منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء قبل آلاف السنين، كانت الظلمة الطبيعية لليل نافذته الأولى لفهم الكون، ومنها ولد علم الفلك واكتُشفت الكواكب والمجرات والنجوم.
وحتى مع تطور التلسكوبات العملاقة، بقيت السماء المظلمة شرطا لا غنى عنه لرصد الأجرام الخافتة القادمة من أعماق الكون.
لكن دراسة علمية جديدة تحذر من أن هذا الإرث الإنساني قد يواجه تهديدا غير مسبوق، ليس بسبب ظاهرة طبيعية، بل نتيجة مشروع تجاري يقترح إطلاق أعداد هائلة من الأقمار الاصطناعية العاكسة للضوء (Reflect Orbital).
ونشرت الدراسة في مجلة" الفلك والفيزياء الفلكية" (Astronomy & Astrophysics) وقادها أوليفييه هينو، مدير العمليات في المرصد الأوروبي الجنوبي، الذي حذر من أن التأثير المحتمل يتجاوز ظهور خطوط الأقمار الاصطناعية في صور التلسكوبات، ليصل إلى زيادة سطوع السماء نفسها، بما قد يجعل كثيرا من الرصد الفلكي مستحيلا.
list 1 of 2دورة المادة الكونية.
كيف يعود حديد الصواريخ إلى المحيطات عبر بوابة الأمطار؟list 2 of 2كوكب غريب يقلب مفاهيم العلماء عن أكثر عوالم “المشتريات الساخنة”أقمار تعكس ضوء الشمس.
ولكن بثمن علمي باهظتناولت الدراسة مشروعا يقترح نشر أعداد كبيرة من الأقمار الاصطناعية المزودة بأسطح شديدة الانعكاس، بهدف توجيه أشعة الشمس إلى مناطق محددة على الأرض لتوفير الإضاءة ليلا أو لأغراض تجارية أخرى.
ورغم ما قد يحمله المشروع من تطبيقات مستقبلية، يرى علماء الفلك أن انعكاس الضوء من هذه الأقمار سيرفع مستوى الإضاءة الاصطناعية في السماء الليلية، ما يقلل التباين الذي تعتمد عليه التلسكوبات لاكتشاف المجرات البعيدة والنجوم الخافتة والكواكب الشبيهة بالأرض.
وقال أوليفييه هينو: " قد نصل إلى مرحلة لا يعود فيها لتشغيل التلسكوبات أي جدوى، لأن جميع البيانات ستكون ملوثة.
جميعها، بنسبة 100%".
ويؤكد الباحثون أن حتى الزيادة الطفيفة في سطوع السماء كافية لإخفاء إشارات ضوئية قطعت ملايين أو مليارات السنين الضوئية قبل أن تصل إلى الأرض.
كل زيادة في الضوء تعني خسارة في العلميوضح الباحثون أن التلسكوبات الحديثة تجمع كميات ضئيلة جدا من الضوء القادم من الأجرام البعيدة، ولذلك فإن أي زيادة في الخلفية الضوئية تعني الحاجة إلى إطالة زمن التعريض الضوئي للحصول على البيانات نفسها.
ويشرح هينو العلاقة ببساطة: " إذا زاد التلوث الضوئي بنسبة 10%، فيجب زيادة جميع أزمنة التعريض بنسبة 10%.
وإذا تضاعف التلوث الضوئي بنسبة 100%، فيجب مضاعفة زمن جميع عمليات الرصد".
وهو ما يعني أن المراصد ستتمكن من دراسة عدد أقل من الأهداف خلال الليلة الواحدة، ما يخفض إنتاجها العلمي بصورة كبيرة، وسيؤثر في أبحاث الثقوب السوداء والمادة المظلمة والكواكب الخارجية الصالحة للحياة، وحتى دراسة أوائل المجرات التي تشكلت بعد الانفجار العظيم.
كما يشير الباحثون إلى أن البرامج الحاسوبية القادرة على إزالة آثار الأقمار الاصطناعية من الصور لا تستطيع معالجة زيادة سطوع السماء بأكملها.
أقمار قد تصبح أكثر لمعانا من كوكب الزهرةمن أخطر نتائج الدراسة أن الأقمار الاصطناعية المقترحة لن تكون شبيهة بأقمار الاتصالات التقليدية، بل ستُصمم خصيصا لتعكس أكبر كمية ممكنة من ضوء الشمس.
ويحذر هينو قائلا: " ستجعل هذه الأقمار عمليات الرصد الفلكي شبه مستحيلة، فهي شديدة السطوع".
وأضاف: " وحتى خارج حزمة الضوء المنعكس، سيبدو القمر الاصطناعي أكثر لمعانا من كوكب الزهرة، ألمع جرم في السماء بعد القمر".
وأشار إلى أنه إذا أطلق نحو 50 ألف مرآة فضائية، فقد يشاهد الراصدون في أي مكان على الأرض مئات وربما آلاف من هذه الأجسام اللامعة في السماء في الوقت نفسه.
وفي المقابل، أوضح هينو أن بعض شركات تشغيل الأقمار الاصطناعية الحالية اتُّخذت بالفعل إجراءات هندسية للحد من انعكاس الضوء، مثل إمالة الأسطح العاكسة بعيدا عن الأرض وتصغير المساحات الظاهرة، لكنه يرى أن الأقمار المصممة أساسا لعكس الضوء تمثل تحديا مختلفا تماما.
قضية تتجاوز علم الفلك إلى حق الإنسانية في سماء طبيعيةيرى العلماء أن القضية لم تعد تخص الفلكيين وحدهم، بل أصبحت مسألة تمس المجتمع بأسره.
وقال روبرت ماسي، نائب المدير التنفيذي في الجمعية الفلكية الملكية: " سيكون الأمر كارثيا على علم الفلك، ومن الصعب تخيل طريقة للتخفيف من آثاره بهذا الحجم".
وأضاف: " إنني قلق على الجمهور أيضا، فالناس لم يوافقوا على تغيير شكل السماء التي تعلو رؤوسهم".
ولفت ماسي إلى أن موافقة لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية على مثل هذه المشاريع قد تفتح الباب أمام منح الشركات التجارية سلطة تغيير منظر السماء، رغم أن الأنشطة التي تغيّر البيئة على الأرض تخضع لقوانين صارمة.
كما أشار إلى أن معاهدة الفضاء الخارجي وضعت في زمن لم يكن أحد يتصور فيه الدور الهائل الذي ستلعبه الشركات الخاصة في الفضاء، وهو ما يفرض مراجعة الأطر القانونية الحالية.
واليوم، يقف العالم أمام سؤال يتجاوز التكنولوجيا: كيف نوازن بين الابتكار التجاري وحماية إرث كوني يشترك فيه جميع البشر؟ فاستكشاف الفضاء لا ينبغي أن يكون على حساب القدرة على تأمله، لأن المحافظة على سماء الليل ليست دفاعا عن علم الفلك وحده، بل عن نافذة الإنسان الدائمة نحو الكون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك