بينما يتسابق صفوة المجتمع والأثرياء نحو شواطئ الساحل الشمالي الغربي بمصر للاستمتاع بالمياه الفيروزية والحياة الصاخبة، كانت الأرض تحت أقدامهم تخبئ لعقود عالماً سفلياً مرعباً ومذهلاً يعود إلى آلاف السنين.
في مفاجأة أثرية مدوية، نجحت البعثة الأثرية المصرية في منطقة «مارينا العلمين» في اختراق سراديب الموت المدفونة تحت الرمال، لتزيح الستار عن 18 مقبرة أثرية جديدة، وتوابيت صخرية مغلقة تماماً لم تُفتح منذ العصور القديمة، بجانب اكتشافات أثرية غامضة تثبت أن هذا المنتجع الساحلي الحديث كان يوماً ما مركزاً لحضارة عالمية صهرت عقائد الفراعنة بأسرار الإغريق والرومان.
أكثر ما حبس أنفاس البعثة الأثرية أثناء فتح المقابر، هو العثور على 24 قطعة ذهبية دقيقة وُضعت بعناية داخل أفواه بعض الموتى، وهي الطقوس الجنائزية الأسطورية المعروفة باسم «اللسان الذهبي».
في العقيدة الهلنستية والرومانية القديمة، كان القدماء يضعون هذه الألسنة الذهبية داخل فم المتوفى لتمكينه من التحدث والدفاع عن نفسه أمام محكمة الآلهة في العالم الآخر.
والمثير للدهشة، أن من بين هذه القطع عُثر على تميمة ذهبية صيغت بدقة على هيئة «عين حورس»، وهي الرمز الفرعوني الأكثر قوة للحماية والوقاية من الشرور.
ولم تكن المقابر المكتشفة مجرد حفر عادية، بل كشفت عن تنوع طبقي واجتماعي مثير لسكان المدينة القدامى، وجاءت تفاصيلها المعمارية لتثير ذهول الباحثين:مقابر «الهيبوجيوم» السرية: تم الكشف عن 11 مقبرة منحوتة بالكامل في الصخر الحاد على عمق يصل إلى 8 أمتار تحت الأرض، وعُثر على فتحات دفنها مغلقة بألواح حجرية صلبة لم تمسها يد بشر أو لصوص المقابر منذ آلاف السنين.
التابوت العملاق: عثرت رئيسة البعثة على تابوت ضخم مصنوع من الجرانيت الأسود بطول 2.
5 متر، ولا يزال غطاؤه الأصلي مستقراً في موضعه بشكل لا يصدق (ويخضع محتواه من البقايا العظمية للدراسة حالياً)، وبجواره بقايا تمثال لـ«أبو الهول» مصنوع من الجص.
بئر الدفن الغامض: أسفرت الحفائر عن بئر مياه قديم، تبين أن السكان أعادوا استخدامه في فترة لاحقة لأغراض الدفن، وهو دليل صارخ على استمرار التأثيرات العقائدية الفرعونية في العمارة الجنائزية.
وبدت القطع المستخرجة من قلب المقابر وكأنها لوحة فنية تدمج حضارات العالم القديم، حيث عثرت البعثة على:مذبح من الحجر الجيري لتقديم القرابين يحاكي تصميم «الباب الوهمي» الشهير في العقيدة الفرعونية (وهو بوابة عبور الروح بين عالم الأحياء والأموات).
تمثال رخامي غير مكتمل يُرجح أنه يمثل آلهة الحب والجمال الإغريقية «أفروديت».
المدامع الزجاجية: وهي أوانٍ صغيرة نادرة كان يجمع فيها أقارب المتوفى دموع الأحزان قبل دفنها معه كرمز للوفاء الأبدي.
من شواطئ صاخبة إلى «متحف مفتوح»هذا الكشف ليس مجرد إضافة للتاريخ، بل هو إعادة صياغة لهوية الساحل الشمالي بالكامل.
وتتسابق وزارة السياحة والآثار المصرية الآن مع الزمن لإنشاء مركز عالمي للزوار في المنطقة، وتجهيز مسارات للسيارات الكهربائية والمشاة، ومسرح مفتوح، تمهيداً لافتتاح الموقع بالكامل أمام الجمهور كوجهة سياحية وأثرية متكاملة تدمج سياحة اليخوت والشواطئ بعبق التاريخ المتجذر في الأرض.
وفي المرة القادمة التي تسير فيها على رمال الساحل الشمالي الناعمة، تذكر جيداً أنك قد تكون واقفاً فوق لسان ذهبي، أو تابوت ملكي مغلق ينتظر من يفك شفرته!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك