وامتدت مسيرة الأغنية السياسية اللبنانية منذ السبعينيات وحتى الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي انطلقت في عام 2024، في سردية تعكس ذاكرة وطن أنهكته الحروب ولم يتوقف عن الغناء، وتحولت الأغنية من مجرد فن إلى ذاكرة حية للوطن تعكس انكساراته وانتصاراته وأحلامه وانقساماته.
بدأت الحلقة بمشهد للفنانة فيروز وهي تقف على مسرح في كليفلاند بأمريكا في 10 أكتوبر/تشرين الأول 1981، وسط الحرب الأهلية اللبنانية، لتغني" خذني ازرعني بأرض لبنان"، في لحظة جمعت بين الغربة والألم والأمل، وكأنها تختصر قصة الأغنية السياسية اللبنانية.
ووفقا لحلقة (5 يوليو/تموز 2026) من برنامج" غاليريتا" وهذا رابطها، تعود الأغنية السياسية إلى السبعينيات مع ظهور حركة فنية جديدة تهدف إلى عكس الواقع بدلا من الهروب منه، في مواجهة مسرح الأخوين رحباني (عاصي ومنصور) الذي كان يبني" يوتيوبيا" لبنانية من خلال فيروز وفنها الموصوف عند بعض النقاد بأنه" ملائكي".
وتوضح الحلقة أن مشروع الأخوين رحباني كان وطنيا هدفه خلق هوية جامعة، لكنه كان حلما متخيلا منفصلا عن الواقع، خاصة مع اقتراب انفجار الحرب الأهلية عام 1975 وسط حركات يسارية وقومية واضطرابات عمالية ومظاهرات طلابية.
وفي السياق ذاته، يتشكل تحالف بين الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، مما ولد جيلا جديدا من الفنانين اليساريين الذين نقلوا الغناء السياسي إلى الميادين، وأبرزهم أحمد قعبور الذي قدم أغنية" أناديكم" في مستشفى ميداني وسط الجرحى.
كما تسلط الحلقة الضوء على الثنائي" الأسطوري" الشاعر محمود درويش والموسيقي مارسيل خليفة، الذي استمر قرابة 3 عقود وجسد التحالف بين منظمة التحرير واليسار اللبناني، محولا قصائد درويش إلى أناشيد ثورية لجيل كامل، مثل أغنية" أحمد العربي" التي تتحدث عن مجزرة تل الزعتر عام 1976 وأغنية" بيروت نجمتنا" عن العاصمة المحاصرة حينها.
وتروي الحلقة أن مارسيل خليفة قرر تخليد ذكرى الزعيم اللبناني كمال جنبلاط بعد اغتياله عام 1977 بمرثية" يا جبل الباروك"، التي كانت ملحمة موسيقية جسدت لحظة انكسار جيل كامل.
وفي الثمانينيات، ومع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وخروج منظمة التحرير من بيروت، تحول صوت الأغنية السياسية إلى العبث والسخرية عبر زياد الرحباني، الذي كسر علاقته مع مسرح والده وخلق لغة وصفها نقاد بأنها" واقعية فجة" وحول الحرب إلى" نكتة سوداء" بأغان مثل" يا زمان الطائفية" و" أنا مش كافر".
ومن جهة أخرى، تحول مارسيل خليفة بعد خروج المنظمة – من بيروت – من أغاني درويش عن فلسطين إلى أغاني المقاومة في جنوب لبنان، مثل" يا علي" و" يا طائر الجنوب"، في انعكاس للتحول من حلم الثورة العربية إلى المقاومة المحلية.
وفي عام 1983، ظهرت جوليا بطرس بصوت مختلف، تمثل جيلا يكبر مع جنوب محتل وأمل في تحريره، بأغنية" غابت شمس الحق".
وبعد اتفاق الطائف عام 1989، دخلت الأغنية السياسية مرحلة جديدة من المهرجانات الضخمة، مع أغاني الأمل مثل" بيروت ست الدنيا" لماجدة الرومي و" راجع يتعمر لبنان" لزكي ناصيف، وتحولت جوليا بطرس إلى نجمة المقاومة بامتياز وواكبت أغانيها تحرير الجنوب عام 2000.
ومع صعود موجة البوب في الألفية، ظلت الأغنية السياسية حاضرة لكن بشكل متباين، مثل أغاني زين العمر ونجوى كرم التي منع الأمن العام عرض كليبها" ليش مغرّب".
وفي المقابل، ظهر جيل جديد من مغني الراب مثل" الراس" وجعفر الطفار، الذين أعادوا الأغنية السياسية إلى الشارع بأغان تعالج أزمة النفايات والفساد والطائفية.
ووصولا إلى الحرب الحالية، تؤكد حلقة" غاليريتا" أن هذه الحرب أعادت إحياء الأغاني كلها، من أناشيد قعبور إلى سخرية زياد إلى" راب الغضب"، وكأنها ذاكرة صوتية للبلد تأبى إلا أن تشتعل وتشتغل معا.
وتطرح الحلقة التساؤل: لماذا كل حرب جديدة تعيد هذا النوع من الأغاني؟ وتحاول الإجابة: قد يكون لأن الحروب في لبنان تتغير ظروفها، ولكن تفاصيلها واحدة، نفس القصف، نفس النزوح، نفس الخوف.
وإمعانا في هذا الطرح، ترى الحلقة أن الأغنية تبقى الشيء الوحيد الذي يبقى بعد أن ينهار كل شيء آخر، وهي الأرشيف الحقيقي للبنان والشهادة الصادقة لحناجر رفضت الصمت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك