توالت على مصر أحداث جسام طيلة تاريخها الطويل، لا سيما فى القرون الطوال التى أعقبت الفتح العربى لمصر، أمويون وعباسيون وعثمانيون ذهبت سيرتهم وانقضت أيامهم وصارت جزءاً من تاريخ يروى ويدرسه الباحثون.
أما الدولة الفاطمية فلها وضع خاص فى الذاكرة المصرية، فتاريخ الفاطميين ما زال حياً بيننا، والسبب فى ذلك أنهم صبغوا حياتنا الاجتماعية بألوان من البهجة ما زلنا نحتفظ بكثير من مظاهرها، لا سيما فى الاحتفالات المرتبطة بشهر رمضان والمولد النبوى وغيرها.
حكمت الدولة الفاطمية مصر فى زمن الدولة العباسية فى بغداد ودولة الأندلس فى قرطبة، واتسم عهد الفاطميين بقدر كبير من الاستقرار والازدهار، واشتهر خلفاء هذا العصر بالأبهة والعيش الرغيد، ويروى لنا العلامة زكى محمد حسن الكثير عن ملامح هذا العهد فى كتابه الماتع «الكنوز الفاطمية».
من بين خلفاء الدولة الفاطمية يبرز اسم واحد فقط بقوة فى الذاكرة الشعبية، ليس بسبب إنجاز سياسى أو عسكرى خلّده، بل بسبب غرابة السيرة التى لازمته طوال حكمه: الحاكم بأمر الله.
وربما هذا فى حد ذاته درس بليغ: أن التاريخ أحياناً يتذكر الغريب والصادم أكثر مما يتذكر غيره!تولى الحاكم الخلافة وهو فى السادسة عشرة من عمره، وقد ورث عن أبيه العزيز بالله دولة شاسعة تضم مصر وأجزاء من الشام والحجاز.
ولحداثة سنه، وُضع تحت وصاية مدبّر الدولة «برجوان»، الذى حمل لقب «الأستاذ».
وحاول برجوان الاستئثار بالسلطة وتهميش الخليفة الصغير، غير أن شقيقته الكبرى، ست الملك، كانت العقل المدبّر خلف الكواليس، وهى التى دفعته إلى التخلص من وصيّه، فقتله الحاكم بعد تردد، واستبد بالحكم منفرداً.
لكن ما إن استقل الحاكم بالسلطة، حتى تحوّل عهده إلى واحد من أكثر الفصول دموية فى تاريخ الفاطميين.
فقد أعدم عالماً بسبب خطأ نحوى، وشكّك فى محدّثين فقتلهم، وألقى بجوارٍ من قصره أحياء فى نهر النيل.
كما أصدر قرارات غريبة، من بينها حظر التحدث باللغة القبطية، وتحريم أكل الملوخية، إضافة إلى تخصيص مساحة واسعة فى جبل المقطم لتكون مقبرة جماعية لمن يخالفه الرأى.
وبلغ به الأمر أن ادّعى الألوهية.
يميل بعض الباحثين إلى تفسير هذا السلوك بأنه أعراض متقدمة لاضطراب الوسواس القهرى، الذى دفعه إلى الشك فى كل من حوله، حتى وصل الشك إلى أخته ست الملك نفسها.
وحين واجهها الحاكم علانية بشكوكه، هنا قررت ست الملك أن التخلص من أخيها الخليفة الحاكم صار ضرورة لحماية حياتها وتصحيح المسار، وإنقاذ البلاد من الهاوية التى تنزلق إليها سريعاً.
كان للحاكم طقس ليلى ثابت: يخرج من أسوار القاهرة راكباً حماره برفقة مكارٍ، متجهاً إلى جبل المقطم، حيث يقضى الليل يراقب النجوم، بينما تُغلق أبواب المدينة فى انتظار عودته صباحاً.
استدعت ست الملك الحسن بن دواس، أحد الرجال الأقوياء، وكلّفته بتنفيذ المهمة.
ولم يكن أمام ابن دواس خيارٌ سوى القبول، فاتفق مع رجلين آخرين تربصا بالحاكم فى خلوته بالمقطم، وقتلاه مع حماره والمكارى الذى يرافقه.
ظلت المدينة مغلقة ثلاثة أيام كاملة، والناس يتزاحمون على أبوابها فى انتظار عودة خليفة لن يعود، إلى أن أمرت ست الملك بفتح الأبواب فى اليوم الثالث، لتُطوى صفحة الحاكم إلى الأبد.
بعد سبعة أيام من اختفائه، توّجت ست الملك ابن أخيها الشاب «الظاهر لإعزاز دين الله» خليفة خلفاً لأبيه الحاكم، وبدأت مرحلة من المصالحة مع المجتمع، فسمحت بخروج النساء بعدما كان الحاكم قد منعهن لسبع سنوات، وأعادت حرية العبادة للأقباط واليهود بعد اضطهاد بلغ ذروته فى عهده، وعقدت صلحاً مع الدولة البيزنطية لتأمين حدود الدولة.
توفيت ست الملك لاحقاً فى عهد الظاهر، بعدما لعبت دوراً محورياً فى نقل السلطة مرتين: مرة لأخيها، ومرة لابنه من بعده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك