لم تعد شركات المراقبة الإسرائيلية تُقدَّم بوصفها مجرد شركات تكنولوجيا تطور برامج للتجسس أو أنظمة للتعرف إلى الوجوه، بل أصبحت جزءاً من منظومة اقتصادية وسياسية متكاملة تربط الجيش وأجهزة الاستخبارات بالشركات الناشئة ورأس المال والأسواق العالمية.
وتذهب دراسة جديدة إلى أن هذه الشركات لا تبيع أدوات أمنية فحسب، بل تصدر نموذجاً للمراقبة طُوّر في سياق الاحتلال، ثم أُعيد تسويقه عالمياً تحت عناوين مثل" المدن الذكية" و" الأمن السيبراني" و" الذكاء الاصطناعي المسؤول".
أعدت الدراسة الباحثة إسلام الخطيب، وعنوانها" السياسة الصناعية العسكرية وشركات المراقبة الإسرائيلية" (Militarized Industrial Policy and Israeli Surveillance Firms)، ضمن كتاب جماعي صدر حديثاً بالإنكليزية عن" حملة" (المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي) ومعهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت، بعنوان" الهيمنة الرقمية: الذكاء الاصطناعي والمراقبة والسلطة الرقمية في فلسطين وما بعدها".
وتستند إلى وثائق رسمية، وسجلات شركات، وتقارير حقوقية، وتحقيقات صحافية، ومواد دعائية للشركات نفسها، لتحليل العلاقة بين المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وصناعة تقنيات المراقبة.
ترى الدراسة أن صعود إسرائيل بوصفها إحدى القوى العالمية في الأمن السيبراني لم يكن نتيجة نجاح شركات خاصة منفصلة عن الدولة، بل ثمرة منظومة متشابكة تجمع الجيش، وأجهزة الاستخبارات، والجامعات، ورأس المال، ووزارة الأمن.
وتجادل الباحثة بأن الأراضي الفلسطينية أصبحت البيئة التي تُختبر فيها تقنيات المراقبة الجديدة قبل تطويرها وتحويلها إلى منتجات قابلة للتصدير، فأنظمة التعرف إلى الوجوه، والمراقبة البيومترية، والطائرات المسيّرة، وتقنيات التحليل الخوارزمي، تُستخدم أولاً في" إدارة" الفلسطينيين، ثم تُطرح لاحقاً في الأسواق الدولية باعتبارها حلولاً لحماية الحدود أو مكافحة الإرهاب أو إدارة" المدن الآمنة".
وتشير الدراسة إلى أن إسرائيل رسخت خلال العقد الماضي مكانتها بوصفها واحدة من أكبر منتجي تقنيات الأمن الداخلي في العالم، مستفيدة من تحويل الخبرة العسكرية إلى منتج تجاري قابل للتصدير.
أحد أبرز استنتاجات الدراسة أن فهم هذه الصناعة لا يقتصر على دراسة الشركات نفسها، بل يتطلب النظر إليها بوصفها امتداداً لسياسات دولة الاحتلال.
وتستخدم الباحثة مفهوم" السياسة الصناعية العسكرية" لتفسير الطريقة التي تتحول بها احتياجات الجيش إلى مشاريع استثمارية، فوزارة الأمن الإسرائيلية لا تكتفي بشراء التكنولوجيا، بل تشارك في توجيه البحث والتطوير، وربط الشركات الناشئة بالمؤسسة العسكرية، وتسهيل تصدير منتجاتها إلى الخارج.
وبهذا المعنى، تتحول الشركة الخاصة إلى وسيط ينقل الأولويات الأمنية للدولة إلى الأسواق العالمية.
وتلفت الدراسة إلى أنه بعد اندلاع حرب الإبادة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، اندمجت أكثر من 130 شركة ناشئة إسرائيلية في مشاريع مرتبطة بالجيش، تركز كثير منها على الذكاء الاصطناعي والاستشعار والأنظمة الذاتية، بينما استقطبت هذه الشركات استثمارات تجاوزت مليار دولار، في مؤشر على تحول الحرب نفسها إلى محرك للنمو الاقتصادي في قطاع التكنولوجيا الدفاعية.
وفقاً للباحثة، فإن أن أحد أهم عناصر هذه المنظومة هو انتقال الضباط والعاملين السابقين في وحدات الاستخبارات، ولا سيما الوحدة 8200، إلى تأسيس شركات خاصة أو إدارتها بعد انتهاء خدمتهم العسكرية.
وتشير إلى أن أكثر من ثلاثين شركة مراقبة تعمل في إسرائيل يقودها أو يعمل فيها مسؤولون سابقون في المؤسسة الأمنية، ما يجعل الحدود بين القطاعَين العسكري والخاص شديدة التداخل.
ولا يقتصر الأمر على نقل الخبرة التقنية، بل يشمل أيضاً شبكات العلاقات، والتمويل، والعقود الحكومية، وهو ما يسرّع تطوير المنتجات وتسويقها عالمياً.
وتتخذ الدراسة شركة توكا (Toka) مثالاً على هذا النموذج.
تأسست الشركة عام 2018 بمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك واللواء السابق يارون روزن، وتقدم نفسها على أنها مزود لحلول" المرونة السيبرانية" للحكومات، بينما تتيح أدواتها الوصول إلى الأجهزة المتصلة بالإنترنت واستخراج البيانات منها وإدارتها.
وبحسب الدراسة، لا تعمل الشركة في السوق التجارية التقليدية فحسب، بل ترتبط أيضاً ببرامج ممولة من مؤسسات دولية، بينها البنك الدولي، إذ تُقدَّم تقنيات هجومية ضمن مشاريع بناء القدرات الرقمية والأمن السيبراني في دول مختلفة.
وترى الباحثة أن هذا يوسع انتشار أدوات المراقبة خارج سياقها العسكري الأصلي.
النموذج الثاني الذي تتوقف عنده الدراسة هو شركة كورسايت إيه آي (Corsight AI) المتخصّصة في التعرف إلى الوجوه.
وتوضح الباحثة أن الشركة تقدم نفسها بوصفها شركة ذكاء اصطناعي مدنية، إلا أن هيكلها الإداري والاستثماري يضم مسؤولين سابقين في الجيش الإسرائيلي وجهازَي الموساد والشاباك، في حين تعتمد في تسويق منتجاتها على خطاب يركز على الخصوصية و" الذكاء الاصطناعي الأخلاقي".
وتقول الدراسة إن الشركة تعلن قدرة تقنياتها على التعرف إلى الأشخاص حتى عندما يكون نصف الوجه مخفياً أو عند ارتداء الكمامات أو الخوذ، وهي قدرات روجت لها خلال جائحة كوفيد-19، قبل أن تتحول إلى أدوات موجهة للشرطة، وحرس الحدود، وشبكات المراقبة الحضرية.
وتستشهد الباحثة بتقارير لمنظمة العفو الدولية أشارت إلى استخدام تقنيات الشركة في بناء قواعد بيانات بيومترية للفلسطينيين، بينما توسعت الشركة لاحقاً إلى أكثر من خمسين دولة عبر مشاريع تشمل المطارات، والحدود، وشبكات كاميرات المراقبة، والمستشفيات، والشرطة.
وتلفت الدراسة إلى مفارقة تراها أساسية في عمل هذه الشركات، إذ تستخدم خطاباً مختلفاً بحسب الجمهور الذي تخاطبه.
فعند التسويق للأجهزة الأمنية، تبرز كفاءة تقنياتها العسكرية وخبرة مؤسسيها في وحدات الاستخبارات، بينما تركز أمام الحكومات الغربية والرأي العام على مفاهيم مثل حماية الخصوصية، والامتثال للقوانين، والذكاء الاصطناعي المسؤول، بما يسهل قبول منتجاتها في الأسواق الدولية.
وترى الباحثة أنّ هذا الخطاب لا يغيّر طبيعة التكنولوجيا نفسها، بل يعيد تقديمها ضمن إطار قانوني وأخلاقي يجعلها أكثر قابلية للتسويق.
وتخلص الدراسة إلى أنّ أهمية هذه الشركات لا تكمن في منتجاتها وحدها، بل في النموذج الذي تمثله.
فهي، وفق الباحثة، لم تعد مجرد شركات خاصة، وإنما أدوات تنقل من خلالها الدولة خبراتها العسكرية إلى الأسواق العالمية، وتحول تقنيات طُورت في سياق الاحتلال إلى منتجات تُستخدم في الشرطة، وحماية الحدود، وإدارة المدن، والبنى التحتية في عشرات الدول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك