لم يعد ملف أحداث السويداء يقف عند حدود توثيق الانتهاكات ورصدها، بل دخل مرحلة المحاسبة القضائية مع انطلاق المحاكمات العلنية في الأول من تموز 2026، في خطوة تُعد اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة السورية على ترسيخ سيادة القانون.
وبين تطلع الضحايا إلى إنصاف طال انتظاره، وسعي الدولة إلى ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، تبرز أسئلة جوهرية: هل تكفي المحاكمات لمعالجة تداعيات الأحداث؟ وهل تمثل العدالة بداية طريق المصالحة واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع؟جلسات علنية وتحفظات على البثوخلال حلقة برنامج" سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا قال عمار عز الدين، المتحدث باسم لجنة التحقيق في أحداث السويداء، إن جلسة المحاكمة الأولى كانت علنية ومفتوحة للحضور، موضحا أن بثها عبر وسائل الإعلام ليس شرطا من شروط العلنية.
وأشار إلى أن عدم بث الجلسة جاء مراعاة لخصوصية بعض الضحايا وذويهم، مؤكدا أن اللجنة زوّدت تلفزيون سوريا بصور من الجلسة تُظهر حضور عدد من الأشخاص.
في المقابل، رأى نجيب أبو فخر، مؤسس تيار" سوريون وسنكون"، أن عدم بث المحاكمة شكّل مؤشرا سلبيا بالنسبة لذوي الضحايا، معتبرا أن مستوى العلنية يجب أن يكون متناسبا مع حجم الشرخ المجتمعي الذي خلّفته الأحداث.
المحاسبة للجميع.
لا مظلومية لطرف واحدأكد عز الدين أن توصيات لجنة التحقيق شددت على محاسبة جميع المتورطين من مختلف الأطراف، سواء كانوا من عناصر الأمن الداخلي أو وزارة الدفاع أو العشائر أو الفصائل المسلحة في السويداء.
وأوضح أن المسار القضائي يختلف بحسب صفة المتهم وطبيعة الجرم، فالعناصر المنتمون إلى المؤسسات العسكرية والأمنية يحالون عبر القضاء العسكري، بينما قد يحاكم مدنيون أمام القضاء العسكري أو المدني وفق توصيف النيابة العامة للجريمة.
وأضاف أن القضاء العسكري بعد التحرير أصبح تابعا لوزارة العدل، وأن القضاة باتوا مدنيين، كما أصبح بإمكانه الحكم بالتعويضات للمتضررين، لا الاكتفاء بالعقوبة الجزائية.
شدد أبو فخر خلال الحلقة على أن العدالة لا تكتمل بمحاسبة المنفذين وحدهم، بل يجب أن تشمل من حرّضوا وخططوا ودفعوا باتجاه العنف.
وقال إن أهالي السويداء لن يشعروا بجدية المسار القضائي ما لم تطل المحاسبة الفاعل الحقيقي والمعنوي والمخفي، مضيفا أن هناك أسماء معروفة حرّضت على العنف ويجب ألا تبقى خارج دائرة المساءلة.
ورد عز الدين بأن تقرير اللجنة خصص فقرة كاملة للتحريض الطائفي والعنصري، مشيرا إلى أن بعض المتهمين في جرائم موثقة، من بينها حوادث مرتبطة بالمشفى ومضافة سرايا، جرى توقيفهم أو إدراجهم ضمن مذكرات البحث.
العدالة بوابة لترميم الثقةمن جانبه رأى الباحث والمحلل السياسي عمر إدلبي أن المحاكمات تمثل تحولا مهما في كسر حصانة الأجهزة الأمنية والعسكرية من المحاسبة، لكنه أكد أن المسار وحده غير كاف لطمأنة جميع الأطراف.
وأوضح أن مشكلة السويداء ليست حقوقية فقط، بل سياسية ومجتمعية أيضا، مشيرا إلى وجود تدخلات خارجية، وفي مقدمتها الدور الإسرائيلي، أسهمت في تعقيد الملف ومنع الوصول إلى حل مبكر.
واعتبر إدلبي أن العدالة الشاملة يمكن أن تعزز ثقة السوريين في السويداء بمؤسسات الدولة، وتحرج قوى الأمر الواقع التي تستثمر في استمرار الأزمة.
أكد عز الدين أن المحاسبة ليست سوى المسار الأول ضمن حزمة أوسع تشمل جبر الضرر، والتعويض، ومتابعة ملف المختطفين والمختفين، وإصلاح المؤسسات الأمنية، ومكافحة خطاب الكراهية، وتعزيز المصالحة المجتمعية.
أما أبو فخر فشدد على أن أهالي السويداء ينتظرون خطوات ملموسة، تبدأ بكشف مصير المفقودين، والإفراج عن غير المتورطين، والتعويض على المتضررين، والتعامل مع جميع السوريين على أساس المواطنة والكرامة.
وختم بالقول إن أهل السويداء، إذا رأوا حلا منصفا وعادلا، سيقفون معه، مؤكدا أن المحاكمات يمكن أن تكون مدخلا حقيقيا لرأب الصدع إذا لم تُسيس، وإذا وُضعت الضحية في مركز العدالة لا في هامشها.
واتفق الضيوف على أن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات تمثل مدخلا أساسيا لمعالجة تداعيات أحداث السويداء، إلا أنهم أكدوا أن الحل لا يقتصر على الأحكام القضائية، بل يتطلب استكمال مسارات أخرى تشمل حماية المدنيين، وضبط السلاح، وإصلاح المؤسسات الأمنية، ومكافحة خطاب الكراهية، وكشف مصير المفقودين، وتعويض المتضررين، وإطلاق مصالحة مجتمعية شاملة.
وفي ظل استمرار تعقيدات الملف، تبدو المحاكمات الحالية اختبارا لقدرة الدولة السورية على ترسيخ مبدأ سيادة القانون، وتحقيق عدالة متوازنة تعيد الثقة للمجتمع، وتفتح الباب أمام معالجة واحدة من أكثر الأزمات الداخلية حساسية في مرحلة ما بعد الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك