجدان قبل أن تجد طريقها إلى العقل. و...

لم يكن صباح الرحيل صباحًا عابرًا يمكن أن يمرّ في سجل الأيام كما تمرّ الأخبار اليومية العابرة، فثمّة أخبار لا تُقرأ بالعين، بل تُستقبل بوجع القلب، وتستقر في أعماق الوجدان قبل أن تجد طريقها إلى العقل.

وحين بلغني نبأ وفاة الشاعر والمثقف والباحث الكبير علي عبدالله خليفة، شعرت أن شيئًا من الضوء الثقافي العربي قد انطفأ، وأن صفحة من صفحات الذاكرة الخليجية المضيئة قد طُويت برحيل أحد أكثر أبنائها إخلاصًا للكلمة، وأشدّهم وفاءً للإنسان والوطن والتراث.

لم يكن وقع الخبر عليّ نابعًا من معرفتي بمكانة الراحل الأدبية والثقافية فحسب، ولا من إدراكي لحجم الفراغ الذي سيتركه في المشهد الثقافي البحريني والخليجي والعربي، بل كان مردّه أيضًا إلى علاقة إنسانية وثقافية عميقة امتدت لأكثر من عقدين من الزمن، منذ أن احتضنتني البحرين الماجدة، تلك الأرض التي عرفت كيف تجعل من القادم إليها واحدًا من أبنائها، وتفتح له قلبها كما تفتح الأم ذراعيها لطفلها الرضيع.

ومنذ تلك السنوات الأولى، كان علي عبدالله خليفة واحدًا من الوجوه الثقافية المضيئة التي التقيتها، قبل أن يتحول مع مرور الزمن إلى صديق عزيز ورفيق درب ثقافي وإنساني، ربطتني به وشائج المحبة والتقدير والاحترام المتبادل.

على امتداد أكثر من عشرين عامًا، أتيح لي أن أقترب من هذه القامة الثقافية الكبيرة، لا من خلال نصوصه وكتبه ومشاريعه فحسب، بل من خلال الإنسان الكامن خلف كل ذلك.

عرفت فيه تواضع الكبار الذين كلما ازدادت قامتهم العلمية والأدبية ارتفاعًا ازدادوا قربًا من الناس.

وعرفت فيه المثقف الذي لم تجعل منه المكانة المتقدمة حاجزًا بينه وبين الآخرين، بل ظل منفتحًا على الجميع، قريبًا من الأجيال الجديدة، كريمًا في دعمه، صادقًا في نصحه، مؤمنًا بأن الثقافة رسالة قبل أن تكون موقعًا أو لقبًا.

كان علي عبدالله خليفة من أولئك النادرين الذين تتطابق فيهم السيرة مع المسيرة، فلا تجد فرقًا بين الإنسان الذي يكتب عن القيم وبين الإنسان الذي يعيشها في حياته اليومية.

كان وفيًا لأصدقائه كما كان وفيًا لوطنه، ومخلصًا للثقافة كما كان مخلصًا لتراث أمته.

وحين كنت ألتقيه في الملتقى الأهلي الثقافي، كنت أشعر أنني أمام رجل لا يحمل تاريخًا ثقافيًا فحسب، بل يحمل ذاكرة جيل كامل من الحالمين الذين آمنوا بأن الكلمة قادرة على أن تصنع معنى للحياة، وأن الثقافة تستطيع أن تكون جسرًا بين الإنسان وأرضه وتاريخه ومستقبله.

لقد كان الراحل الكبير مدرسة في الأخلاق بقدر ما كان – أيضا - مدرسة في الإبداع.

وكانت ابتسامته الهادئة، وحديثه الرزين، وإنصاته العميق للآخرين، تكشف عن شخصية إنسانية نادرة في زمن تتسارع فيه الخطوات، وتضيق فيه مساحات الإصغاء.

ولم يكن حضوره في المجالس الثقافية حضور اسم كبير فحسب، بل حضور روح محبة تجمع ولا تفرق، وتحتضن ولا تقصي، وتشجع ولا تُحبط.

ولذلك فإن الحزن على رحيله لا ينبع فقط من فقدان شاعر كبير، أو باحث مرموق، أو مثقف موسوعي، وإنما من فقدان إنسان استثنائي ترك أثره في قلوب من عرفوه، كما ترك أثره في الثقافة التي خدمها بإخلاص طوال عقود.

لقد رحل علي عبدالله خليفة بعدما أمضى عمره وهو يزرع الجمال في الكلمة، والوعي في الثقافة، والوفاء في العلاقات الإنسانية، تاركًا وراءه سيرة يصعب أن تُختزل في كتاب أو مقال؛ لأنها سيرة رجل عاش للثقافة كما يعيش العاشق لحلمه، وعاش لوطنه كما يعيش الابن البار لأمه، وعاش للإنسان كما يعيش المؤمن برسالته.

وإذا كانت الأوطان تُقاس بما تنجبه من رجال كبار، فإن البحرين كانت محظوظة بعلي عبدالله خليفة، كما كنا نحن، أصدقاءه ومحبيه ورفاقه، محظوظين بأن عرفناه عن قرب، وأن نهلنا من نبله الإنساني ومن عطائه الثقافي الذي لم ينقطع حتى آخر أيامه.

ولعل عزاءنا اليوم أن الأجساد وحدها ترحل، أما الأرواح التي تسكن ذاكرة الثقافة ومحبة الناس فلا تغيب، بل تبقى شاهدة على أصحابها كلما ذُكرت أسماؤهم، أو قُرئت كلماتهم أو استُحضرت مآثرهم.

لقد عرفت الراحل علي عبدالله خليفة شاعرًا ومثقفًا وباحثًا، كما عرفته قبل ذلك إنسانًا يحمل قلبًا واسعًا يتسع للناس جميعًا.

كان من أولئك الذين يملكون القدرة على أن يجعلوا من الحوار الثقافي مناسبة للمحبة، ومن الاختلاف فرصة للتقارب، ومن الكلمة جسرًا بين القلوب والعقول.

ولم يكن حضوره في أي مجلس أو ملتقى ثقافي مجرد حضور اسم أدبي كبير، بل كان حضور إنسان يحمل معه ذاكرة وطن وتجربة جيل بأكمله.

ينتمي علي عبدالله خليفة إلى ذلك الجيل المؤسس الذي أسهم في صناعة الوعي الثقافي الحديث في البحرين والخليج العربي.

وهو جيل لم يكن يكتب الشعر بوصفه ترفًا لغويًا، أو ممارسة جمالية منعزلة عن الواقع، بل كان يرى في الأدب فعلًا حضاريًا، ورسالة اجتماعية، ومسؤولية أخلاقية.

ولذلك جاءت تجربته الشعرية متشابكة على الدوام مع قضايا الإنسان والوطن والهوية والذاكرة، وجاء حضوره الثقافي ممتدًا في المؤسسات والمبادرات والمشروعات التي أسهمت في بناء المشهد الثقافي البحريني والخليجي المعاصر.

منذ بداياته الشعرية المبكرة، استطاع أن يلفت الانتباه إلى صوت مختلف يحمل نبرة خاصة، تنبع من عمق البيئة البحرينية.

كانت البحر حاضرة في قصائده كما تحضر الأم في ذاكرة أبنائها، وكانت المحرق حاضرة باعتبارها فضاءً للطفولة والتكوين والحنين.

ومن خلال هذه العلاقة العميقة بالمكان، نجح في أن يحول التفاصيل المحلية إلى أسئلة إنسانية كبرى، وأن يجعل من التجربة البحرينية جزءًا من التجربة الإنسانية العامة.

لقد كانت أعماله الشعرية الأولى، مثل «أنين الصواري» و«عطش النخيل» و«إضاءة لذاكرة الوطن»، بمثابة إعلان مبكر عن مشروع شعري ينطلق من الواقع لكنه لا يتوقف عنده، ويستند إلى الذاكرة دون أن يقع في أسر الماضي.

وفي هذه الأعمال – وغيرها - ظهرت ملامح شاعر يمتلك حساسية خاصة تجاه المكان والإنسان، ويملك قدرة لافتة على تحويل الرموز الطبيعية إلى دلالات ثقافية ووجودية عميقة.

غير أن أهمية علي عبدالله خليفة لا تكمن في كونه شاعرًا بارزًا فقط، بل في كونه واحدًا من أبرز صناع الثقافة المؤسسية في الخليج العربي.

فالكثير من المبدعين يكتبون نصوصهم ثم يكتفون بذلك، أما هو فقد أدرك مبكرًا أن الثقافة لا تنهض بالإبداع الفردي وحده، وإنما تحتاج إلى مؤسسات ترعاها وتحميها وتؤسس لاستمرارها.

ومن هنا جاءت مساهماته الكبيرة في تأسيس، ودعم، وإدارة عدد من المؤسسات الثقافية التي أصبحت اليوم جزءًا من الذاكرة الثقافية للبحرين والخليج.

لقد آمن بأن الثقافة مشروع جماعي، وأن المثقف الحقيقي ليس فقط من يكتب النصوص الجميلة، بل من يعمل أيضًا على خلق البيئة التي تسمح لتلك النصوص بأن تُقرأ وتُناقش وتؤثر.

ولذلك ظل حاضرًا في مختلف المبادرات الثقافية، داعمًا للأجيال الجديدة، مشجعًا للمواهب الشابة، ومدافعًا عن قيمة الثقافة في المجتمع.

وإذا كان الشعر قد منحه مكانة بارزة في الحياة الثقافية، فإن مشروعه في التراث الشعبي منحه مكانة أكثر رسوخًا وخصوصية.

فقد كان من القلائل الذين أدركوا أن التراث ليس بقايا ماضٍ منقضٍ، بل هو ذاكرة الأمة الحية ومستودع خبرتها التاريخية والإنسانية.

ولهذا كرّس سنوات طويلة من حياته لجمع التراث الشعبي وتوثيقه ودراسته ونشره، مؤمنًا بأن الأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءًا من وجودها.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن علي عبدالله خليفة كان واحدًا من أبرز حراس الذاكرة الثقافية في الخليج العربي.

لقد عمل على توثيق عناصر الثقافة الشعبية المختلفة، وساهم في تحويل التراث من مادة شفوية مهددة بالنسيان إلى مادة معرفية قابلة للدراسة والتحليل والتداول.

وكانت جهوده في هذا المجال جزءًا من مشروع حضاري متكامل يرمي إلى حماية الهوية الثقافية من التآكل في زمن التحولات المتسارعة.

أما على مستوى الإبداع الشعري، والرؤية الثقافية، فقد امتلك رؤية تتجاوز الحدود الضيقة للتخصص.

كان ينظر إلى الثقافة بوصفها منظومة متكاملة تتداخل فيها الأدب والتاريخ والأنثروبولوجيا والاجتماع والفنون الشعبية.

ولذلك جاءت كتاباته ومداخلاته ومشاريعه الثقافية معبرة عن وعي عميق بأهمية التكامل المعرفي، وعن إدراك مبكر للتحولات التي تشهدها المجتمعات العربية والخليجية.

ولعل ما يثير الإعجاب في شخصيته هو قدرته على الجمع بين الأصالة والانفتاح.

فقد ظل وفيًا لتراثه وجذوره الثقافية، لكنه لم يتحول يومًا إلى أسير للماضي.

كان يؤمن بالحوار والانفتاح والتجديد، ويرى أن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق، بل يعني امتلاك القدرة على التفاعل الخلاق مع العصر دون التفريط في الخصوصية الثقافية.

ومن خلال علاقتي به، كنت أجد فيه نموذج المثقف العربي الذي لا يكتفي بالتنظير، بل يحوّل أفكاره إلى مشاريع عملية.

كان يتحدث عن الثقافة كما لو كانت قضية حياة يومية، وكان يرى في كل مبادرة ثقافية خطوة نحو بناء مجتمع أكثر وعيًا وإنسانية.

ولم يكن يخفي قلقه على مستقبل الثقافة العربية، لكنه ظل مؤمنًا بقدرة الكلمة على مقاومة التهميش والنسيان.

لقد كان الراحل الكبير يمتلك حضورًا خاصًا في الوجدان الثقافي الخليجي.

فعندما يُذكر اسمه لا يُستحضر شاعرًا فحسب، بل تُستحضر معه عقود من العمل الثقافي الدؤوب، ومئات الفعاليات والمبادرات، وآلاف الصفحات التي كتبها أو أشرف عليها أو دعم أصحابها.

ولهذا فإن الحديث عن علي عبدالله خليفة هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ الثقافة البحرينية والخليجية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك