طهران - في كل مرة تُستأنف فيها الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق جديد بشأن البرنامج النووي، يعود إلى الواجهة سؤال ظل مطروحا منذ سنوات من دون إجابة حاسمة: هل يستطيع مثل هذا الاتفاق إحداث تحول حقيقي في السلوك الإقليمي لإيران، أم أنه لن يكون سوى هدنة مؤقتة تؤجل الصراع وتمنح الجمهورية الإسلامية فرصة لإعادة ترتيب أوراقها واستعادة قدراتها وموقعها الإستراتيجي؟ولا يقتصر هذا السؤال على الجوانب التقنية المتعلقة بنسبة تخصيب اليورانيوم أو آليات رفع العقوبات، بل يمتد إلى مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط وطبيعة توازنات القوة التي ستشكل ملامحه خلال العقد المقبل.
ويرى مؤيدو فكرة “الصفقة الكبرى” مع إيران أن لديهم منطقا متماسكا.
فالعقوبات الاقتصادية، بحسب هذا التصور، أضعفت الاقتصاد الإيراني بصورة كبيرة، ومن ثم فإن إعادة دمج طهران في الاقتصاد العالمي ستدفعها إلى إعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية بدلاً من الانخراط في الصراعات الإقليمية.
وتستند هذه الرؤية إلى فرضية مفادها أن الدولة التي تستعيد قدرتها على الوصول إلى الاستثمارات والأسواق والتمويل الدولي تصبح أقل ميلاً إلى المغامرات العسكرية وأكثر اهتماما بتحسين أوضاعها الداخلية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وبذلك يُفترض أن تعيد المصالح الاقتصادية صياغة الحسابات السياسية للنظام، وأن يختار الازدهار الاقتصادي على حساب التوسع الخارجي عندما تتوافر له الفرصة.
ومن أبرز المكاسب التي يمكن أن تحققها إيران من أي اتفاق جديد استعادة إمكانية الوصول إلى الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، والتي بقيت لسنوات خارج متناول الحكومة الإيرانية بفعل العقوبات الأميركية والدولية.
ومن شأن الإفراج عن جزء من هذه الأموال أو كلها أن يمنح طهران هامشا ماليا مهما في وقت تعاني فيه من تضخم مرتفع، وتراجع مستمر في قيمة العملة المحلية، وارتفاع تكاليف المعيشة.
غير أن أهمية هذه الأموال لا تكمن في قيمتها الاقتصادية فحسب، بل أيضا في الرسالة السياسية التي تحملها، إذ إن الإفراج عنها يعني عمليا الانتقال من سياسة “الضغط الأقصى” إلى مرحلة جديدة عنوانها الانخراط والتفاوض بين واشنطن وطهران.
ويشكل الاتفاق النووي المبرم عام 2015 نموذجا مهما لاختبار هذه الفرضيات.
فقد رأت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما آنذاك أن الاتفاق سيعزز نفوذ التيار المعتدل داخل النظام الإيراني، وأن المكاسب الاقتصادية ستدفع القيادة الإيرانية إلى إعادة ترتيب أولوياتها.
إلا أن النتائج جاءت مختلفة إلى حد بعيد.
فقد حصلت إيران على مساحة أوسع للحركة الاقتصادية والسياسية، لكن ذلك لم ينعكس في صورة انفتاح داخلي أو تراجع في مشروعها الإقليمي.
وعلى العكس، شهدت تلك المرحلة توسعا في نفوذ “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري، وتعزز حضور القوى الحليفة لطهران في عدد من ساحات الشرق الأوسط.
وبمعنى آخر لم تُستخدم الموارد الجديدة لتقليص أدوات النفوذ الإقليمي، بل أسهمت في تعزيزها، وهو ما أثار شكوكا واسعة حول الفرضية التي تربط تلقائيا بين الانفتاح الاقتصادي وتغيير السلوك السياسي.
ويقول الباحث خالد الجابر، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنترست الأميركية، إن إحدى أبرز الإشكاليات في تحليل السلوك الإيراني تتمثل في أن الكثير من الدراسات الغربية والعربية تعاملت مع البرنامج النووي باعتباره جوهر الخلاف بين واشنطن وطهران، في حين أن الواقع يشير إلى أن هذا الملف ليس سوى أحد مكونات مشروع إستراتيجي أوسع.
فنفوذ إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن لم ينشأ بسبب برنامجها النووي، بل يستند إلى عقيدة سياسية تعتبر أن أمن الجمهورية الإسلامية لا يتحقق داخل حدودها الجغرافية فقط، وإنما من خلال شبكة من الحلفاء والشركاء تمتد خارج الحدود، بما يمنحها القدرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية.
ومن هذا المنطلق، فإن تعليق تخصيب اليورانيوم أو تخفيف العقوبات لا يعنيان بالضرورة حدوث تحول جذري في الإستراتيجية الإيرانية.
ولهذا قد ينجح أي اتفاق محدود في احتواء أزمة معينة، لكنه لن يجيب عن السؤال الأكثر أهمية: هل تغيرت رؤية النظام الإيراني لدوره الإقليمي، أم أن التفاوض يقتصر على أدوات هذا المشروع، فيما تبقى أهدافه الأساسية على حالها؟ويرى مؤيدو التفاوض مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إيران اليوم تختلف كثيرا عن إيران عام 2015.
فشبكاتها الإقليمية تعرضت لخسائر ملموسة، والعقوبات استنزفت مواردها، كما تغيرت موازين القوى في المنطقة بصورة لافتة.
وانطلاقا من ذلك يعتقد هؤلاء أن القيادة الإيرانية ستكون أكثر ميلاً إلى التركيز على إعادة بناء الداخل، وقد تبدي استعدادا لتقديم تنازلات في ملفات السياسة الخارجية مقابل استعادة اقتصادها وتقليص الضغوط الداخلية.
وقد عبّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن هذا التوجه خلال شهادته أمام الكونغرس مطلع يونيو، عندما اعتبر أن الحرب دفعت إيران إلى طاولة المفاوضات، مشيرا إلى أنها وافقت للمرة الأولى على مناقشة جوانب من برنامجها النووي كانت ترفض حتى التطرق إليها قبل أسابيع قليلة.
لكن هذا الطرح، بحسب الجابر، يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الأنظمة السياسية نادرا ما تتخلى عن العقائد التي تستند إليها شرعيتها.
فإذا كانت عقود من الضغوط العسكرية والاقتصادية لم تدفع إيران إلى مراجعة فلسفتها السياسية، فمن الصعب الافتراض أن تدفق موارد مالية جديدة سيكون كافيا لإحداث هذا التحول.
وتشير تجارب تاريخية عديدة إلى أن الدول التي تشعر بوجود تهديدات أمنية تميل إلى توجيه أي موارد إضافية نحو تعزيز قدراتها العسكرية والأمنية قبل إعطاء الأولوية للإصلاح الاقتصادي أو الانفتاح السياسي.
ومن ثم، فإن افتراض أن الأموال التي سيُفرج عنها ستذهب تلقائيا إلى تحسين الأوضاع المعيشية يظل افتراضا غير محسوم.
فقد ترى القيادة الإيرانية أن الأولوية تكمن في تعزيز قدرات الردع وإعادة بناء شبكات النفوذ، انطلاقا من الاقتناع بأن الصراع مع خصومها الإقليميين والدوليين لم ينته بعد.
وهنا تحديدا تتجلى الفجوة بين ما يأمله المجتمع الدولي من الاتفاق النووي، وما تمليه الحسابات الأمنية والإستراتيجية للنظام الإيراني.
ولا يعني ذلك أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران سيكون عديم الجدوى، أو أنه ينبغي رفضه مسبقا.
فخفض التصعيد ومنع اندلاع مواجهة عسكرية واسعة يمثلان مصلحة مشتركة لجميع الأطراف، لأن استمرار الصراع يحمل كلفة مرتفعة على المنطقة بأسرها.
غير أن المبالغة في الرهان على الاتفاق بوصفه أداة لتغيير طبيعة الجمهورية الإسلامية قد تقود إلى استنتاجات غير واقعية.
فالخبرة التاريخية تشير إلى أن الاتفاقات السياسية تُستخدم غالبا لإدارة الصراعات وتنظيمها، لا لإنهائها أو تغيير العقائد التي أنتجتها.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بقدرة الاتفاق على تجميد البرنامج النووي أو رفع العقوبات فحسب، وإنما بما إذا كان سيقود إلى تغيير فعلي في السلوك الإقليمي الإيراني، أم أنه سيمنح طهران وقتا ومساحة مالية لإعادة بناء القدرات نفسها التي كانت موضع قلق خصومها طوال السنوات الماضية.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون مستقبل الشرق الأوسط مرهونا بما ستتضمنه بنود الاتفاق النووي بقدر ما سيكون مرتبطا بما سيحدث في اليوم التالي لتوقيعه: كيف ستستخدم إيران مواردها الجديدة؟ وهل ستوجهها نحو معالجة أزماتها الاقتصادية الداخلية، أم ستعتبرها فرصة لإعادة ترميم مشروعها الإقليمي واستعادة أدوات نفوذها؟ فالإجابة عن هذا السؤال، أكثر من نصوص الاتفاق نفسها، هي التي سترسم ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك