باريس - أعلنت الرئاسة السورية عن زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة دمشق في القريب العاجل، في خطوة تحمل من حيث توقيتها ودلالاتها اعترافا غربيا صريحا بالواقع السياسي الجديد الذي تشكل في سوريا بعد الإطاحة بحكم الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، حيث تسعى القوى الكبرى اليوم إلى حجز مقاعدها في صياغة مستقبل البلاد وإعادة ترتيب أوراق النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.
وتكتسب الخطوة الدبلوماسية الفرنسية أهمية استثنائية بالنظر إلى تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين، وتعيد التذكير بالمرونة العالية والبراغماتية التي طالما طبعت الدبلوماسية السورية والفرنسية على حد سواء في المنعطفات التاريخية الكبرى، قبل انفجار الوضع في العام 2011.
يعيد هذا التحرك الدبلوماسي إلى الأذهان حقبة زمنية مفصلية من نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، حينما كانت فرنسا أول دولة غربية يزورها نائب الرئيس السوري الأسبق فاروق الشرع، في إشارة واضحة ومبكرة آنذاك إلى أن باريس تُمثل دائماً البوابة الرئيسية والنافذة المفضلة التي تطل عبرها دمشق على المنظومة الغربية والأوروبية.
ويبرهن التاريخ اليوم على أن اختيار ماكرون ليكون أول رئيس دولة كبرى يزور دمشق في عهدها الجديد ليس مجرد مصادفة سياسية، بل هو امتداد لعمق استراتيجي وثقافي قديم يربط بين العاصمتين، ويعيد إنتاج الدور الفرنسي التقليدي كجسر تواصل حيوي بين الشرق الأوسط وأوروبا.
وتنظر باريس إلى هذه الزيارة باعتبارها فرصة ذهبية لاستعادة زمام المبادرة السياسية في ملفات المنطقة الساخنة، خاصة بعد سنوات من التراجع النسبي أمام القوى الإقليمية والدولية الأخرى التي فرضت وجودها العسكري والسياسي على الأرض السورية.
وتتجاوز أبعاد هذه الزيارة المرتقبة حدود البروتوكول الدبلوماسي لتلامس ملفات شديدة الحساسية والتعقيد تهم الجانبين بشكل مباشر وملح.
يتقدم هذه الملفات موضوع إعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية المدمرة في سوريا، وهو ملف ضخم يتطلب تدفقات مالية وخبرات تقنية واسعة لا يمكن لدمشق تأمينها دون انفتاح اقتصادي كامل على القوى الغربية وفي مقدمتها فرنسا.
ويفرض ملف مكافحة الإرهاب وضبط الأمن الإقليمي نفسه كأولوية قصوى على طاولة المباحثات، إذ تشترك الدولتان في مصلحة حيوية لمنع انبعاث التنظيمات المتطرفة وضمان استقرار الحدود، وهو ما يشكل هاجساً أمنيا مزمنا للعواصم الأوروبية التي عانت لسنوات من تداعيات الأزمة السورية الأمنية والإنسانية.
وتجسد الزيارة المنتظرة أيضاً رغبة فرنسية جادة في معالجة قضية اللاجئين السوريين في أوروبا من خلال خلق ظروف سياسية واقتصادية ملائمة تشجع على العودة الطوعية والآمنة، وهو ملف يمثل ورقة ضغط سياسية داخلية قوية في فرنسا وبقية الدول الأوروبية.
ويتطلع القادة في دمشق من جانبهم إلى أن تسهم هذه الزيارة في إعطاء دفعة قوية للعلاقة مع الغرب، مما يتيح للاقتصاد السوري التقاط أنفاسه والاندماج مجدداً في حركة التجارة والنظام المالي العالمي.
وتدرك الدبلوماسية السورية الجديدة أن كسب الثقة الفرنسية خطوة لكسب ثقة المجتمع الدولي وتثبيت أركان الاستقرار السياسي الداخلي.
وبحسب المديرية العامة للإعلام في الرئاسة السورية، فإن" وفد يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية سيرافق الرئيس الفرنسي في زيارته إلى دمشق"، معتبرةً ذلك مؤشرا على" توجه الجانبين لتعزيز التعاون الاقتصادي إلى جانب الملفات السياسية".
ولفتت المديرية في بيان إلى أن" الرئيسين أحمد الشرع وماكرون سيجريان جلسة حوار مستديرة مع الوفدين".
كما أوضحت أن" المباحثات ستتناول تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وآفاق التعاون الثنائي في مختلف المجالات، في إطار الحرص المشترك على مواصلة الحوار السياسي وتعزيز العلاقات بين البلدين".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك