كيف تآمرت بريطانيا مع شاه إيران ضد الحاكم العربي الشيخ خزعل الكعبي؟ إقليم الأحواز العربي مصدر الثروات الإيرانية وينتج 80% من صادرات النفط كيف يمكن للدول العربية التحرك عالميا لدعم المطالب المشروعة لعرب الأحواز؟تظل قضية إمارة عربستان أو إقليم الأحواز العربي الذي تحتله إيران منذ عام 1925 نموذجا لما ارتكبته المؤامرات الاستعمارية البريطانية من جرائم في حق العرب، فاذا كانت قضية فلسطين هي الشاهد الأبرز على الظلم التاريخي الذي تعرض له شعب فلسطين بفعل المؤامرات الاستعمارية البريطانية، فإن قضية عربستان هي نموذج آخر للتآمر الاستعماري الذي قادته بريطانيا لإضعاف العرب واخضاعهم لقوى معادية لهم.
ولقد حان الوقت لإعادة تسليط الضوء على معاناة الشعب العربي في الاحواز، وما تعرض له من ظلم واضطهاد على مدى أكثر من مائة عام باتجاه إنصافه ودعم تطلعاته المشروعة، وخاصة في ضوء التوجهات العدوانية الإيرانية تجاه منطقة الخليج كما ظهرت خلال الحرب الأخيرة في المنطقة.
عروبة الأحواز.
تاريخ عريق ممتدإن إمارة «عربستان» التي تعرف أيضاً باسم إقليم «الأحواز» أو «الأهواز»، أُطلق عليه اسم «عربستان» (بمعنى «بلاد العرب» باللغة الفارسية) في فترات تاريخية مختلفة، وذلك لكونها منطقة ذات غالبية سكانية عربية، وقد أطلق عليها العرب أيضا اسم «إمارة المحمرة».
وهي تقع في جنوب غرب إيران، وقام الشاه رضا بهلوي بتسمية الإقليم بـ«خوزستان» في محاولة لطمس هويته العربية وإعطائه طابعا فارسيا، وامتد ذلك الى تغيير أسماء المدن والقرى بأسماء فارسية.
ويذكر بعض المتابعين لأوضاع الاحواز انه تم تغيير أكثر من 200 اسم مدينة وبلدة وقرية الى الأسماء الفارسية في الإقليم في عهدي الشاه وحكم الملالي.
وتمتد عربستان من أقصى شمال الخليج العربي على طول ضفته الشرقية.
وتاريخيا تم الفتح الإسلامي للإقليم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وأصبح جزءاً من الدولة الإسلامية، وسكنته قبائل عربية من الجزيرة العربية.
وتشمل الأحواز الأراضي السهلة الممتدة بين مرتفعات جبال اللور في الشرق، والخليج العربي في الجنوب وأطراف نهر دجلة في الغرب.
وتبلغ مساحة أرض الأحواز العربية، أي الساحل الشرقي والشمالي للخليج العربي، قرابة 370 ألف كيلو متر مربع (ما يعادل مساحة اليابان تقريبا).
وقد مرت الأحواز عبر تاريخها الطويل بحكم مستقل لعدد من الإمارات العربية، حظيت باعتراف كل من الدولة الصفوية والخلافة العثمانية، كما أقرت به بريطانيا التي كانت ذات نفوذ كبير في منطقة الخليج في مطلع القرن العشرين، واستمر هذا الاستقلال حتى عام 1925.
فقد حافظت إمارة المحمرة (عربستان) على عروبتها قرونا قبل الاحتلال الفارسي، إذ تناوب على حكمها ثلاث عائلات عربية، المشعشعون، البوناصر، البوكاسب من قبيلة بني كعب المعروفة في الأحواز والجزيرة العربية، وتنقلت في الإقليم من مدينة الحويزة إلى مدينة الدورق (الفلاحية حاليًّا)، إلى مدينة المحمرة تباعًا حتى يوم احتلالها.
وبقيت الإمارة العربية محافظة على استقلالها السياسي وعروبتها لقرون طويلة بعد سلسلة غزوات فارسية متكررة.
ويتحدث معظم سكان الإقليم اللغة العربية بلهجة أحوازية قريبة من اللهجة العراقية.
وقد أطلق الفرس أنفسهم اسم «عربستان» على الأحواز منذ عهد الشاه إسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية (1501م - 1736) اعترافا منهم بأن أرض الأحواز أرض عربية وأن شعبها شعب عربي.
تتمثل «مشكلة عربستان» منذ أكثر من مائة عام في أزمة سياسية وتاريخية معقدة تتمحور حول مطالب السكان العرب بالاعتراف بحقوقهم القومية والاقتصادية والثقافية في ظل سياسات التهميش ومحاولات طمس الهوية العربية عبر فرض سياسات «التفريس» أي فرض الطابع الفارسي، وذلك منذ احتلال الإمارة العربية وضمها إلى إيران عام 1925.
ورغم تمتع الإقليم بثروات ضخمة، إذ يعد أغنى المناطق بالنفط والغاز في ايران، بالإضافة إلى الأراضي الزراعية الخصبة، لكن السكان العرب الأصليين يعانون من معدلات فقر وبطالة مرتفعة، فضلا عن أزمات بيئية حادة كتلوث الهواء وشح المياه بسبب سياسات تحويل مجاري الأنهار التي تفرضا سلطات طهران في ظل سياسات التمييز التي أصبحت نهجا ثابتا ممتدا من عهد الشاه الى عهد نظام حكم الملالي.
التآمر البريطاني والاحتلال الإيرانيلعبت بريطانيا دوراً حاسماً في أزمة اعتقال الشيخ خزعل الكعبي الذي كان الحاكم العربي لعربستان وإسقاط إمارته في مطلع القرن العشرين، حيث تحولت من حليفة وضامنة لاستقلاله الذاتي إلى شريك في الإيقاع به وتسليمه للسلطات الإيرانية، حيث تخلت عن تحالفها معه ومكّنت قوات رضا شاه بهلوي من السيطرة على المنطقة في أبريل عام 1925م.
فقد كانت بريطانيا تعتبر إمارة عربستان منطقة نفوذ حيوي ومصدراً أساسياً للنفط (عبر شركة النفط الأنجلو -إيرانية) التي كانت تستخرج النفط من إقليم الأحواز بموجب اتفاقات مع الشيخ خزعل الكعبي.
وما حدث من جانب المستعمر البريطاني مع الحاكم العربي لإمارة عربستان خزعل الكعبي، جاء في إطار السياسة الاستعمارية لخداع الحليف العربي وخيانته في نهاية المطاف من خلال الانقلاب البريطاني على الوعود والعهود والاتفاقيات، وهو ما يعكس مبدأ ثابتا في التوجهات الاستعمارية الغربية التي أرستها بريطانيا وهو عدم تمكين العرب والعمل باستمرار على إضعافهم وتقسيمهم ومنع توحدهم.
فما قامت به بريطانيا تجاه الحاكم العربي خزعل الكعبي هو سيناريو شبيه او متكرر مما حدث مع حاكم الحجاز في الجزيرة العربية الشريف الحسين بن علي، فالسيناريو متشابه ويتمثل في إغداق الوعود البريطانية بالحماية والمساعدة والتمكين ثم الانقلاب تماما على كل ذلك.
لقد وعدت بريطانيا الشريف حسين بدعمة لإقامة دولة عربية موحدة تكون نواتها الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق في مقابل الثورة والتمرد على دولة الخلافة العثمانية، خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) في إطار ما عرف تاريخيا باسم الثورة العربية الكبرى.
وفي ذات الوقت كانت بريطانيا تبرم سرا اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 اثناء الحرب لاقتسام البلاد العربية، وخاصة في المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا بعد إخراج الدولة العثمانية من هناك، ثم تنكرت لكل الوعود للشريف حسين وبددت أحلام قيام دولة عربية موحدة وبالمقابل أعلنت بريطانيا وعد بلفور عام 1917 تمهيدا لتمكين الحركة الصهيونية من الاستيلاء على فلسطين، وهي المؤامرة الاستعمارية الكبرى التي مازال العرب يعانون منها حتى الوقت الراهن وجعلت المنطقة العربية ساحة للحروب والصراعات المتواصلة حتى لا تقوم للعرب قائمة ويتم استنزافهم باستمرار عبر الحروب العدوانية الصهيونية المدعومة من الغرب الاستعماري وخاصة من بريطانيا والولايات المتحدة.
إن ما حدث مع الحاكم العربي خزعل الكعبي هو فصل آخر من فصول الخداع والتآمر البريطاني ضد العرب رغم آن آل الكعبي كانوا حلفاء لبريطانيا وأعطوهم امتيازات هائلة في استغلال الثروة النفطية في بدايات اكتشافه في مطلع القرن العشرين.
إذ منح الشيخ خزعل شركة النفط الأنجلو - إيرانية امتيازات واسعة النطاق للتنقيب عن النفط واستخراجه في أراضيه الغنية بالموارد والثروات.
أبرزها امتياز التنقيب عن النفط الممنوح عام 1909 لشركة النفط الأنجلو -إيرانية، وإنشاء «مصفاة عبادان» عام 1912.
وكان إنشاء «مصفاة عبادان» عام 1912 ركيزة أساسية لاقتصاد الإمبراطورية البريطانية، وذلك بإشراف مباشر من الممثل البريطاني بيرسي كوكس.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أعلن خزعل وقوفه الصريح مع بريطانيا ضد الحكم العثماني، وسهل تقدم القوات البريطانية في جنوب العراق، وأمّن خطوط الإمداد.
في المقابل، حصل خزعل على وعود بريطانية بحماية استقلال إمارته والاعتراف بسلطته، إضافة إلى إبرام معاهدات وتجديد امتيازات موقعة بين الطرفين.
ويمكن تفسير ما وراء التآمر والانقلاب البريطاني على حليفهم العربي الشيخ خزعل الكعبي في عربستان في إطار الرؤية البريطانية لحماية مصالحها الاستعمارية في إيران بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وشمل ذلك إعادة ترتيب الأوضاع داخل إيران بحيث تظل تابعة لبريطانيا والغرب الاستعماري.
وأدت تلك الرؤية إلى العمل لإسقاط حكم الأسرة القاجارية التي حكمت إيران في الفترة بين عام 1789 حتى عام 1925 والإتيان بالجنرال الاستبدادي رضا خان بهلوي للسيطرة على الحكم في إيران عبر انقلاب عسكري.
وقد تم تنفيذ هذا الانقلاب بدعم وتخطيط كاملين من بريطانيا التي كانت تسعى لتأمين مصالحها وإيجاد شخصية قوية قادرة في طهران على منع التمدد السوفيتي.
وأعقب ذلك تمكين الشاه رضا بهلوي من الثروة النفطية في الاحواز لتعزيز قبضته على الحكم في إيران والتخلص من الحاكم العربي للأحواز.
ومن أجل ذلك، لجأ الفرس بالاتفاق مع الإنجليز إلى الخديعة والتآمر من خلال الادعاء ببذل جهود للوساطة بين شاه إيران والحاكم خزعل الكعبي لحل الخلافات بينهما، فتم استدعاء الإنجليز للشيخ خزعل الكعبي إلى ظهر يخت بريطاني في شط العرب بالقرب من مدينة المحمرة العاصمة لتناول العشاء والزعم بترتيب إقامة مراسم تجديد توقيع اتفاقية الاعتراف الفارسي والبريطاني باستقلالية الإمارة العربية.
وقد تردد الشيخ خزعل في الذهاب إلى تلك السفينة وشك في تلك النوايا المخادعة، واشتم رائحة الغدر والوقيعة، لكن مندوب الشاه رضا خان والقنصل البريطاني أقنعا الشيخ بالقدوم إلى حفل التوقيع لإنهاء الصراع بين البلدين.
وبمجرد صعود الشيخ خزعل إلى ظهر اليخت، تنحت القوات البريطانية جانباً وأخلت بتعهداتها السابقة بحماية الإمارة، تاركةً الشيخ الكعبي فريسة سهلة للقوات الإيرانية، وهو ما مكن القوات الإيرانية (بقيادة الجنرال فضل اللّه زاهدي) من السيطرة عليه واعتقاله مباشرة على متن السفينة، واقتادته أسيراً إلى طهران وتم وُضعه تحت الإقامة الجبرية (حيث تم لاحقاً قتله خنقاً عام 1936م، كما تشير الى ذلك اغلب الروايات التاريخية)، وقامت قوات الشاه رضا بهلوي باحتلال الأحواز تماما وضمها رسمياً إلى إيران عام 1925.
محنة العرب في العهدين البهلوي والثوريإن ما حدث للسكان العرب في إقليم الاحواز او عربستان بعد نجاح المؤامرة الاستعمارية البريطانية البهلوية في إنهاء استقلال حكم الامارة العربية هناك، هو تجربة معاناة طويلة من القمع والتمييز والاضطهاد والعنف ممتدة حتى الوقت الراهن.
وقد ساعد الاحتضان الغربي لنظام الشاه الذي كانوا يعتبرونه حليفا قويا لهم على تجاهل أي تظاهرات أو مطالب للسكان العرب لرفع القهر والظلم عنهم، كما أدى انشغال البلدان العربية بقضايا التخلص من الاستعمار الغربي وإرساء قواعد الدولة الوطنية بعد الاستقلال، إلى غياب قضية عربستان عن أجندة الأولويات العربية.
يضاف الى ذلك اتجاه الدول العربية الى احترام مبادئ القانون الدولي وإقرار مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ليكون ذلك أساسا لبناء العلاقات مع الدول الأخرى، وان يكون ذلك الأساس الذي تقوم عليه العلاقات مع إيران الشاه وخاصة في منطقة الخليج العربي.
ان هذه المبادئ بالإضافة الى الاعتراف بحدود الدول كما تم إقرارها في اعقاب الحقبة الاستعمارية، كانت الأسس التي حكمت توجهات الدول العربية في التعامل مع إيران في أعقاب انتهاء الحقبة الاستعمارية.
ان هذه الأوضاع والحسابات الإقليمية والدولية أدت الى تهميش قضية عرب الأحواز وتجاهلها عقودا متوالية سياسيا وإعلاميا، حتى أصبحت قضية داخلية إيرانية وجزءا من المعاناة والاضطهاد الذي تتعرض له الشعوب غير الفارسية في ظل الحكم القمعي المركزي في طهران، والذي يمارس اضطهادا وتمييزا عرقيا وثقافيا ومذهبيا ضد أبناء الشعوب التي تنطوي تحت سطوة الحكم الفارسي.
إذ يمتد هذا القمع ليشمل الهويات الأخرى ذات الكثافة السكانية الكبيرة مثل العرقيات الكردية والآذرية والتركمانية والبلوشية وغيرها.
ورغم سقوط نظام الشاه القمعي عام 1979 مع انتصار الثورة الإسلامية بزعامة الامام الخميني، والتي بشرت الشعب الإيراني بعهد من الحريات وإنهاء الاستبداد وإقامة العدل واحترام حقوق الإنسان وفق مبادئ الإسلام الحنيف، الا ان الصدمة كانت كبيرة لكل الشعوب غير الفارسية التي انخدعت بشعارات الخميني الإسلامية لتكتشف سريعا أن دوامة الظلم والاضطهاد تواصل فصولها الدامية والمحزنة في عهد الثورة الإسلامية، وعبر أدوات وأجهزة ومؤسسات أمنية واستخباراتية أكثر تمييزا وعسفا وعنفا، وان كل ما حدث هو انه تم استبدال جهاز «السافاك» المخابراتي القمعي الدموي في عهد الشاه، بأجهزة قمعية أخرى تضم الأجهزة الأمنية والاستخبارات ومؤسسات قمعية تم استحداثها مثل الحرس الثوري وقوات التعبئة او مليشيات القمع الداخلي لأي تظاهرات أو احتجاجات ضد نظام الملالي وهي المسماة بقوات «الباسيج».
لقد تضمنت ممارسات التمييز والاضطهاد ضد السكان العرب التضييق عليهم في مصادر أرزاقهم ومنعهم من العمل في المؤسسات النفطية في الاحواز، أي حرمانهم من الاستفادة من الثروة النفطية التي تزخر بها أراضيهم، حيث يشكل نفط الاحواز 80% من الثروة النفطية في ايران، وكانت التعليمات منذ عهد الشاة هي عدم توظيف أكثر من نسبة 5% من عرب الاحواز للعمل في المؤسسات النفطية، وهو ما يشكل قمة الظلم الاجتماعي والإنساني وذروة التمييز العرقي ضد العرب.
يضاف الى ذلك اقدام السلطات الإيرانية على قطع المياه عن مزارع السكان العرب، وتنفيذ خطة إجرامية بتحويل مجرى انهار إقليم الاحواز العربي الى مناطق بعيدة، فضلا عن الاستيلاء على الأراضي الخصبة للعرب وتوزيعها على المستوطنين الفرس الذين تم جلبهم الى الاحواز، والذين أسكنتهم السلطات الإيرانية في مستعمرات أنشأتها لهم ووفرت لهم كل الإمكانات لتيسير سبل عيشهم على حساب أبناء الأحواز العربية، وذلك في إطار مخطط استيطاني بدأ منذ عهد الشاه يهدف إلى تغيير التركيبة السكانية في الاحواز لتقليص الغالبية السكانية العربية في الإقليم.
سياسة طمس الهوية العربية للأحوازلقد كان ذلك جزءا مما أطلق عليه سياسة التفريس التي نفذها شاه إيران وشملت منع ارتداء الزي العربي وتحريم لباسه، ما أثار غضبا عارما في صفوف العرب وأدى الى حركة احتجاجات واسعة من جانب العشائر العربية كان أبرزها في مدينة الحويزة.
ولجأ الشاه أيضا إلى إبعاد الكثير من العرب إلى شمال إيران.
وقد أشار رئيس الوزراء الإيراني الأسبق أسد اللّ؟ ه علم في مذكراته الى ان الشاه محمد رضا بهلوي قد أصدر إليه تعليمات بالإسراع في تنفيذ مخطط شامل لتغيير الهوية العربية وتغيير التركيبة السكانية لإقليم الاحواز وتكريس الطابع الفارسي في كل المناحي الثقافية والحضرية والمعالم التاريخية، وذلك بعد ان نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية مقالا موسعا أشارت فيه إلى الهوية العربية التاريخية للأحواز، وأثار ذلك استياءه وغضبه، وهذا يعني الشروع في تنفيذ مخطط «تطهير عرقي» لإجلاء السكان العرب الأصليين من ديارهم وارض أجدادهم، وإحلال عرقيات وقوميات أخرى مكانهم في طليعتهم الفرس.
حدث هذا، رغم ان المؤرخين المنصفين بمن فيهم مؤرخون بارزون من الغرب يعترفون بالهوية العربية الواضحة لعربستان ومنهم المؤرخ البريطاني السير أرنولد تالبوت ويلسون (1884-1940) الذي شغل أيضا منصب الحاكم المدني للعراق في بغداد (1918-1920) في كتابه: «الخليج العربي» إذ يصف عربستان بأنها تختلف عن إيران مثل اختلاف ألمانيا عن إسبانيا.
وعود الخميني وخيبة أمل عربيةمن جانب آخر، وخلال احتجاجات الثورة الشعبية ضد الحكم الاستبدادي للشاه، شارك العرب بكثافة في الاعتصامات والتظاهرات وقدموا ضحايا في سبيل الحرية بعد أن تلقوا وعودا من فريق الإمام الخميني بانه سوف يتم الاستجابة لمطالبهم ووضع حد للمظالم التي تعرضوا لها في عهد الشاه.
وبعد نجاح الثورة ذهب ممثلون لعرب الأحواز إلى طهران وعرضوا مطالبهم القومية على الحكومة الجديدة التي شكلها الخميني وتلقوا وعودا بالتجاوب معها، ثم قابلوا الامام الخميني للتهنئة بنجاح الثورة، ويروي من شاركوا في الاجتماع انه عندما بدأ أعضاء الوفد التحدث باللغة العربية ابدى الخميني تبرمه وضيقه وأجابهم بالفارسية وقال لهم: «إنكم إيرانيون ولا يحق لكم التكلم بلغة أخرى»، وطلب مترجمًا رغم معرفته المؤكدة باللغة العربية كرجل دين.
إن ما حدث بعد ذلك كان صدمة كبرى، إذ سارع الخميني الى تعيين حاكم جديد للإقليم ممثل للثورة هو الحاكم العسكري الفارسي الجنرال أحمد مدني الذي بدأ في تنفيذ سياسات قمعية لإجهاض الحراك السياسي والثقافي السلمي للعرب على نحو ربما فاق جرائم السافاك في عهد الشاه.
وارتكب هذا الجنرال مذبحة رهيبة في مدينة المحمرة في 30 مايو عام 1979، أطلق عليها اسم (مجزرة الأربعاء الأسود)، حيث هاجمت القوات الإيرانية بتعليمات من الخميني مدينة المحمرة بحراً وبراً وجواً، ما أسفر عن استشهاد مئات المدنيين العُزل، واعتقال وإعدام الآلاف، وتدمير أجزاء واسعة من المدينة التي كانت قاعدة الحراك السلمي للعرب للمطالبة بحقوقهم القومية والثقافية والسياسية بعد سقوط نظام الشاه.
وخلال أكثر من 40 عاما من حكم نظام الملالي في إيران لم تتغير السياسات التعسفية والتمييزية تجاه عرب الاحواز، الامر الذي ادى إلى اندلاع عدة انتفاضات من عرب الاحواز ضد المظالم الواقعة بحقهم، كما شارك عرب الاحواز في معظم الانتفاضات الشعبية التي تحركت للمطالبة بالإصلاحات السياسية والاجتماعية والثقافية او التي طالبت بتغيير وإسقاط نظام الملالي بعد فشل سياساته وانهيار الاقتصاد الإيراني.
وقد كشفت هذه المواجهات الدامية عن النوايا والتوجهات القمعية لنظام الملالي تجاه عرب الأحواز، وان نظام الثورة لن يكون أقل بطشا من نظام الشاه، وان على العرب أن يخوضوا مسارا نضاليا طويلا من جديد ضد القمع والتمييز الفارسي الذي يمارسه الحكم المركزي في طهران.
غير ان عرب الاحواز كانت لهم تجربة خاصة بهم عندما أشعلوا ما أطلق عليه تسمية «انتفاضة العطش» التي انطلقت في 15 يوليو 2021 وشهدت سلسلة من المظاهرات الشعبية في إقليم عربستان، احتجاجاً على التعطيش الممنهج وسياسات تجفيف الأنهار وخاصة تحويل مياه نهر «كارون».
وهي الانتفاضة التي نجمت عن أزمة جفاف حادة طالت نحو 700 قرية و25 مدينة في عربستان بسبب قيام السلطات الإيرانية بتحويل مجاري الأنهار ومشاريع السدود، ما أدى إلى انعدام مياه الشرب وتدهور الزراعة في إقليم الاحواز.
وقد رفع الأهالي خلالها أوعية المياه الفارغة مرددين شعارات رافضة للتهجير ومنددة بالسياسات الحكومية عبر هتافات مثل «باسم الدين سرقونا».
وللأسف، وكالعادة، واجهت السلطات الإيرانية الانتفاضة بحملات قمع واسعة تضمنت قطع خدمات الإنترنت واستخدام الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف المحتجين.
قضية عربستان.
وآفاق المستقبللقد بات جليا، أن قضية تحرر الشعب العرب في إقليم الأحواز بعد مرور أكثر من قرن من الظلم الاستعماري والاضطهاد الفارسي، هي قضية بالغة التعقيد في ضوء الحسابات الدولية والإقليمية في النظر إلى المطالب الإنسانية والحقوقية المشروعة للشعب العربي في الأحواز.
أولا: إن موقف الدول الغربية على مر التاريخ كان ومنذ عهد الدولة الصفوية يعطي أولوية لتقوية شوكة الدولة المركزية الفارسية على حساب العرقيات والأقليات والقوميات الخاضعة لسيطرتها، وذلك لحسابات استراتيجية في التفكير الغربي تجاه العالم الإسلامي.
فهو يعطي اهتماما لتقوية إيران ذات النظرة الاستعلائية العنصرية تجاه العرب على حساب أي انصاف للقضايا العربية.
وفي ضوء ذلك، فمهما اشتدت الانتقادات الغربية للسياسات الإيرانية، فلن يتم مساندة المطالب العادلة للشعب العربي في الاحواز سواء بشأن استعادة استقلالهم، أو حتى الحصول على الحكم الذاتي.
ثانيا: من خلال استقراء التاريخ، يمكن القول بأن أي نظام مركزي في طهران لن يتجاوب مع أي مطالب باتجاه تحويل الدولة الإيرانية الى دولة فيدرالية او كونفدرالية يمكن ان تعترف جزئيا بخصوصية الهويات العرقية والقومية للشعوب الإيرانية المختلفة عن العرق الفارسي، لأنهم يخشون ان يقود ذلك الى تفكك الدولة الفارسية المركزية، ويرون ان النهج الاستبدادي القمعي هو السبيل لإجهاض التطلعات الخاصة للهويات العرقية والقومية الأخرى في إيران، وقد رأينا ذلك نهجا مستمرا من العهد البهلوي إلى حكم الملالي.
في ضوء ذلك، يمكن توقع ان إيران لن تعرف الاستقرار السياسي أو الاجتماعي في المستقبل المنظور، وان السيناريو المتوقع للمشهد الإيراني هو تكرار الانتفاضات الشعبية للأقليات والعرقيات في إيران، وخاصة من جانب العرب والاكراد والآذريين والبلوش، لأنه لا يمكن إخماد تطلعات وأشواق هذه الهويات المختلفة إلى الأبد.
ثالثا: إن قضية عربستان أكثر تعقيدا، لأن بها قاعدة الثروات الإيرانية ومصادر الدخل القومي للاقتصاد الإيراني فنحو 85% من احتياجات الطاقة من النفط والغاز لإيران مصدرها الأحواز العربية، هذا بالإضافة إلى أن عربستان تزود إيران بأكثر من 75% من الكهرباء.
وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن ثروات عربستان تسهم بحوالي نصف الناتج القومي الصافي لإيران وأكثر من 80 في المائة من قيمة الصادرات النفطية الإيرانية.
لذلك لم يكن غريبا أن ذاعت مقولة شهيرة للرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي يقول فيها: إن «إيران تحيا بخوزستان أي عربستان».
لذلك فإن هاجس استقلال الأحواز عن إيران يعدُّ كابوسًا مرعبًا لنظام الملالي.
لكن ذلك لا يمنع أن يعيد العرب طريقة تفكيرهم في التعامل مع قضية عربستان، طالما أن إيران لا تحترم علاقات حسن الجوار، ولا تريد التوقف عن نهج تصدير الثورة ومحاولة نشر الفكر التوسعي المتطرف لنظرية «ولاية الفقيه» وزرع الخلايا النائمة الموالية لنظام الملالي في المجتمعات الخليجية، واستمرار نهج دعم الاذرع والمليشيات المسلحة التابعة لإيران كما حدث في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
من هنا يتعين إعادة الاعتبار لعرب الاحواز وينبغي النظر إلى قضية عربستان باعتبارها أرضاً عربية خليجية سليبة، وأن جميع سكانها ينتمون إلى الأمة العربية.
كما يجب وضع هذه القضية على خريطة الاهتمامات الدولية وممارسة ضغوط في المحافل الدولية لوضع حد لسياسات القمع والتمييز العنصري ضد عرب الأحواز.
إن تسليط الضوء على قضية الأحواز باعتبارها قضية تمييز عنصري سوف تضع النظام الإيراني في مأزق تاريخي أمام العالم كله، ومن الممكن ان يضطر الى تغيير سياساته رغم نزعة الغطرسة والغرور التي تنتابه بعد الحرب الأخيرة في المنطقة، كذلك فإن وضع قضية الاحواز على جدول الاعمال السياسي العربي باعتبارها قضية إنسانية إعلاميا وسياسيا من ناحية، وبوصفها قضية عربية قومية من ناحية أخرى، مع الاستعداد لدعم المطالب العادلة للشعب العربي في الاحواز سوف يغير الكثير من المعادلات والسياسات الإقليمية في المنطقة.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك