لم تكن الرياضة تاريخياً طوْراً طارئاً في حقب تطوّر الإنسان؛ وإنما نما معها ونمتْ معه، فهي جزء من التكوّن الأصلي، إذ الرياضة أشمل من المسابقة، فهي شرطٌ أساسيّ لتهيئة الإنسان لخوض الحروب والاستعداد للصراع والنزال، ومن هذا التسلسل يتمثّل لنا المفهوم الرياضي بشكله الأعم كشرط للانتصار على الأعداء، ومن دونه فإنَّ ثمة ما يهدد الوجود والبقاء.
من هنا تداخلت الرياضة مع السياسة، فكلّ مرانٍ على رياضةٍ يختلط بأفكارِ حربٍ معيّنة؛ صحيح أنها الآن هُذّبتْ وقننت غير أن التمرين العسكري لا يمكنه أن يكون مكتملاً من دون المران الجسدي والتدريب الرياضي.
إن التقنين للألعاب الرياضية لا يعني انتهاء الخلفيات التاريخية والسياسية داخل المسابقة، وآية ذلك أنه في بعض المباريات بين منتخبيْن سبق أن تطاحنا في حروبٍ قديمةٍ أو حديثة سرعان ما تطفو على السطح أثناء اللعبة كثير من الإشارات والعلامات وكل الذاكرة التاريخية المضمرة مهما كان مستوى التحضّر الذي تقاد به المسابقة بدليل بعض مباريات «المونديال الحالي».
وحول هذا ما كتبَه الأستاذ عبد السلام بنعبدالعالي في 23 يونيو (حزيران) الماضي بمجلة «المجلة» وعنوان مقالته: «ما تقوى عليه الأجساد» -ومعلومٌ أن بنعبدالعالي كتب كثيراً عن التلاقي الفلسفي والسياسي والرياضي عبر كتبه المفيدة- إذ ذكر في المقال مجموعةً من الأفكار الضرورية التي يمكن التعليق عليها، ومنها قوله: «يضرب دولوز مثلاً على ذلك بما عرفته لعبته المفضلة، فيرى أن لاعب التنس لا يضرب الكرة فقط، وإنما يبتكر فضاء.
فكل ضربة تعيد توزيع الملعب، وكل حركة تعيد رسم العلاقات بين النقاط.
معنى هذا أن المباراة ليست مجرد تبادل للكرات، وإنما هي بناء متواصل للفضاء».
ويضيف: «اللاعب الكبير فنان يبتكر حركات لم تكن معهودة، وهو يخلق إمكانات جديدة للجسد، كما يخلق الرسام إمكانات جديدة للرؤية، وكما يخلق الموسيقيّ إمكانات جديدة للسمع.
ذلك أن الجسد يفكر ويبدع، والفكر ليس نشاط الدماغ وحده.
صحيح أن الجسد لا يفكر عبر المفاهيم، إلا أنه يفكر عبر الحركات، وعبر الإيقاعات، وعبر العلاقات التي يبتكرها مع العالم.
ليس غريباً إذن إعجاب الفيلسوف الفرنسي الشديد بالفيلسوف سبينوزا الذي طرح السؤال الذي ظل يرافق دولوز مدى حياته: (ما الذي يقوى عليه الجسد؟ ).
على هذا النحو فإنَّ صاحب (الأبجدية) لا يرى أنَّ الرياضي مجرد منفذ لمهارات معروفة، وتكتيكات تملى عليه.
إنه مبتكر يكتشف استعمالات جديدة للجسد، تماماً كما يكتشف الفيلسوف إمكانات جديدة للفكر، ولهذا تصبح بعض الحركات الرياضية أحداثاً حقيقية، أحداثاً تغير اللعبة نفسها».
وأعلّق على ذلك بأنَّ هذا قولٌ مهمّ، فإنَّ ما يجمع بين الرياضة والحرب عناصر ثلاثة:أولها: السياسة، ويمثّلها المدرّب حيث التكتيك وتوزيع الأدوار وضبط اللاعبين (الجنود) والانضباط داخل «المعسكر»، لاحظ أنَّ مفردة المعسكر ما زالت تستخدم حتى الآن.
المعسكر أساسي قبيل كل بطولة، وذلك بغية تحقيق الانتصار المنشود، ومن دون إكمال كافة البرامج المطلوبة للاعب داخله وتجهيزه وتهيئته واختباره وتدريبه لن يكون من المفيد إشراكه في المباراة أي «الحرب»، هنا عنصر تلاقٍ أساسي بين الرياضة والحرب، إنَّ المدرب في الملعب يقوم بعمل سياسي بامتياز، لا مجال للخطأ داخل ساحة الحرب، إنه مثل قائد الحرب القديم حين يضع خطّته على ورقة ويوزّع زوايا الانقضاض ويضع خطةً للتدرّج في الحرب أو الانسحاب، وهذا معروفٌ في سياسات الحروب.
ثانيها: مفهوم الانتصار، فالمسابقة الرياضية هدفها الانتصار الحاسم وبقوّة من أجل إتمام الوظيفة المنوط بها كل لاعب.
ثمة خطبة تلقى على اللاعبين قبل المباراة تضخّ بها الكثير من المفاهيم الوطنية؛ أفكار وذكريات وربما مواقف يذكّر بها الفريق بغية ضخّ ذاكرتهم بما يمكّنهم من تجاوز أيّ خوفٍ من الخصم، وهذا مستوىً يدلل على استدامة التلاقي بين الحرب والرياضة والسياسة، وبناءً على هذا الحشد من التذكير يستبسل اللاعب كما المحارب ليستنفد كل ما لديه من طاقةٍ وحركة، ولطالما رأينا حارس مرمى يستمر باللعب وقد كُسرت يده، أو أن يضع المصاب على فتقٍ في وجهه لاصقاتٍ طبيّة ثم يكمل اللعب، هذه هي ثقافة الانتصار.
ثالثها: الدفاع، فهو ركيزة أساسية كما في النزال العسكري، ثمة من يحرس ومن يدافع ومن يصنع اللعب والمقاتل الأبرز هو المهاجم، هذا جزء من سياسة المباراة ومن أدبيات الحرب.
من دون الدفاع لن يثمر الهجوم، هذا التكامل الرياضي ذو بعد حربي خالص.
الخلاصة؛ أن الرياضة بنُظُمِها استفادت كثيراً من مفاهيم السياسة والحرب، ومن المهم درْس هذا الموضوع بغية فهمٍ أعمق للرياضة يتجاوز النمط العادي الاستهلاكي واليومي، لقد نجحت الرياضة في التخفيف من الكراهية وفي تعزيز سبل السلام ودمج الأعراق والشعوب هذا صحيح، ولكن حين نتحدث عنها بطريقةٍ تحليلية فإنها بمعنىً ما تشبه «الحرب النظيفة» التي تجمع كثيراً وتفرّق قليلاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك