يعد تاريخ الطيران الأسرع من الصوت أحد أهم إنجازات الطيران، وبدأ هذا التاريخ مع الطائرات العسكرية، ثم امتد لفترة وجيزة إلى السفر التجاري، ويستمر اليوم بصورة رئيسة في مجال الطيران العسكري، مع سعي كثير من الشركات إلى إعادة إحياء رحلات الطيران المدني الأسرع من الصوت.
اليوم تعود الطائرات المدنية الأسرع من الصوت إلى الواجهة، فبعدما حظرت الهيئات التنظيمية الأميركية هذه الرحلات فوق الولايات المتحدة القارية بسبب دوي اختراق حاجز الصوت الناتج من الطائرات، لكن يبدو أن هذا الوضع سيتغير قريباً، إذ أعلنت وزارة النقل الأميركية أن الهيئات التنظيمية تتجه نحو السماح مجدداً برحلات الطيران المدني الأسرع من الصوت فوق البلاد، بعدما أتاحت التطورات التكنولوجية الحد من آثار هذا الدويّ.
في حين أن الطائرات التجارية تطير عادةً بسرعة تراوح بين 750 و900 كيلومتر في الساعة، فإن الرحلات الجوية الأسرع من الصوت تسافر بسرعات تبلغ أو تزيد عن 1 ماخ، أي حوالى 1100 كيلومتر في الساعة أو أكثر.
ومن الواضح أن الطيران بهذه السرعات يمكن أن يقلل بصورة كبيرة من وقت السفر، ولكن كانت هناك مشكلة رئيسة واحدة فيها وهي الانفجارات الصوتية.
يحدث الهدير الصوتي عندما يتحرك جسم ما عبر الهواء بسرعة أكبر من سرعة الصوت.
وعندما يطير الجسم، يضغط جزيئات الهواء في موجات الضغط.
ومع ذلك، نظراً إلى أن الجسم يتحرك بسرعة أكبر من تلك التي يمكن أن تنتقل بها تلك الموجات، فإن الموجات تتراكم في مخروط موجة صادمة واحد يتتبع خلفه، وعندما تمر موجة الصدمة هذه فوقك تسمعها على أنها طقطقة عالية وحادة بدلاً من تراكمها مثل الصوت العادي.
ومن الواضح أن هذه الطفرات الصوتية ستكون مزعجة للغاية لأولئك الموجودين على الأرض، لذلك حظرت الولايات المتحدة الطيران الأسرع من الصوت للطائرات المدنية فوق اليابسة عام 1973.
دخلت طائرة من طائرات الركاب المدنية الخدمة التجارية المنتظمة الأسرع من الصوت، وهي" كونكورد" التي صُنعت بالاشتراك بين المملكة المتحدة وفرنسا، وكانت أولى رحلاتها عام 1976، بسرعة 2.
04 ماخ (حوالي 2180 كيلومتراً في الساعة)، وكانت قادرة على السفر من لندن إلى نيويورك في حوالى 3.
5 ساعة.
وعلى رغم سرعتها المذهلة، لم تصبح طائرة" كونكورد" خياراً شائعاً بسبب أسعار تذاكرها الباهظة، وقلة أسطولها، وارتفاع كلف تشغيلها.
وقد تسارع تراجعها بعد حادثة تحطم مميت عام 2000، والركود العام في السفر الجوي عقب أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول).
وقد أحالت الخطوط الجوية البريطانية والخطوط الجوية الفرنسية أسطول طائرات" كونكورد" إلى التقاعد عام 2003، ولم تشهد البلاد أي رحلة تجارية أسرع من الصوت منذ ذلك الحين.
وهناك طائرة" توبوليف تو- 144" التي صُنعت في الاتحاد السوفياتي، وحلّقت قبل الكونكورد بقليل، ودخلت الخدمة في رحلات ركاب محدودة، لكنها عانت مشكلات في الموثوقية، فتم إخراجها من الخدمة سريعاً.
بعد أعوام طويلة أتاحت التكنولوجيا الحديثة إمكان التخفيف من المخاوف المتعلقة بالهدير الصوتي، وأوضحت إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية أن تقنية طيران جديدة تُسمى" قطع ماخ" تستخدم تصميم الطائرة، والظروف الجوية، والسرعة، والارتفاع، جميعها معاً لجعل الهدير الصوتي ينحني وينكسر صعوداً في الغلاف الجوي.
ونظراً إلى أن هذه التقنيات تقلل بصورة كبيرة من تأثيرها في مستوى سطح الأرض، فقد قررت إدارة الطيران الفيدرالية أن القيود المفروضة تشكل عائقاً غير ضروري أمام نمو قطاع الطيران الأميركي.
بذلك فإن التطورات في هندسة الطيران، وعلوم المواد، والحد من الضوضاء، والمفاهيم التشغيلية الجديدة ستزيل الهدير الصوتي القديم، مما جعل إلغاء الحظر المفروض منذ سبعينيات القرن الماضي على الطيران الأسرع من الصوت فوق الأراضي الأميركية ممكناً، مع تقليل تأثيرات الضوضاء في السكان بالمجتمعات الواقعة على طول مسار الطيران وقرب المطارات.
نتيجة لهذه التقنية الجديدة، اقترحت إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية قانوناً يسمح مجدداً بتسيير رحلات جوية أسرع من الصوت داخل الولايات المتحدة للطائرات المدنية، وذلك باستخدام معيار اعتماد يعتمد على مستوى الضوضاء، بدلاً من الحظر الشامل على أي طائرة مدنية تسافر بسرعة ماخ واحد أو أعلى.
كذا تعتزم الإدارة اقتراح قانون آخر في وقت لاحق من هذا العام يتناول معايير ضوضاء الهبوط والإقلاع للطائرات الأسرع من الصوت.
ومن المتوقع أن تعتمد هذه القوانين بحلول عام 2027، وستوفر لمصنعي الطائرات الإرشادات اللازمة لوضع التصاميم النهائية للطائرات التي يمكن استخدامها تجارياً في المستقبل.
وبينما ستغطي هذه القوانين الرحلات الداخلية وحسب، تعمل إدارة الطيران الفيدرالية أيضاً بالتعاون مع نظيراتها من الهيئات التنظيمية حول العالم لوضع قوانين تسمح للطائرات الأسرع من الصوت بتسيير رحلات دولية فوق اليابسة.
تعمل شركات عدة على إعادة إحياء السفر الجوي التجاري الأسرع من الصوت، ومن أبرزها شركة" بوم سوبرسونيك" الأميركية التي تطور طائرة" أوفرتشر" التي ستطير بسرعة تقارب 1.
7 ماخ، والمصممة لنقل ما بين 65 و88 راكباً بسرعة 1.
7 ماخ.
وتهدف" أوفرتشر" إلى إتمام الرحلات من نيويورك إلى لندن في غضون 3.
5 ساعة وحسب، مع مراعاة مخاوف الضوضاء والأثر البيئي باستخدام محركات أكثر هدوءاً ووقود طيران مستدام، وتخطط لإطلاق أولى رحلاتها التجارية بحلول نهاية العقد الحالي.
وتسعى شركة" سبيس ترانسبورتيشن" الصينية إلى ابتكار طائرة قادرة على قطع مسافة 7000 كيلومتر بين دبي وشنغهاي في 60 دقيقة وحسب.
بينما تسعى شركة" هيرميوس" الأميركية التي أسسها موظفون سابقون في شركات" سبيس إكس" و" جينيريشن أوربت" و" بلو أوريجين"، إلى تطوير" كوارتيرهاوس إم كي 1"، وهو نموذجها الأولي لطائرة تجارية فائقة السرعة.
في عام 2020، عرضت الشركة نموذجها الأولي لمحرك قادر على تجاوز سرعة 4 ماخ، مما ساعدها على تأمين تمويل يزيد على 100 مليون دولار.
ومنذ ذلك الحين، تعمل الشركة على تطوير النموذج الأولي الأول لـ" إم كي 1"، الذي كشفت عنه عام 2024، ومن المتوقع أن يخضع للاختبارات هذا العام.
و" كوارتيرهاوس إم كي 1" هي طائرة من دون طيار تُقاد عن بعد، وتعمل بمحرك" جي إي جيه 85" النفاث التوربيني من شركة" جنرال إلكتريك"، الذي يُستخدم على نطاق واسع في الطيران العسكري منذ خمسينيات القرن الماضي.
تتمثل الفائدة الرئيسة والأكثر وضوحاً لهذه الرحلات في التقليص الكبير لأوقات السفر عبر المحيطات، إذ إن ربط الولايات المتحدة بأوروبا في ساعة واحدة وحسب سيحدث أثراً عالمياً هائلاً.
ويسافر حالياً أكثر من 500 ألف شخص سنوياً على متن الدرجة الأولى بين نيويورك ولندن، لذا فإن تقليص مدة هذه الرحلة من سبع ساعات إلى ساعة واحدة من شأنه أن يوفر أكثر من 3 ملايين ساعة سنوياً.
عندما أُخرجت طائرة" كونكورد" من الخدمة عام 2003، كان سعر التذكرة حوالي 7000 دولار، وهو أحد العوامل التي أدت إلى إيقافها، إلى جانب الحادثة المأسوية عام 2000.
في ضوء هذه الخلفية، يبرز سؤال ملح: هل ستكون العمليات التي اقترحتها شركتا" هيرميوس" أو" بوم سوبرسونيك" مجدية اقتصادياً؟تشير الدراسات إلى أن السوق المستهدفة لهذه الرحلات، أي أولئك المستعدين لدفع ثمن التذاكر، ستتألف بصورة رئيسة من مسافري الدرجة الأولى ورجال الأعمال، الذين يشكلون حوالى 12 في المئة من إجمال ركاب الرحلات دون سرعة الصوت.
كذا تشير التوقعات لعام 2050 إلى أن خطوط الطيران بين المدن التي يرجح أن تدرّ أعلى الإيرادات تشمل لندن - دبي، ونيويورك - لندن، وسان فرانسيسكو - هونغ كونغ، ولندن - مومباي، وغيرها.
ونظراً إلى الطلب عليها، وإمكانات الدخل، والمسافة بين المدن، قد تكون هذه المسارات مرشحة مثالية لرحلات الطيران الأسرع من الصوت في المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك