في الأول من الشهر الحالي، حلّ عيد ميلاد الأميرة ديانا الخامس والستين.
بعد ما يقارب 29 عاماً على رحيل أميرة ويلز في حادث باريس عام 1997، لا تزال قابعة في قلوب محبيها، حاضرة كما لو أن الغياب لم ينتصر تماماً.
عند بوابات قصر كنسينغتون في لندن، رصدت" العربي الجديد" عودة صورها إلى السياج الأسود محاطة بالورود والبطاقات والقلوب القماشية وعبارات الحب، بينما تكشف وثائق في الأرشيف الوطني البريطاني وجهاً آخر من حضورها: أميرة لم تبقَ في ذاكرة الناس فقط، بل في سجل الدولة أيضاً.
لم يكن المشهد صاخباً ولا رسمياً.
لا منصة ولا خطاب ولا مراسم ملكية، بل حركة هادئة لزوار يتوقفون أمام الصور كما لو أنهم أمام ذاكرة شخصية.
بعضهم يقرأ الرسائل بصمت، وبعضهم يلتقط الصور، وآخرون يتركون وردة أو بطاقة ويمضون.
وعلى اللافتات، حضرت العبارات التي التصقت باسمها منذ رحيلها: " أميرة القلوب" و" أميرة الناس" و" إلى الأبد في قلوبنا".
لكن تكرار هذه العبارات مثّل استعادةً لسبب ولادتها الأول.
ولدت ديانا في الأول من يوليو/تموز 1961، ورحلت في 31 أغسطس/آب 1997 في السادسة والثلاثين من عمرها.
ولو كانت على قيد الحياة، لبلغت هذا العام الخامسة والستين.
غير أن المشاركين جاؤوا لاستحضار حياة بقيت، في نظرهم، أكبر من نهايتها.
لذلك، حملت البطاقات نبرة تهنئة: " عيد ميلاد سعيد يا أميرة ديانا"، و" كنتِ نجمة في العالم".
كأن أصحابها يصرون على مخاطبتها في زمن الحاضر.
وهنا تكمن قوة المشهد؛ فالرسائل الصغيرة المعلقة على السياج تحوّل عيد ميلاد ديانا من تاريخ في التقويم إلى علاقة حيّة بين الذاكرة والمكان.
في تلك الكلمات البسيطة، تظهر أميرة ويلز امرأةً وجد فيها كثيرون وجهاً إنسانياً دافئاً داخل مؤسسة عُرفت ببرودها وتحفظها.
في الخلفية، يقف قصر كنسينغتون بيتاً ملكياً مغلقاً من الداخل، بينما يبقى سياجه مفتوحاً أمام الذاكرة الشعبية.
وبين الداخل والخارج، تتكرر المفارقة التي صنعت جزءاً كبيراً من صورة ديانا: امرأة جاءت من داخل المؤسسة الملكية، لكنها بقيت في الوعي العام أقرب إلى الناس من قواعد المؤسسة نفسها.
صافحت مرضى الإيدز في زمن الخوف والوصم، ومشت في حقول الألغام لتسليط الضوء على ضحايا الحروب، واقتربت من المشردين والمرضى والأطفال بلمسة بقيت أقوى من البروتوكول.
ما يجعل حضور ديانا أعمق من الورود والبطاقات أن الدولة نفسها تحفظ وجهاً آخر من قصتها.
ففي الأرشيف الوطني البريطاني، هناك ملف بعنوان" العائلة الملكية: ديانا، أميرة ويلز، رسائل أعياد الميلاد"، يتضمن مسودات رسائل وبرقيات أرسلها رؤساء وزراء بريطانيون وشركاؤهم إلى ديانا في أعياد ميلادها بين ثمانينيات القرن الماضي ورحيلها عام 1997.
تبدو هذه الإشارة لافتة في ذكرى كهذه: عيد ميلاد ديانا كان، في حياتها، مناسبة حاضرة في مراسلات الدولة، كما هو اليوم حاضر في بطاقات الناس المعلقة على سياج القصر.
تحفظ الأرشيفات أيضاً ملفات بعنوان" الوفيات: وفاة ديانا، أميرة ويلز" بجزأيها الأول والثاني، تتناول ما أعقب حادث باريس عام 1997 من متابعة رسمية ودبلوماسية، ثم ترتيبات الجنازة وردات الفعل الشعبية والزهور التي غمرت محيط القصور الملكية.
هنا يلتقي مشهد الأمس بالمشهد اليوم: الورود التي تدفقت بعد رحيلها دخلت سجل الدولة، والورود التي يضعها محبوها اليوم تعيد كتابة الذاكرة نفسها، لكن بصيغة أهدأ وأكثر حميمية.
الأهم أن الأرشيف يحفظ ديانا بوصفها حالة دفعت بريطانيا إلى مراجعة أسئلة أوسع عن الإعلام والخصوصية.
فمن بين الوثائق المحفوظة، " بيان صحافي للجنة شكاوى الصحافة يعلن مقترحات لمدونة سلوك جديدة في أعقاب وفاة الأميرة ديانا"، إلى جانب" وثيقة مرفقة بشهادة اللورد سميث بشأن تنظيم الصحافة بعد وفاة ديانا".
واللورد سميث، وزير الثقافة البريطاني بين عامي 1997 و2001، كان من الأصوات التي تناولت أثر رحيلها في فتح النقاش حول حدود الملاحقة الإعلامية ومسؤولية الصحافة تجاه الحياة الخاصة.
وهكذا، دخلت ديانا الأرشيف باعتبارها لحظة دفعت بريطانيا إلى مساءلة الثمن الإنساني للشهرة حين تتحول الحياة الخاصة إلى مادة مطاردة يومية.
وبين الوثيقة والوردة، يتضح أن حضور ديانا لم يبقَ أسير لحظة الرحيل.
فالأرشيف يقدّمها حدثاً دخل سجل الدولة، أما بوابة كنسينغتون فتستعيدها باعتبارها علاقة شخصية بين الناس وامرأة رأوا فيها ما يتجاوز اللقب الملكي.
هناك، لا يحتاج الزائر إلى معرفة تفاصيل الملفات كي يفهم معنى المشهد؛ تكفي بطاقة صغيرة أو وردة معلقة لتقول إن ديانا بقيت، بالنسبة إلى كثيرين، وجهاً إنسانياً حياً.
تمتد ذاكرة ديانا في الأرشيف إلى رموز التخليد أيضاً.
فهناك وثيقة بعنوان" تصميم لعملة تذكارية لديانا، أميرة ويلز"، تعود إلى الفترة بين 1997 و2001.
لا تضيف الوثيقة تفصيلاً درامياً إلى قصتها، لكنها تكشف كيف انتقلت صورتها سريعاً بعد الرحيل من المجال الملكي والشعبي إلى رموز الذاكرة الوطنية، حيث تُحفظ الشخصيات الاستثنائية في التصاميم والوثائق والأشياء الصغيرة التي تُصنع لتبقى.
غير أن قصر كنسينغتون يقدّم شكلاً آخر من التخليد، أقل رسمية وأكثر حميمية؛ تُطلّ أميرة ويلز لتشكّل حضوراً شخصياً في ذاكرة أناس عاديين.
في الصور المعلقة على السياج، تستعيد وجوهها المتعددة: الأم الشابة والمرأة الأنيقة والأميرة المبتسمة والشخصية العامة التي حوّلت هشاشتها إلى جزء من قوتها الرمزية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك