قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة | الثأر السياسي الإيراني.. ورقة ضغط أم عقبة أمام المفاوضات مع واشنطن؟ قناة الشرق للأخبار - روسيا تعلن الاستنفار.. تصريحات حاسمة من الكرملين بشأن التهديدات الأوكرانية الليوان - عامر صار جاسوس ويراقب أبوه😂 beIN SPORTS-YouTube - ‫الحلقة 30 | الكلمة الأخيرة قناة القاهرة الإخبارية - نشرة أخبار التاسعة مساءً من القاهرة الإخبارية قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة - هل تتجه الولايات المتحدة إلى استرضاء إيران؟ قناة الغد - مجتبى بور لـ«الغد»: قمة خليجية إيرانية مرتقبة بالرياض لبدء حوار مشترك العربي الجديد - العواصف تُربك تدريبات مصر والأرجنتين قبل مواجهة المونديال إيلاف - كيف يختلف النظام الإيراني الجديد اختلافاً كبيراً عما كان قبله؟ قناة الغد - «بربري ووحشي».. الجامعة العربية تدين نسف حي كامل جنوبي لبنان
عامة

عِفريت لا يموت.. إدوارد سعيد والاستشراق فى عصر الخوارزميات

الشروق
الشروق منذ ساعتين

فى عام 1978، كتب فلسطينى المنشأ يعيش فى قلب نيويورك كتابًا ظنّ كثيرون أنه سيُغلق ملفًا. أراد إدوارد سعيد أن يُسمّى الشىء باسمه: الغرب لا يصف الشرق، بل يخترعه. لا يدرسه، بل يسجنه فى صورة. ولم يكن ذلك ب...

فى عام 1978، كتب فلسطينى المنشأ يعيش فى قلب نيويورك كتابًا ظنّ كثيرون أنه سيُغلق ملفًا.

أراد إدوارد سعيد أن يُسمّى الشىء باسمه: الغرب لا يصف الشرق، بل يخترعه.

لا يدرسه، بل يسجنه فى صورة.

ولم يكن ذلك بريئًا.

كان سلاحًا.

مضى على صدور «الاستشراق» سبعة وأربعون عامًا.

ورحل سعيد فى 2003.

لكن لو قُدّر له أن يجلس معنا اليوم ويفتح هاتفه ليتصفح الأخبار.

ماذا كان سيرى؟الجواب المؤلم: كان سيرى كتابه لم يُقرأ بعد.

لم يعد الاستشراق يحتاج إلى لوحات زيتية تُصوّر «حريم الشرق الغامض»، ولا إلى رحالة أوروبيين يكتبون عن «همجية الأعراب».

الأمر أكثر ذكاءً الآن، وأشد فتكًا: صار مُدمَجًا فى الخوارزميات، مُشفّرًا فى خطابات السياسيين، متخفيًا فى لغة «مكافحة الإرهاب» و«حقوق الإنسان».

فقد كشفت دراسة أكاديمية محكّمة نُشرت عام [1] 2018 أن المسلمين يتسببون فى عُشر الوفيات الناجمة عن الإرهاب مقارنةً بالمتطرفين اليمينيين البيض فى كندا لكنهم يحصلون على مرة ونصف التغطية الإعلامية.

بمعنى أوضح: الجريمة أقل، والصورة أكبر.

كان سعيد سيقول: هذه ليست صدفة.

هذا نظام.

قصة أوكلاهوما التى لم تتعلم منها أمريكا شيئًا.

كان سعيد قد روى بنفسه حادثةً كاشفة تلخّص كل شىء.

فى أبريل 1995، انفجرت قنبلة ضخمة فى مبنى حكومى بأوكلاهوما سيتيى.

وفى غضون نصف ساعة من الحادثة، تلقّى مكتبه فى كولومبيا خمسةً وعشرين اتصالا من كبرى شبكات الإعلام الأمريكية تطلب منه تفسير «دوافع إرهابيى الشرق الأوسط».

المنفذ الحقيقى كان تيموثى ماكفى.

أمريكى أبيض.

من «الداخل» تمامًا.

لكن الذاكرة الاستشراقية الغربية لا تحتاج إلى دليل.

يكفيها انفجار لتقفز مباشرة إلى «العرب».

وهذه القفزة اللاواعية هى ما يُسميه سعيد نجاح الاستشراق الحقيقى: حين يصير حكمًا مسبقًا لا يحتاج إلى مُقدّمة.

وبعد ثلاثة عقود، لم تتعلم أمريكا الدرس.

ما إن يقع حادث حتى ينهار الخطاب الإعلامى إلى نفس المعادلة الصدئة.

قبل سنوات، كنتُ أُدرِّس مادة الاستشراق فى جامعة بينجهامتون بولاية نيويورك.

فى إحدى المحاضرات، طلبتُ من طلابى، وكان بينهم عرب ومسلمون نشأوا فى الغرب، أن يأخذوا ورقة بيضاء ويكتبوا بصدق تام أول ما يتبادر إلى أذهانهم حين يسمعون كلمات بعينها.

قلتُ: «الصحراء».

كتبوا: العرب، الجِمال، الخيمة.

قلتُ: «الحريم».

كتبوا: النساء، الشرق، الغموض.

كتبوا جميعًا، دون استثناء واحد، كلمتَى: «الإسلام» و«العرب».

توقفتُ عن الكلام.

وتوقفوا هم أيضًا.

ثم نظر بعضهم إلى أوراقهم بذهول، وكان من بينهم طلاب مسلمون من أصول عربية كتبوا بأيديهم، عن أنفسهم وعن دينهم، ما كان المستشرق الأوروبى القديم سيكتبه بالضبط.

لم يكن اللوم عليهم.

كان هذا هو الدليل الأكثر إيلامًا على ما كتب عنه سعيد: حين تنجح الصورة النمطية فى اختراق وعى أصحابها أنفسهم، فهى لم تعد صورةً خارجية، بل صارت مرآةً داخلية يرى فيها الإنسان نفسه بعيون غيره.

الربيع العربى: حين أعاد الاستشراق تقديم نفسه.

كان يمكن لأحداث 2011 أن تكون لحظة انعطاف حقيقية.

ملايين العرب فى الشوارع يطالبون بالحرية والكرامة والديمقراطية.

أليس هذا ما يُريده الغرب؟لكن الخطاب الإعلامى الغربى لم يتأخر فى إعادة تصنيف المشهد.

بدلا من رؤية شعوب تثور من أجل مستقبل أفضل، راح التعليق السائد يتساءل: «هل يصلح العرب للديمقراطية؟ » و«كانوا أفضل فى ظل الديكتاتور».

المعادلة الاستشراقية القديمة نفسها بلغة معاصرة: الشرقى طفل لا يعرف ما يريد، ويحتاج إلى وصىّ.

سعيد قرأ هذا النمط فى حياته وكتب عنه.

ولو رأى 2011، لقال: هذا بالضبط ما حذّرت منه.

لكن المفارقة الأشد قسوةً ليست فى الغرب، بل هنا.

فى قلب العالم العربى نفسه.

رصد سعيد ظاهرةً أسماها «الاستشراق الذاتى» حين يُعيد الشرقى إنتاج الصورة النمطية عن نفسه.

حين يُقدّم الفنان أو المصمم أو حتى المسئول بلاده للآخر بصورة الغرابة والإثارة والتخلف، ظانًا أنه يُسوّق جمالًا، وهو فى الحقيقة يُسوّق خضوعًا.

هذا ليس ضعفا فرديا.

هذا نتيجة طبيعية لعقود من الهيمنة الثقافية والإعلامية.

حين تسمع طويلا أنك أقل، وتتلقى هذه الفكرة من كل اتجاه.

من المدرسة إلى السينما إلى الأخبار.

تبدأ تُصدّق.

وحين تُصدّق، تُعيد الإنتاج.

وصف سعيد النخب العربية التى تتصرف وفق المنطق الاستشراقى بأنهم «ولاة إمبراطوريون» يخدمون الهيمنة من الداخل، ربما دون أن يدركوا ذلك.

وهذا أخطر من العدو الخارجى، لأنه يسكن البيت.

المفارقة الكبرى: من يسمع صوتك؟واحدة من أعمق المفارقات فى مسيرة سعيد أن صوته وصل إلى العالم لأنه كان يتحدث من قلب إمبراطورية نيويورك، بلغتها، وعبر مؤسساتها.

كان فى جامعة كولومبيا، ينشر بالإنجليزية، ويحتج بفوكو وغرامشى على جمهور غربى يعرف فوكو وغرامشى.

هل كان سيُسمع لو كان فى القاهرة؟ فى بيروت؟ ربما نعم.

لكن بصوت أخفت وجمهور أصغر.

وهذا يكشف إشكاليةً بنيوية مؤلمة: حتى نقد الهيمنة الغربية يحتاج إلى منصة غربية ليصل.

كان سعيد يعرف ذلك، ويتعامل معه بقلق واضح.

كتب: «كثير من الاستثمار الشخصى فى هذه الدراسة ينبع من وعيى بأننى كنت شرقيًا طفلًا نشأ فى مستعمرتَين بريطانيتَين.

«كان من الداخل والخارج» فى آنٍ واحد.

وهذا التوتر هو ما حوّل كتابه من نظرية أكاديمية إلى جرح مفتوح.

ليس انتصارًا، بل مهمة لم تكتمل.

لو عاد سعيد اليوم، لما احتفل.

كان سيجد كتابه فى كل مكتبة جامعية، ونظريته فى كل مناهج الدراسات الثقافية.

لكنه كان سيُدرك أن الجائزة الأكاديمية لم تُغيّر شيئًا على أرض الواقع.

المهمة الحقيقية لم تكن كتابة «الاستشراق»، بل تغيير البنى المعرفية والإعلامية التى أنتجته.

وتلك البنى لا تزال قائمة، بل صارت أكثر تطورًا.

الأمل الوحيد الذى كان سعيد يُصرّ عليه: ليس العزلة، ليس رفض التواصل، بل الحوار النقدى… حوار يرفض الهيمنة ولا يرفض الآخر، ويُصرّ على أن الشرق يملك حق الكلام عن نفسه.

ليس بصوت مُستعار، وليس بلغة مُستعارة، وليس من منصة مُستعارة.

هذا هو الاستشراق الذى رفضه.

وهذا هو التحرر الذى لم يكتمل بعد.

أستاذ مشارك (ودكتور حاصل على درجة الدكتوراه فى الدراسات الأمريكية من جامعة جورج واشنطن)[1] Kanji, Azeezah.

" Framing Muslims in the 'War on Terror': Representations of Ideological Violence by Muslim versus Non-Muslim Perpetrators in Canadian National News Media.

" Religions 9, no.

9 (2018): 274.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك