في الوقت الذي تأسست فيه الولايات المتحدة كـ" أمة من المهاجرين"، وفق التعبير التاريخي الشهير للرئيس الأسبق جون كينيدي عام 1963، يمر هذا المفهوم اليوم بمنعطف جذري يعيد صياغة هوية البلاد ومستقبلها الاقتصادي والديموغرافي.
ومع تبني إدارة الرئيس الحالي دونالد ترمب لسياسات الترحيل الجماعي الصارمة، تشهد معدلات الهجرة تراجعا حادا غير مسبوق، مما يضع الولايات المتحدة أمام معضلة حقيقية تتأرجح بين الرغبة في ضبط الحدود ومخاوف الشيخوخة السكانية وانكماش القوة العاملة.
list 1 of 2هل يضطر بوتين إلى التفكير في تصعيد خطير مع الناتو؟list 2 of 2من احتفال وطني إلى طابع شخصي.
ترمب يهيمن على الذكرى الـ250 لأمريكاويرى فريق من الباحثين، وفقا لمجلة الأمريكية، أن الهجرة تمثل ركيزة أساسية للحفاظ على النمو السكاني وتجديد سوق العمل وتمويل أنظمة الرعاية الاجتماعية، بينما يؤكد آخرون أن تأثيرها في الحد من الشيخوخة محدود، وأن الأولوية يجب أن تكون لهجرة أكثر انتقائية تستقطب أصحاب المهارات العالية.
والواقع أن الولايات المتحدة تشهد واحدة من أكثر الفترات استقطاباً بشأن ملف الهجرة، ويرصد تقرير بالمجلة 3 سيناريوهات محتملة لمستقبل البلاد، مستنداً إلى دراسات ديموغرافية متباينة، تضع الهجرة في قلب معادلة النمو السكاني وسوق العمل والاقتصاد والتركيبة السكانية وحتى مستقبل السياسة الأمريكية.
ويعرض التقرير رؤيتين متعارضتين: الأولى ترى أن استمرار الهجرة ضرورة لمنع شيخوخة المجتمع الأمريكي، والثانية تعتبر أن آثارها الإيجابية على سوق العمل مبالغ فيها، بينما تزيد الضغوط على الخدمات العامة.
ووفقا للبيانات الرسمية والتحليلات، فإن تدفق المهاجرين شهد انخفاضاً دراماتيكياً نتيجة لعمليات الترحيل والمناخ العام الذي بات يوصف بالمستبعد للمهاجرين.
وأعلنت الإدارة الأمريكية أنه في غضون 12 شهراً فقط من تنصيب ترمب، غادر البلاد، طواعية أو عبر الترحيل القسري، نحو 3 ملايين مهاجر غير نظامي.
وتشير تقديرات معهد" بروكينغز" إلى أن الولايات المتحدة سجلت العام الماضي صافي هجرة سلبي، أي أن عدد المغادرين تجاوز عدد القادمين، لأول مرة منذ عقد على الأقل.
وتشير التوقعات لعام 2026 إلى احتمال تعمق هذا الانخفاض، وأكدت بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي هذا التراجع، إذ هبط صافي الهجرة الدولية من ذروته البالغة 2.
7 مليون في عام 2024 إلى 1.
3 مليون في عام 2025، ويتوقع أن يتهاوى إلى 321 ألفا فقط في عام 2026 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
ونتيجة لذلك، تباطأ النمو السكاني الأمريكي إلى 0.
5%، وهو أدنى مستوى له منذ جائحة كورونا، ومع بقاء معدلات المواليد والوفيات مستقرة نسبياً مقارنة بالعام السابق، فإن الانخفاض الحاد في صافي الهجرة الدولية هو السبب الرئيسي لمعدل النمو البطيء الذي نشهده اليوم"، وفقا لكريستين هارتلي، مساعدة رئيس قسم التقديرات والتوقعات في مكتب الإحصاء الأمريكي.
وأمام هذا التحول الحاد، وضع خبراء الديموغرافيا -وفي مقدمتهم وليام فري من معهد بروكينغز وستيفن كاماروتا من مركز دراسات الهجرة 3 سيناريوهات محتملة لمستقبل أمريكا بناءً على مستويات الهجرة:أولا، سيناريو الهجرة المنخفضة أو المعدومةفي حال انعدام الهجرة تماماً، سينكمش عدد سكان الولايات المتحدة إلى 312 مليون نسمة بحلول عام 2051، أما في حال الهجرة المنخفضة، فسينمو السكان بشكل متواضع ليصلوا إلى 345 مليونا بحلول عام 2051، أو 343 مليونا بحلول عام 2060 وفق توقعات أخرى لمكتب الإحصاء.
ويرى الخبير وليام فري أن غياب الهجرة سيكون له أثر مدمر، خاصة وأن التوقعات تشير إلى أن الوفيات ستبدأ في تجاوز المواليد بحلول عام 2031 في أمريكا، مما يعجل بشيخوخة المجتمع والقوة العاملة.
ثانيا، سيناريو الهجرة المتوسطةحسب هذا السيناريو، الذي يتبناه كاماروتا كخيار واقعي، فإن عدد سكان الولايات المتحدة سينمو بمقدار 34.
6 مليون نسمة بين عامي 2023 و2060 ليصل الإجمالي إلى 364 مليون نسمة، وستنخفض نسبة السكان في سن العمل (18-64 عاماً) من 60.
9% إلى 58%، وهو انخفاض أقل حدة من سيناريو الهجرة المنخفضة.
ثالثا، سيناريو الهجرة المرتفعة:يتوقع فري أن يصل عدد سكان الولايات المتحدة إلى 385 مليون نسمة بحلول عام 2051، بينما يرفع كاماروتا التقدير إلى 397 مليون نسمة بحلول عام 2060، وهذا هو السيناريو الوحيد الذي يحافظ على مسار نمو أمريكي مشابه لفترة أوائل القرن الحادي والعشرين، كما سيحافظ هذا المسار على فتوة أمريكا، حيث سيضيف 17 مليون طفل دون سن الـ15، و50 مليون شخص إضافي في سن العمل بحلول عام 2051.
وينقسم الخبراء بحدة حول طبيعة التأثير الاقتصادي للمهاجرين، فبينما يراهم البعض طوق نجاة للمجتمع الشيخوخي، يراهم آخرون عبئاً على شبكات الضمان الاجتماعي.
يرى داعمو الهجرة من أمثال فري أن المهاجرين الذين هم، في الغالب شباب وفي سن الإنجاب، يمثلون رافدا لصناديق الرعاية الطبية (Medicare) والضمان الاجتماعي التي تعتمد على مساهمات القوة العاملة الفتية لرعاية المسنين.
وعلى النقيض من ذلك، يؤكد كاماروتا أن دور المهاجرين في إبقاء أمريكا شابة أمر" مبالغ فيه"، فالمهاجرون يتقدمون في العمر أيضاً، ومعدلات خصوبتهم تراجعت بشكل كبير لتتقارب مع المواطنين الأصليين (معدل الخصوبة للمهاجرات 2.
19 مقابل 1.
73 للمواطنات الأصليات في عام 2023)، حسب إحدى الدراسات.
كاماروتا: المهاجرون بشر، وهذا يعني أنهم يصلون لجميع الأعمار.
نعم، هم يزيدون عدد الفئة العمرية التي في سن العمل، لكنهم يضيفون أيضاً إلى فئة كبار السن، ويكبرون في السن بمرور الوقت مثل أي شخص آخربالإضافة إلى ذلك، يذهب هذا الخبير إلى أن الأرقام تكشف عبئاً مالياً، إذ إن 53% من أسر المهاجرين تستفيد من برامج الرعاية الاجتماعية الموجهة لذوي الدخل المحدود، مقارنة بـ37% فقط من أسر المواطنين الأصليين.
ويقول في هذا الصدد: " المهاجرون بشر، وهذا يعني أنهم يصلون لجميع الأعمار.
نعم، هم يزيدون عدد الفئة العمرية التي في سن العمل، لكنهم يضيفون أيضاً إلى فئة كبار السن، ويكبرون في السن بمرور الوقت مثل أي شخص آخر".
ورغم الخلاف الاقتصادي، يتفق الخبراء على أن الهجرة تعيد صياغة الخريطة العرقية لأمريكا، لكون غالبية المهاجرين الجدد من أصول لاتينية وآسيوية، وفي حين يتوقع أن تشهد البلاد تراجعاً في أعداد السكان البيض في كافة السيناريوهات، فإن أعداد المواطنين اللاتينيين سترتفع في جميع الأحوال، مما يعني أن أمريكا تسير نحو مزيد من التنوع العرقي أيا كان مستوى الهجرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك