ولد عبد السلام عبد الغني النابلسي عام 1899 في طرابلس بلبنان، لأسرة فلسطينية الأصل تعود جذورها إلى مدينة نابلس، وهو ما انعكس لاحقا على لقبه الفني، نشأ في بيئة محافظة، وأراد له والده أن يسلك طريق العلم الديني، فأرسله إلى مصر في شبابه لطلب العلم، حيث تعرف إلى الحياة الثقافية والفنية في القاهرة.
في القاهرة، حفظ القرآن الكريم، وبرع في اللغة العربية، وأتقن الفرنسية والإنجليزية، إلا أنه انجذب إلى المسرح الذي كان مزدهرا في شارع عماد الدين، وكان ينفق ما يرسله إليه والده على حضور العروض المسرحية، وعندما علم والده بذلك، أوقف عنه الدعم المالي، فاضطر إلى العمل في الصحافة والترجمة لاستكمال حياته ودراسته.
بدأ حياته المهنية صحفيا عام 1925، وعمل في عدد من المجلات، منها" مصر الجديدة"، " الصباح"، و" اللطائف المصورة"، كما أكد في أحد حواراته أنه كان يتمنى أن يصبح صحفيا لو لم يكن ممثلا، معتبرا أن الصحافة ساعدته كثيرا في تكوينه الفني، كما أشار إلى أنه كتب عن السينما والنقد الفني في جريدة" الأهرام".
انطلقت بدايته الفنية من المسرح، حيث التحق بفرقة" رمسيس"، ثم فرقة جورج أبيض التي كانت تقدم أعمالها بالفصحى التي أتقنها، ويروى أنه أثناء أدائه أحد الأدوار التراجيدية، انفجر الجمهور ضاحكا، وهو ما لفت انتباه جورج أبيض إلى موهبته الكوميدية، فشجعه على الاتجاه إلى الكوميديا، لتبدأ ملامح شخصيته الفنية في التكون.
دخل عالم السينما عام 1929 بفيلم" غادة الصحراء" مع المنتجة آسيا، لكن فيلم" وخز الضمير" عام 1931 شكل انطلاقته نحو النجومية، وفي بداياته عمل أيضا مساعد مخرج، خصوصا مع يوسف وهبي، قبل أن يتفرغ للتمثيل عام 1947 مع ازدياد الطلب عليه في الأدوار الكوميدية.
تميز النابلسي بأسلوب أداء فريد يعتمد على خفة الظل والارتجال واللعب باللغة، مقدما شخصية أرستقراطية ساخرة، وقد أسس ما يمكن وصفه بـ" الكوميديا الأرستقراطية الساخرة"، حيث جسد شخصية الرجل المتعالي أو الأجنبي المظهر واللغة بأسلوب كوميدي ذكي يقوم على المفارقة الاجتماعية واللغوية، محولا الطبقة والمظهر الخارجي إلى مصدر للسخرية القائمة على التناقض بين الشكل والواقع، مما جعله من أبرز رواد هذا اللون في السينما العربية.
شارك النابلسي في أعمال مع كبار نجوم السينما المصرية والعربية، من بينهم عبد الحليم حافظ، فريد الأطرش، محمد فوزي، وإسماعيل ياسين، كما ظهر مع فاتن حمامة وعمر الشريف وصباح وغيرهم، وحقق حضوره الفني تأثيرا واضحا في معظم الأعمال التي شارك فيها.
ومن أهم شراكاته الفنية تعاونه مع عبد الحليم حافظ، وهو من أبرز محطات مسيرته، حيث قدما معا مجموعة من الأفلام منها: " ليالي الحب"، " فتى أحلامي"، " شارع الحب"، " حكاية حب"، و" يوم من عمري".
كما حقق نجاحا لافتا مع إسماعيل ياسين في عدد كبير من الأفلام، منها" حلاق السيدات"، " إسماعيل يس في الجيش"، " إسماعيل يس في البوليس الحربي"، " البوليس السري"، " الفرسان الثلاثة"، و" الفانوس السحري".
وامتدت مسيرته لتضم عشرات الأعمال السينمائية، من بينها" العزيمة"، " ليلى بنت الريف"، " ليلى في الظلام"، " إزاي أنساك"، " أرض السلام"، " رسالة غرام"، " الحب الكبير"، " ودعت حبك"، " لحن حبي"، " عفريته هانم"، " آخر كدبة"، و" عاشور قلب الأسد".
إلى جانب مشاركته في عدد من الأفلام اللبنانية، مثل" فاتنة الجماهير"، " أفراح الشباب"، " بدوية في باريس"، و" أهلا بالحب".
ورغم أنه لم يكن فتى الشاشة الأول، فقد رسخ مكانته بوصفه أحد أبرز نجوم الأدوار الثانية، حتى وصفته أمل عريان فؤاد بـ" بطل أبطال الأدوار الثانية".
كما عرف بعدد من الألقاب الفنية التي أطلق بعضها على نفسه مثل" الكونت دي نابلور"، وأخرى أطلقها عليه الوسط الفني والجمهور مثل" الكونت دي نابلسي" وارتباطه بشخصية" حسب الله السادس عشر" في أحد أشهر أدواره.
واجه في سنواته الأخيرة أزمات مالية، من أبرزها أزمة الضرائب في مصر، وهي أزمة شائعة في الوسط الفني آنذاك، ما أثر على استقراره لفترة قبل أن ينتقل لاحقا إلى لبنان.
وفي عام 1962، عاد إلى لبنان حيث شارك في النشاط السينمائي هناك وأسهم في بعض المشاريع الإنتاجية، محافظا على حضوره الفني حتى السنوات الأخيرة من حياته.
وعلى الصعيد الشخصي، عرف بلقب" أشهر أعزب" في الوسط الفني حتى تجاوز الستين من عمره، قبل أن يتزوج من جورجيت سبات بعد قصة ارتباط طويلة.
رحل عن عالمنا عبد السلام النابلسي في 5 يوليو 1968 إثر أزمة قلبية، تاركا خلفه إرثا فنيا كبيرا، وتجربة فريدة في الكوميديا العربية، جعلت اسمه مرتبطا بأسلوب خاص في الأداء لا يزال حاضرا في ذاكرة الجمهور حتى اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك