لم يعد تاكر كارلسون مجرد مذيع أمريكي سابق طُرد من شبكة فوكس نيوز، ولا مجرد صوت محافظ مثير للجدل كما اعتاد الجمهور أن يراه خلال سنوات عمله في التلفزيون التقليدي.
في هذا التقرير، تعيد الجزيرة نت قراءة الحوار المطول مع تاكر كارلسون بعد خروجه من فوكس نيوز، بوصفه نموذجا لتحول النفوذ الإعلامي من القنوات التقليدية إلى المنصات الفردية.
ومن خلال قراءة الحوار نكتشف شخصية كارلسون المركبة؛ فهو إعلامي محافظ مثير للجدل، وصوت مناهض للحرب، ومؤثر سياسي يصنع نجوميته خارج التلفزيون.
الحوار المطول الذي أجرته معه مجلة جامعة كولومبيا للصحافة يكشف تحولا أعمق بكثير في بنية الإعلام السياسي الأمريكي، تحولا يتجاوز شخص كارلسون نفسه ليعكس انتقالا في مراكز القوة الإعلامية من المؤسسات الكبرى إلى الأفراد، ومن الشاشات التقليدية إلى المنصات الرقمية المفتوحة.
في هذا الحوار، يرسم آموس برشاد صورة دقيقة لهذا التحول من داخل مكان غير تقليدي، حظيرة بيضاء في ولاية مين تحولت إلى استوديو إنتاج لبرنامج عرض تاكر كارلسون.
المكان ليس مجرد خلفية، بل يحمل دلالة رمزية قوية؛ إذ يجسد انتقال الإعلامي من قلب المؤسسة إلى هامشها، ومن شبكة ضخمة ذات قواعد صارمة إلى مساحة شخصية يتحكم فيها بالكامل.
هذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير في مكان العمل، بل في طبيعة الدور الإعلامي نفسه، فكارلسون، الذي كان جزءا من واحدة من أقوى الآلات الإعلامية المحافظة في الولايات المتحدة، أصبح اليوم نموذجا للإعلامي المستقل الذي يبني جمهوره خارج المؤسسة، ويخاطبه مباشرة دون وسطاء.
لكنه في الوقت نفسه يتحرر من القيود المهنية التي كانت تفرضها عليه الشبكة، ما يفتح الباب أمام أسئلة جديدة حول حدود المسؤولية والمساءلة.
يظهر كارلسون في الحوار كشخصية مركبة ومليئة بالتناقضات، فمن جهة، يواصل الدفاع عن مواقف محافظة صارمة في قضايا مثل الهجرة والإجهاض والحقوق الجندرية، وهي مواقف تجعله قريبا من القاعدة التقليدية للحزب الجمهوري.
ومن جهة أخرى، يقدم نفسه كأحد أبرز الأصوات المناهضة للحرب داخل اليمين الأمريكي، خصوصا في ما يتعلق بالسياسات الأمريكية تجاه إيران وغزة وإسرائيل.
هذه التركيبة غير المألوفة هي التي منحت كارلسون موقعا فريدا في المشهد الإعلامي والسياسي، فهو قادر على استضافة شخصيات جمهورية بارزة مثل السيناتور تيد كروز، ومواجهتها بأسئلة محرجة حول مواقفها من الحرب، وفي الوقت نفسه يجذب اهتمام شريحة من اليسار الأمريكي، خاصة أولئك الذين يعارضون التدخلات العسكرية الأمريكية وينتقدون السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
لكن أهمية كارلسون لا تكمن فقط في مواقفه السياسية، بل في النموذج الإعلامي الذي يجسده، فبعد خروجه من فوكس نيوز عام 2023، لم يدخل في مرحلة تراجع كما كان يتوقع البعض، بل انتقل بسرعة إلى الإنترنت، حيث أسس برنامجه الخاص.
هذه الخطوة تعكس تحولا أوسع في صناعة الإعلام، حيث لم تعد المؤسسة هي المصدر الوحيد للشرعية أو الجمهور، بل أصبح بالإمكان نقل الجمهور نفسه من منصة إلى أخرى.
في هذا السياق، يمثل كارلسون نموذجا لما يمكن تسميته باقتصاد الشخصية الإعلامية، حيث يصبح الإعلامي نفسه علامة تجارية قائمة بذاتها، فالمحتوى الذي يقدمه لا يعتمد فقط على المعلومات أو التحليل، بل على أسلوبه الشخصي، وطريقة حديثه، وقدرته على جذب الانتباه.
المونولوجات الطويلة التي يفتتح بها حلقاته، واختياراته غير التقليدية للضيوف، والتنقل بين موضوعات السياسة والدين ونظريات السلطة، كلها عناصر تجعل برنامجه أقرب إلى محتوى رقمي شخصي منه إلى برنامج صحفي تقليدي.
هذا التحول يعكس أيضا تغيرا في علاقة الجمهور بالإعلام، فالثقة لم تعد مرتبطة بالمؤسسة، بل بالشخصية؛ فالجمهور لا يتابع القناة بقدر ما يتابع المذيع، ولا يثق في العلامة التجارية بقدر ما يثق في الصوت الذي يخاطبه مباشرة.
وفي هذا الإطار، يصبح الإعلامي قادرا على بناء علاقة شخصية مع جمهوره، تتجاوز حدود الشاشة التقليدية.
ومن اللافت أن كارلسون نفسه لا يقدم صورة واضحة عن جمهوره أو عن إستراتيجيته الإعلامية، فهو يقول إنه لا يعرف تحديدا من يشاهد برنامجه، ولا يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع فوكس نيوز، ولا يدير حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي بنفسه، بل ولا يستمع إلى البودكاست أصلا.
هذه التصريحات قد تبدو متناقضة مع نجاحه، لكنها تعكس طبيعة جديدة في الإعلام الرقمي، حيث لا يكون النجاح دائما نتيجة تخطيط دقيق، بل أحيانا نتيجة تفاعل ديناميكي بين الشخصية والجمهور والمنصة.
في المقابل، تكشف المقابلة عن أزمة عميقة في الإعلام التقليدي، خاصة في قدرته على فهم التحولات داخل اليمين الأمريكي.
فكارلسون لا يتردد في التقليل من أهمية شبكات مثل" إن بي سي" و" سي بي إس" و" سي إن إن"، معتبرا أنها تمثل ماضيا بعيدا أكثر مما تمثل مستقبلا.
بل يذهب إلى حد القول إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يكون آخر مشاهد لفوكس نيوز، في إشارة إلى تراجع تأثير التلفزيون التقليدي بين الأجيال الجديدة.
ورغم أن هذا التوصيف قد يبدو مبالغا فيه، فإنه يعكس حقيقة ملموسة؛ فجزء كبير من الجمهور المحافظ لم يعد يعتمد على التلفزيون كمصدر رئيسي للمعلومات، بل يتجه نحو المنصات الرقمية مثل يوتيوب والبودكاست والمقاطع القصيرة؛ في هذه البيئة، تصبح الولاءات الإعلامية أكثر ارتباطا بالأفراد وأقل ارتباطا بالمؤسسات.
لكن هذا التحول يطرح أيضا تحديات جديدة، خاصة فيما يتعلق بالمساءلة، فكارلسون لا يقدم نفسه كصحفي بالمعنى التقليدي، ولا كسياسي، بل كشخص يتحدث بحرية.
وعندما يُسأل عن دوره في محاولة التأثير على ترامب بشأن الحرب، يرفض التصنيف، مؤكدا أنه لا ينتمي إلى أي فئة محددة، هذه الضبابية تمنحه حرية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول حدود تأثيره ومسؤوليته.
تظهر هذه الإشكالية بوضوح في تعامله مع الانتقادات التي توجه إليه بسبب استضافة شخصيات مثيرة للجدل، مثل الناشط اليميني الأميركي نيك فوينتس، المعروف بمواقفه المناهضة لإسرائيل؛ فهو يرى أن التركيز على هذه المقابلات محاولة لصرف الانتباه عن قضايا أكبر، مثل الحرب والاقتصاد والذكاء الاصطناعي.
لكن منتقديه يرون أن المنصة التي يوفرها لهذه الشخصيات لا يمكن فصلها عن خطابه العام، وأن تأثيره يتجاوز مجرد طرح الأسئلة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في تجربة كارلسون، فهو في الوقت نفسه إعلامي مستقل، ومؤثر سياسي، وناقد للإعلام، وفاعل داخل الصراع على مستقبل الحزب الجمهوري؛ فهذه الأدوار المتداخلة تعكس طبيعة المرحلة الحالية، حيث تتداخل الحدود بين الإعلام والسياسة بشكل غير مسبوق.
في نهاية الحوار، يذهب كارلسون إلى أبعد من ذلك، حين يتحدث عن الحاجة إلى حزب ثالث في الولايات المتحدة، معتبرا أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي متفقان في قضايا أساسية مثل الحرب والمال.
هذه الدعوة ليست مجرد رأي سياسي، بل تعكس طموحا أوسع لدى بعض الإعلاميين الرقميين للعب دور مباشر في تشكيل المشهد السياسي، وليس فقط التعليق عليه.
ومع ذلك، يقلل كارلسون من حجم تأثيره، مشيرا إلى أنه لم يتمكن من منع ترمب من اتخاذ قرارات معينة، مثل مهاجمة إيران، لكنه يعترف ضمنيا بأن تأثير الإعلام لا يقاس فقط بالنتائج المباشرة، بل أيضا بقدرته على تشكيل النقاش العام وإعادة ترتيب الأولويات.
في هذا السياق، يمكن القول إن تجربة كارلسون تطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الإعلام السياسي، من يملك السلطة في عصر المنصات؟ هل هي المؤسسات التقليدية أم الشخصيات الفردية؟ وهل يمكن للإعلامي أن يتحول إلى فاعل سياسي مستقل خارج الأحزاب؟في النهاية، يكشف هذا الحوار أن الإعلام السياسي لم يعد قائما فقط على القنوات والشبكات، بل على شخصيات قادرة على بناء جمهور واسع عبر المنصات المختلفة، والتأثير في المزاج العام بطرق جديدة.
وفي هذا العالم، قد لا يملك تاكر كارلسون سلطة رسمية، لكنه يملك ما قد يكون أكثر تأثيرا، القدرة على الكلام، وأن يجد من يستمع إليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك