لا تبدو الـ 1000 يوم في حالة غزة مجرد رقم يُضاف إلى تقويم حرب الإبادة، إنها اختبار طويل لذاكرة العالم ولقدرة الرأي العام على الاحتفاظ بإنسانيته أمام مأساة ممتدة ولمنظومة إعلامية تعيش على إيقاع الحدث الجديد أكثر مما تعيش على استيعاب المآسي التي لا تنتهي، فالإبادة الجماعية لا تصبح أقل فداحة مع مرور الزمن لكن استمرارها يفرض تحديا من نوع آخر: كيف تتحول الجريمة تدريجيا من صدمة عالمية إلى مشهد مألوف؟هذه هي المفارقة التي تكشفها ألفة الحرب؛ ففي الأيام الأولى كانت صور الدمار والقتل والنزوح تتصدر نشرات الأخبار وتفرض نفسها على أجندة الإعلام العالمي وتحرّك موجات تضامن واسعة في الشوارع والجامعات والمنصات الرقمية، أما اليوم وبعد ألف يوم فإن المأساة لم تتراجع بل إن كثيرا من المؤشرات الإنسانية ازدادت قسوة، لكن حجم الانتباه العالمي لم يعد على المستوى نفسه ليس لأن الواقع تغير بل لأن آليات الاهتمام في العصر الرقمي تغيرت.
لقد أعادت المنصات الاجتماعية صياغة العلاقة بين الجمهور والأزمات، فمن جهة منحت القضايا الإنسانية قدرة غير مسبوقة على تجاوز احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية وسمحت للضحايا والصحفيين والناشطين بإنتاج روايتهم الخاصة وتوثيق الوقائع لحظة بلحظة، ومن جهة أخرى؛ أخضعت هذه القضايا لمنطق" اقتصاد الانتباه" حيث تتنافس الأحداث على وقت المستخدم وتصبح الخوارزميات شريكا في تحديد ما يبقى حاضرا في الوعي وما يتراجع إلى الهامش.
وفي هذا الإطار، برزت الرواية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة بوصفها فاعلا مؤثرا في تشكيل الوعي العالمي، بعدما تجاوزت حدود الطرح السياسي التقليدي لتتموضع ضمن خطاب حقوقي وأخلاقي أوسع، إذ لم يعد الحديث يدور حول صراع جغرافي أو توازنات قوى فحسب بل حول انتهاكات تمس جوهر الكرامة الإنسانية، وقد لعبت المواد البصرية والشهادات الحية القادمة من الميدان دورا حاسماً في ترسيخ هذا التحول إذ أسهمت في بناء سردية إنسانية متماسكة وجدت صدى ً واسعاً لا سيما لدى الأجيال الناشئة التي تعتمد على المنصات الرقمية كمصدر أساسي للمعلومات والأخبار.
لكن ترسيخ هذه السردية لا يكفل بالضرورة استدامة تأثيرها، فطبيعة الفضاء الرقمي تقوم على التدفق المستمر للمحتوى حيث تتزاحم القضايا وتتبدل الأولويات بوتيرة متسارعة، ومع هذا الإيقاع المتلاحق تتراجع قدرة الجمهور على التفاعل العاطفي مع المأساة ذاتها في ظاهرة يصفها الباحثون بـ" إرهاق التعاطف"، حيث يؤدي التكرار وكثافة الصور إلى نوع من التبلد التدريجي لتفقد الأحداث قدرتها على إثارة الصدمة التي كانت في البداية محركا رئيسيا للاهتمام العالمي.
ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في تراجع التغطية الإعلامية بل في تطبيع المأساة، فعندما تصبح أخبار القصف والمجاعة والنزوح والعيش في الخيام وانهيار المنظومة الصحية والتعليمية جزءا من النشرة اليومية المعتادة يتحول الاستثناء إلى واقع مألوف وتفقد الجريمة شيئا من قدرتها على إحداث الصدمة رغم استمرارها، وهنا لا يعود السؤال: ماذا يحدث في غزة، بل يصبح: لماذا لم يعد ما يحدث في غزة يهزّ العالم كما كان في السابق؟ومع ذلك فإن قراءة المشهد من زاوية التراجع وحدها ستكون قاصرة، فالملف الذي راكمته الحرب خلال ألف يوم لم يعد مجرد أرشيف إخباري بل أصبح ذاكرة رقمية عالمية يصعب محوها، ملايين الصور والشهادات والمقاطع والوثائق التي أنتجها الصحفيون والناشطون والناجون والمؤسسات الحقوقية تشكل اليوم سجلا مفتوحا يتجاوز حدود اللحظة السياسية، ويمكن أن يصبح بمرور الزمن جزءا من الذاكرة الجماعية التي تستند إليها مساءلات قانونية وأخلاقية وتاريخية، ففي العصر الرقمي لا تموت الوقائع بانتهاء دورة الأخبار بل تبقى قابلة للاستدعاء وإعادة التداول كلما عادت القضية إلى واجهة الاهتمام.
لكن هذا الرصيد لا يتحول تلقائيا إلى تأثير سياسي أو قانوني، فالسرديات مهما بلغت قوتها تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارتها وإلى استراتيجيات إعلامية تستثمرها وإلى دبلوماسية رقمية تدرك أن معركة القرن الـ21 لا تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضا بالصورة والبيانات واللغة والقدرة على الحفاظ على حضور القضية داخل المجال العام العالمي حتى في لحظات تراجع الاهتمام.
بعد 1000 يوم تبدو القضية الفلسطينية أمام مفترق مهم، فقد نجحت في فرض حضورها داخل الوعي العالمي أكثر مما كان عليه الحال في مراحل سابقة، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحدي الحفاظ على هذا الحضور في عالم يستهلك المآسي بسرعة ويبحث دائما عن الحدث التالي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك