تصدرت قضية الطفل الأمريكي “وسيم” واجهة النقاش في الجزائر، بعدما حضرت في الخطاب الرسمي والإعلامي، بالتزامن مع الانتخابات التشريعية ومشاركة المنتخب المغربي في كأس العالم، وهو تزامن يراه الأكاديمي المغربي عبد الرحيم المنار اسليمي جديرا بالتوقف عنده، معتبرا أن إثارة هذا الملف في تلك اللحظة تتجاوز، وفق قراءته، حدود الواقعة نفسها، لتندرج ضمن سياق سياسي وإعلامي أوسع، يرتبط بطبيعة الرسائل التي حملها الخطاب الرسمي، وبالتفاعل الذي رافق الحضور المغربي في البطولة، وما أثاره من اهتمام عربي ودولي.
وفي مقال بعنوان “وراء سردية الطفل وسيم: هل يخاف عسكر الجزائر أن تقرر نتائج المنتخب المغربي مصيره؟ ”، يقدم اسليمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، قراءة تحليلية لهذا التزامن، ويرى أن القضية اكتسبت أبعادا تتجاوز طابعها الإنساني، لارتباطها، وفق تحليله، بالأجواء التي رافقت مشاركة المنتخب المغربي في البطولة، وما واكبها من تفاعل واسع على المستويين العربي والدولي، كما يناقش مجموعة من الوقائع والتساؤلات التي يعتبرها مدخلا لفهم خلفيات إعادة طرح هذا الملف، في ظل تداخل الاعتبارات السياسية والإعلامية مع الحدث الرياضي، وما رافق ذلك من تنافس على بناء السرديات وتوجيه الرأي العام.
أن يخرج الرئيس الجزائري تبون ليتحدث يوم الانتخابات عن قضية غامضة لطفل أمريكي صنعتها المخابرات الجزائرية ويُروّج لها الإعلام الجزائري والسفير بوقادوم في الولايات المتحدة الأمريكية، فالأمر لا يتعلق بخروج عادي، إنما بخروج يُخفي مجموعة من القضايا التي يجب توضيحها أمام الرأي العام الوطني والدولي من خلال ثلاث تساؤلات:أولاً، ما هي الأولوية يوم الخميس 2 يوليوز في أجندة تبون؟ هل هي الانتخابات التشريعية وتوجه الجزائريين إلى صناديق الاقتراع أم قضية غامضة لطفل ذي جنسية أمريكية فوق الأراضي الأمريكية؟ثانياً، هل هناك رئيس في العالم يقول إنه كلّف سفيره في دولة ثانية لمتابعة قضية طفل من جنسية دولة أخرى، التي هي الولايات المتحدة الأمريكية؟ بمعنى أن تبون يقول بحلول السفير بوقادوم محل السلطات الأمريكية في متابعة قضية تهم طفلاً أمريكياً فوق الأراضي الأمريكية؟ثالثاً، هل وليد صادي رئيس لوفد المنتخب الجزائري أم أنه مسؤول جزائري لرعاية شؤون طفل مواطن أمريكي قبل ساعات من مقابلة مصيرية كانت تنتظر المنتخب الجزائري أم منتخب سويسرا؟تعاطف جزائريين مع المنتخب المغربي وراء صناعة سردية الطفل المضللةهذه التساؤلات تخفي شيئاً واحداً وراء هذا الخروج الرسمي الجزائري في قضية طفل أمريكي لم يتحدث لا المسؤولون الأمريكيون ولا الشرطة الأمريكية عن قضية يتناولها الرئيس الجزائري وسفيره وإعلامه وحدهم فقط، تخفي أولاً درجة الألم التي يعيشها النظام العسكري الجزائري وهو يُتابع درجة التعاطف العربي والعالمي مع المنتخب المغربي لكرة القدم، تعاطف ينطلق من أمريكا إلى غزة، ومن المكسيك إلى سوريا والأردن والخليج، ويصل إلى داخل جزء يكبر يومياً من الجزائريين، لدرجة بات النظام العسكري يُخرج مؤثريه (صوفيا مثلاً) لمهاجمة الجزائريين الذين يتعاطفون ويشجعون المنتخب المغربي.
وتخفي ثانياً الألم الذي أصاب النظام العسكري وهو يرى أمامه تساقط المنتخب الذي اخترقه ووظفه في كأس إفريقيا الماضي لبناء سردية لضرب صورة المغرب، والمقصود هنا هو إقصاء المنتخب السنغالي.
أن يخرج تبون يوم الانتخابات الجزائرية لهدف واحد ليس هو الانتخابات ومجرياتها وإنما لفائدة سردية طفل أمريكي اشتغل عليها الإعلام الجزائري ساعات قبل الانتخابات وقبل مقابلة الجزائر وسويسرا، إن هذا الخروج جزء من سردية تعبر عن سيكولوجية المقامر التي يعيشها النظام العسكري الجزائري وهو يفقد كل شيء، ويجد نفسه داخل حالة من التعاطف الفريد مع المنتخب المغربي، ويجد أمامه صورة عائلات اللاعبين المغاربة أمهاتهم وآباءهم، ويجد أمامه جيلاً من اللاعبين المغاربة الذين يثبتون معادلة الدولة الأمة المغربية أمام العالم في لحظة تلاحمها بملاعب مونديال أمريكا والمكسيك.
ومن الواضح أن سردية الطفل الأمريكي التي بدأ يصنعها النظام العسكري سردية إفلاس؛ لأن سلوك العنف ليس مغربياً، ومن المستحيل أن يدخل بينهم طفل بين المغاربة ولا يحتضنونه ويدافعون عنه.
متى كان العسكر يهتم بأطفال الجزائر حتى يهتم بطفل أمريكي؟إن عسكر الجزائر لم ينتبه وهو يصنع هذه السردية الكاذبة الجديدة أن المغاربة تعايشوا جنباً إلى جنب في ملاعب المونديال مع البرازيليين، العسكر لم ينتبه لصورة المؤثرة البرازيلية وهي تبحث عن محمد المغربي، لم ينتبهوا إلى الأمريكيين والمكسيكيين الذين يرقصون على أغاني مغربية وسط تجمعات مغربية حضارية.
لقد استيقظ العسكر الجزائري متأخراً وأراد صناعة سردية جديدة، أراد إعادة سردية كأس إفريقيا فلم يسمح له الأمريكيون باختراق الجماهير التي تلعب فرقها ضد المغرب، غادر حلفاء النظام العسكري من جماهير السنغال المونديال، فلجأ العسكر إلى حكاية طفل لم ينتبه العسكر إلى أنه طفل أمريكي، إنها أضحوكة جديدة من إنتاج تبون ومخابرات شنقريحة وبوقادوم ووليد العاقل ودراجي…والسؤال الذي يطرح نفسه: هل النظام العسكري الذي طرد 350 ألف مغربي ليلة عيد الأضحى وقتل ربع مليون جزائري في العشرية السوداء واحتضن سجن الرشيد ووضع فيه إسلاميين جزائريين وأفراداً من موريتانيا ومخيمات تندوف، هل يمكن لهذا النظام أن يستيقظ اليوم ويأتي ليعطي دروساً للمغرب والمغاربة؟انتصارات المنتخب المغربي قد تحدد مصير النظام العسكري الجزائريتبين سردية الطفل الأمريكي درجة الإفلاس التي وصل إليها النظام العسكري الذي يشعر بخطورة كبيرة وهو يتابع جزءاً من الجزائريين يتعاطفون مع المنتخب المغربي، لذلك فكلما ازدادت أفراحنا يزداد ألم النظام العسكري الجزائري، وكلما ازدادت انتصارات المنتخب المغربي إلا وبدأ العسكر الجزائري يشعر بأنه مهدد.
لقد وصلنا أخيراً إلى مرحلة أن منتخبنا الوطني أصبح بإمكانه تقرير مصير النظام العسكري الجزائري وتقرير مصير نتائج الانتخابات الجزائرية، فأن يخرج تبون يوم الانتخابات ليتلقى سؤالاً أُعدّ له ليلة الانتخابات حول سردية كاذبة موضوعها طفل أمريكي، فمعنى ذلك أن النظام العسكري يخرج آخر رصاصة لكنها الرصاصة التي ضرب بها رجليه، لأن سردية كاذبة حول طفل أمريكي لن تنفع حكم عسكر الجزائر مادام المنتخب المغربي قد ملك قلوب العالم.
ربما أن تبون لم يفهم لحد الآن صور اللاعبين في عناق مع أمهاتهم، لم يفهم دموع فرح العائلات المغربية وهي تشاهد أبناءها يهزمون منتخباً مرشحاً للفوز بكأس العالم، لم يفهم أن صورة قراءة الفاتحة وسجود اللاعبين معناه أن حقل إمارة المؤمنين يحمله المغاربة في أرواحهم ونفسيتهم أينما كانوا، لم يفهم أنه يريد صناعة سردية كاذبة حول طفل أمريكي ولا يستطيع أن يجمع لوكا زيدان وعيسى ماندي لقراءة الفاتحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك