انتهت مشاركة المنتخب الجزائري في كأس العالم 2026 بخيبة أمل كبيرة، ليس فقط بسبب إقصاء" الخضر" من الدور الثاني، بل لأن هذا الجيل كان يملك من المواهب والإمكانات ما يجعله قادراً على الذهاب أبعد من ذلك.
فبعد سنوات من انتظار العودة إلى المونديال، كانت الآمال معلقة على منتخب شاب يضم أسماءً لامعة تنشط في أقوى الدوريات الأوروبية، لكن الواقع كشف أن امتلاك اللاعبين الموهوبين لا يكفي لصناعة منتخب كبير، بقيادة مدرب لم يُظهر مرونة كافية لتصحيح الأخطاء التي تكررت من مباراة إلى أخرى، وكأن قناعاته كانت أهم من مصلحة المنتخب، وفي وجود لاعبين افتقدوا لأبجديات المستوى العالي التي تقتضي روحاً قتاليةً كانت غائبة عنهم.
المدرب السويسري فلاديمير بيتكوفيتش يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية، باعتباره صانع هوية الفريق الفنية، لكن منذ توليه المهمة، لم ينجح في تكوين منتخب متجانس أو فرض أسلوب لعب واضح المعالم.
فقد بدا المنتخب في معظم المباريات فاقداً للتوازن، مرتبكاً في التحولات الدفاعية، وعاجزاً عن فرض شخصيته أمام المنافسين، كذلك أثارت خياراته الفنية والتكتيكية الكثير من علامات الاستفهام، سواء من خلال إصراره على بعض الأسماء التي لم تقدم الإضافة المطلوبة، أو بإبعاد عناصر كانت تستحق فرصاً أكبر، فضلاً عن تأخره المتكرر في إجراء التغييرات وعدم قدرته على قراءة مجريات المباريات بالشكل المطلوب.
مدرب أي منتخب لا يحاسب فقط على النتائج، بل أيضاً على قدرة فريقه على التطور، وهي نقطة لم تظهر بوضوح طوال فترة إشرافه على المنتخب.
لكن تحميل بيتكوفيتش كامل المسؤولية وحده سيكون ظلماً للحقيقة.
فالعديد من اللاعبين لم يقدموا المستوى المنتظر منهم، سواء من الناحية الفنية أو الذهنية.
ففي المباريات الكبرى، لم يظهر بعض أصحاب الخبرة بالشخصية القيادية التي يحتاجها المنتخب، وغابت الفاعلية الهجومية، وارتُكبت أخطاء دفاعية فردية كلفت الفريق أهدافاً كثيرة.
كذلك افتقد المنتخب في كثير من الفترات الروح القتالية التي عُرفت بها الأجيال الجزائرية السابقة، فلم يكن الالتزام والانضباط التكتيكي بالمستوى المطلوب، وظهر التفاوت الكبير بين أداء اللاعبين مع أنديتهم وأدائهم مع المنتخب الوطني.
المنتخبات الكبيرة لا تُبنى قبل أشهر من البطولات، بل عبر مشروع فني طويل المدى، يقوم على الاستقرار، والاختيارات السليمة، والتقييم المستمر، والمحاسبة عند الإخفاق، لذلك يجب الاستفادة من دروس هذا المونديال، فلا بد من مراجعة شاملة وهادئة بعيداً عن ردود الفعل العاطفية، وينبغي تقييم عمل الجهاز الفني بكل موضوعية، سواء بقي أو رحل، مع الحفاظ على العناصر التي أثبتت قدرتها على تمثيل الجزائر، ومنح الفرصة للاعبين الجدد القادرين على رفع المنافسة داخل المجموعة، كذلك يجب بناء منظومة لعب واضحة، لا تعتمد على المهارات الفردية فقط، بل على العمل الجماعي والانضباط التكتيكي، لأن البطولات الكبرى لا تكسبها الأسماء وحدها، بل تكسبها الفرق.
ورغم مرارة الإقصاء، فإن كتيبة" الخضر" هذه تملك قاعدة بشرية واعدة تستطيع إعادة الجزائر إلى مكانتها إذا توفرت القيادة الفنية القادرة على استثمار هذه الإمكانات.
أما الجمهور الجزائري، فقد كان مرة أخرى العلامة المضيئة في هذه المشاركة.
ساند منتخبه في كل الظروف، وقدم صورة حضارية رائعة، وكان وفياً كعادته.
ولذلك فإنه يستحق منتخباً يليق بتضحياته، ويقاتل من أجل الراية الوطنية، ويحوّل الموهبة إلى إنجاز، والطموح إلى حقيقة.
ومع ذلك، يجب ألّا يكون الإقصاء نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تقوم على الصراحة والمحاسبة، من خلال تقييم التجربة بجرأة، واتخاذ القرارات التي تفرضها مصلحة المنتخب، بعيداً عن المجاملات أو الحسابات الضيقة.
المنتخب الجزائري خسر فرصة ثمينة للتألق في مونديال 2026، لكن الأخطر من الخسارة نفسها أن تضيع الدروس، وأن تتكرر الأخطاء ذاتها في الاستحقاقات المقبلة.
فالمنتخبات الكبيرة لا تخشى الاعتراف بأخطائها، بل تخشى تكرارها، أما رحيل المدرب فقط، فلن يحل المشكلة إذا لم تتغير بعض الوجوه والعقلية قبل أسلوب اللعب والخطط التكتيكية.
لذلك، فإن بيتكوفيتش مطالب بتقرير مصيره، خصوصاً إذا شعر بأنه غير قادر على تحمّل ضغوط مسؤولية الإشراف على منتخب بحجم" الخضر".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك