لم تعد العلاقة بين دمشق وبيروت محكومة فقط بذاكرة الماضي، بل أصبحت أمام اختبار سياسي جديد يحاول الطرفان من خلاله الانتقال من مرحلة النفوذ والوصاية إلى مرحلة الدولة والدولة.
فبعد عقود من علاقة أثقلتها الوصاية والصراعات والقطيعة، جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت لتطرح سؤالاً أساسياً: هل نجح البلدان في وضع أسس علاقة جديدة تقوم على احترام السيادة والمصالح المشتركة، أم أن إرث العقود الماضية ما يزال قادرا على تعطيل هذا المسار؟دمشق… من منطق النفوذ إلى منطق الدولةخلال مداخلة له في حلقة أمس من برنامج" سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا، رأى الكاتب والمحلل السياسي علي التيناويأن الزيارة تؤسس لعلاقات طبيعية وندية بين سوريا ولبنان، تختلف عن طبيعة العلاقة التي كانت قائمة خلال العقود الماضية، مؤكدا أن الدولة السورية الجديدة تتعامل بمنطق المؤسسات والمصالح المشتركة، وتسعى إلى بناء أفضل العلاقات مع دول الجوار، وفي مقدمتها لبنان.
وأشار إلى أن دمشق تعمل بالتوازي على معالجة عدة ملفات، أبرزها الموقوفون السوريون في لبنان، وترسيم الحدود، والتنسيق الأمني، والتعاون الاقتصادي، لافتا إلى أن العلاقات بين البلدين لا يمكن فصلها عن الروابط الجغرافية والاجتماعية والتاريخية التي تجمع الشعبين.
وأكد أن السياسة السورية الجديدة تقوم على بناء الدولة بعيدا عن منطق الثأر أو تصفية الحسابات، مع الانفتاح على جميع القوى اللبنانية انطلاقا من مصلحة الدولتين.
فرصة تاريخية لطي صفحة الماضيمن جانبه، اعتبر الكاتب والباحث في السياسات الدولية بشارة خير الله أن سقوط النظام السابق في سوريا أوجد فرصة حقيقية لإعادة صياغة العلاقات بين دمشق وبيروت على قاعدة الاحترام المتبادل للسيادة.
وأوضح أن تشكيل اللجنة المشتركة يمثل خطوة عملية لمعالجة الملفات العالقة، بما في ذلك ضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتنظيم التعاون الاقتصادي والأمني، مؤكدا أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لا تحتاج إلى تأسيس جديد بقدر ما تحتاج إلى إعادة تفعيل، خاصة أن سوريا تشكل المنفذ البري الأساسي للبنان نحو العمق العربي.
وأضاف أن زيارة الشيباني إلى طرابلس حملت رمزية كبيرة، نظرا للدور الذي لعبته المدينة في دعم الثورة السورية، معتبرا أن الاستقبال الشعبي الواسع يعكس حجم التفاعل الشعبي مع التحولات التي شهدتها سوريا.
حزب الله.
المصلحة أولا والرهان على التطبيقبدوره، رأى الكاتب والباحث السياسي محمد قواص أن العلاقات السورية اللبنانية تبقى أكثر تعقيدا من علاقات سوريا مع بقية دول الجوار، بسبب التداخلات السياسية والتاريخية والطائفية، لكنه اعتبر أن دمشق تحاول اليوم وضع قواعد جديدة للعلاقة تقوم على مبدأ الدولة مقابل الدولة.
وأشار إلى أن انفتاح دمشق على مختلف القوى اللبنانية، وإبداء الاستعداد للحوار مع حزب الله إذا اقتضت مصلحة البلدين، يعكس تحولا في الخطاب السوري نحو مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على حماية الاستقرار وعدم الانخراط في الاستقطابات الداخلية.
وأكد أن نجاح هذا المسار يتطلب ترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية، ولا سيما في الملفات الأمنية، وتنظيم حركة العبور، ومعالجة ملف المطلوبين والفلول الموجودين في لبنان، بما يعزز الثقة بين البلدين.
بينما أجمع الضيوف على أن دمشق تحاول الفصل بين إدارة الدولة وبين إرث الحرب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق السوريين الذين تضرروا من تدخل الحزب خلال سنوات الثورة.
المقاربة السورية الجديدة.
مؤسسات لا محاورمن جهته، اعتبر رئيس تحرير صحيفة" المدن" منير الربيع خلال الحلقة أن لقاءات الشيباني مع مختلف القوى اللبنانية حملت رسالة واضحة بأن دمشق لا تريد الانحياز لأي طرف داخلي، وإنما تسعى إلى التعامل مع جميع المكونات ضمن إطار الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
وأوضح أن سوريا تركز في المرحلة الحالية على تعزيز الاستقرار باعتباره شرطا أساسيا لنجاح مشاريع التعاون الاقتصادي والاستثماري، مشيرا إلى أن دمشق تعمل بالتوازي على تطوير علاقاتها مع العراق ودول الخليج وتركيا، بما يسهم في بناء مظلة إقليمية داعمة للاستقرار.
كما رأى أن فرنسا تسعى إلى استعادة دورها في لبنان عبر بوابة العلاقات الجديدة مع سوريا، في ظل تنامي الاهتمام الدولي بدعم الاستقرار في البلدين.
الاقتصاد.
بوابة إعادة بناء العلاقةاعتبر الضيوف أن البعد الاقتصادي يمثل الركيزة الأهم لترسيخ العلاقات السورية اللبنانية في المرحلة المقبلة، مؤكدين أن نجاح التقارب السياسي سيقاس بمدى ترجمة التفاهمات إلى مشاريع عملية تخدم مصالح البلدين.
وأشاروا إلى أن تشكيل اللجنة السورية اللبنانية المشتركة يشكل خطوة أولى نحو تفعيل التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والنقل، ومعالجة العقبات التي تعيق انسياب حركة البضائع والأفراد عبر الحدود.
كما شددوا على أهمية إعادة تفعيل خطوط النقل البري، واستئناف حركة التصدير اللبنانية عبر الأراضي السورية إلى الأسواق العربية، إلى جانب بحث مشاريع الطاقة وخطوط النفط، باعتبار أن سوريا تمثل المنفذ البري الاستراتيجي للبنان نحو العمق العربي.
ورأوا أن التكامل الاقتصادي بين البلدين لا يحتاج إلى تأسيس بقدر ما يحتاج إلى إعادة إحياء وتطوير، في ظل تشابك المصالح الجغرافية والاقتصادية، مؤكدين أن الاستقرار الأمني والسياسي يبقى الشرط الأساسي لنجاح أي شراكة اقتصادية مستدامة بين دمشق وبيروت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك