بعد ألف يوم من الحرب على غزة، منذ السابع من أكتوبر عام 2023، والتى لم تضع أوزارها بعد، شهدت القضية الفلسطينية تحولات ملحوظة فى الوعى العالمى ونتائج مختلطة على المستويين الفلسطينى والإسرائيلى.
على الرغم من أهوال الحرب التى عصفت بغزة وسكانها والكارثة الإنسانية التى ندر أن يتعايش معها أى مجتمع، أثبت الفلسطينيون فى غزة أنهم أبطال هذه الحرب وهم من كسروا هيبة إسرائيل العسكرية بصمودهم الأسطورى، وأثبتت غزة بعراقة تاريخها أنها عصية على الانكسار.
لقد أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمى بقوة غير مسبوقة منذ عقود، شهد فيها العالم نحو 48 ألف مظاهرة مؤيدة لفلسطين، تشكل 15% من إجمالى المظاهرات العالمية، كانت الأكبر والأكثر استدامة فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، خاصة فى الجامعات العريقة والمهمة مثل جامعة كولومبيا، هارفارد، وغيرهما، ومع استمرار القصف والتدمير والقتل الوحشى، خاصة للأطفال والنساء، زادت المظاهرات وتوسعت بنسبة 43% فى بعض الفترات، وشملت ملايين المشاركين.
ارتفع عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى حوالى 156-157 دولة من أصل 193 فى الأمم المتحدة بحلول سبتمبر 2025، وشمل ذلك دولاً غربية مهمة مثل فرنسا، بريطانيا، كندا، أستراليا، وغيرها فى خطوة وُصفت بـ«التحول التاريخى» مرتبطة مباشرة بالوضع الإنسانى فى غزة.
فى الولايات المتحدة (أقوى حلفاء إسرائيل) انخفضت الموافقة على العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى 32% (أدنى مستوى) وزاد التعاطف مع الفلسطينيين (41% مقابل 36% مع إسرائيل فى بعض استطلاعات غالوب)، كما زاد الدعم والتأييد بين الشباب والديمقراطيين، فقد ساهم نقل الصور والشهادات المباشرة من غزة رغم رفض إسرائيل دخول وسائل الإعلام العالمية بشكل قاطع لتغطية الحرب على غزة، ومع ذلك وصلت الصورة وأبرزت المعاناة كما هى دون تلاعب لتظهر وحشية جيش الاحتلال الإسرائيلى فى أكبر عملية تطهير عرقى ضد الشعب الفلسطينى، مما عزز التضامن العالمى وأبرز الجانب الإنسانى، مع كل محاولات الحصار والرقابة التى فرضتها إسرائيل، هذا الإحياء جعل القضية الفلسطينية قضية «عالمية»، مرتبطة بالعدالة والحقوق الإنسانية، وأعاق بعض المشاريع الإقليمية (مثل التطبيع مع السعودية).
فى المقابل، ورغم الثمن الفادح الذى دفعه الفلسطينيون من أرواحهم وحياتهم، فإن السردية الإسرائيلية التقليدية التى طالما اعتمدت على الحرب على الإرهاب فقدت مصداقيتها، بل زاد التشكيك فى الرواية الرسمية الإسرائيلية بسبب حجم الدمار الذى لحق بالقطاع (090% من غزة مدمرة) والخسائر المدنية كبيرة (حوالى 73 ألف شهيد) وتفاقم الأزمة الإنسانية والتقارير الأممية والمؤسسات الحقوقية والإنسانية التى تؤكد ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية، كل ذلك أثر على الخطاب الإسرائيلى ولم يعد أحد يصدقه.
لقد واجهت إسرائيل صعوبة شديدة فى السيطرة على السرد، رغم الجهود الضخمة فى الدعاية الإسرائيلية (ملايين الدولارات فى الحملات الرقمية)، وذلك بسبب الصور المباشرة والحية من قلب المعاناة وتوثيق الشهود، فأصبحت الرواية أقل إقناعاً، خاصة لدى الشباب واليسار الغربى، مع اتهامات بالدعاية والتضليل، كل المحاولات الإسرائيلية لاستقطاب التعاطف الجماهيرى فشلت، رغم استمرار الدعم الرسمى القوى لإسرائيل، خاصة من الولايات المتحدة والحكومات الغربية، رغم الانتقادات والإدانات.
أما الرأى العام فى إسرائيل نفسها فقد ظل متمسكاً بأهداف الحرب إلى حد كبير والتى لم تتحقق حتى الآن، مع انقسامات داخلية.
ألف يوم من الحرب، عاش الفلسطينيون ولا يزالون أقسى ظروف إنسانية ومعيشية يمكن أن يواجهها بشر، لكنهم لا يزالون صابرين مرابطين لديهم الأمل، يتسلحون بالعزيمة، يرفضون التهجير، يتحملون الويلات من قتل ونزوح وتجويع دون تردد.
بلا شك حصدت الحرب نجاحاً نسبياً فى إحياء القضية الفلسطينية وأخرجتها من سباتها، وتعزيز التضامن الشعبى العالمى، ودحض جزئى للسردية الإسرائيلية عبر الإعلام الجديد الذى بدأ يخرج من عباءة الإعلام التقليدى الذى يحاول جاهداً تجميل الصورة وغسل السمعة الإسرائيلية، لكن يصطدم ذلك بالوعى العالمى الذى بدا يتغير ويتشكل من جديد، غير أن الترجمة إلى تغيير سياسى جذرى (مثل النظر بعين الاعتبار إلى دولة فلسطينية حقيقية) ما زالت تواجه عقبات كبيرة، ورغم أن القضية الفلسطينية أصبحت أكثر حضوراً، والثمن الإنسانى كان باهظاً جداً، لكن الطريق نحو حل سياسى مستدام لا يزال طويلاً ومعقداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك