أكد العميد طارق العكاري، المتخصص في الاقتصاد العسكري والاستراتيجي، أن افتتاح مركز القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية" الأوكتاجون" يمثل نقلة نوعية في فلسفة العسكرية المصرية، مشيرًا إلى أن ظهور الرئيس عبد الفتاح السيسي مرتديًا الزي العسكري يحمل رسالة واضحة للداخل والخارج تؤكد الارتباط الوثيق بين الشعب المصري وقواته المسلحة.
وأوضح العكاري، خلال تواجده ضيفا ببرنامج الحياة اليوم المذاع عبر فضائية الحياة، أن الرئيس السيسي بحكم كونه وزير الدفاع الأسبق والقائد الأعلى للقوات المسلحة، فإن ارتداءه الزي العسكري يعكس رسالة استراتيجية مفادها أن المصريين لا ينفصلون عن جيشهم، وأن المؤسسة العسكرية تمثل أحد أهم ركائز الدولة المصرية.
تطور طبيعة الحروب فرض إنشاء مركز قيادة جديدوأشار إلى أن طبيعة الحروب الحديثة تغيرت بصورة كبيرة مقارنة بالماضي، موضحًا أنه في السابق كان الاهتمام ينصب على تقليل الزمن اللازم لنقل المعلومات من الوحدات التعبوية إلى مراكز العمليات، إلا أن الحروب الحالية أصبحت تعتمد بصورة أساسية على التكنولوجيا والحروب السيبرانية وحروب الجيلين الخامس والسادس.
وأضاف أن العدو في الوقت الراهن يبدأ عملياته بمحاولة اختراق البنية الرقمية للدولة، وعلى رأسها شبكات الكاميرات وأنظمة الاتصالات، فيما يُعرف بـ" اقتصاد التجسس"، حيث يتم تحليل حركة الدولة وأنماط المواطنين لفترات طويلة قبل تنفيذ أي تحرك عسكري أو أمني.
اقتصاد التجسس أصبح المرحلة الأولى في الحروب الحديثةوأوضح أن مفهوم" اقتصاد التجسس" يعتمد على دراسة الدولة المستهدفة لسنوات، من خلال اختراق كاميرات المراقبة، وتحليل أنماط الحركة والازدحام، ودراسة البنية التحتية، بما يساعد على تحديد أفضل توقيت لإحداث الشلل في حركة الدولة أو تعطيل تحركات القوات العسكرية.
وأضاف أن جميع الحروب الحديثة خلال السنوات العشر الأخيرة كان هدفها الأساسي هو" قطع الرأس"، أي استهداف مراكز القيادة وصناع القرار قبل استهداف الوحدات العسكرية، بما يؤدي إلى تعطيل منظومة القيادة والسيطرة.
مركز القيادة الاستراتيجية محصن ضد الاختراق السيبرانيوأكد العكاري أن أهم ما يميز" الأوكتاجون" هو أنه لا يمثل مجرد مركز قيادة عسكرية، وإنما منظومة متكاملة تربط القيادة المدنية والعسكرية داخل بيئة مؤمنة بالكامل.
وأوضح أن المركز يمتلك شبكاته الخاصة وخوارزمياته وتردداته المستقلة، ولا يعتمد على الشبكات التقليدية، بما يجعله غير قابل للاختراق أو التجسس أو التشويش، إضافة إلى وجود عدة طبقات متقدمة من أنظمة الأمن السيبراني لحماية المعلومات والاتصالات السرية.
وأشار إلى أن المركز يوفر بيئة آمنة لإدارة الاجتماعات العسكرية والاستراتيجية دون التعرض لأي عمليات تنصت، خاصة في ظل التطور الكبير الذي شهدته وسائل التجسس الإلكتروني.
إدارة العمليات العسكرية في جميع الاتجاهات الاستراتيجيةوأضاف أن المركز الجديد يمنح الدولة المصرية القدرة على إدارة العمليات المشتركة في البحر الأحمر والبحر المتوسط والحدود الشرقية والغربية بصورة لحظية، من خلال منظومة قيادة وسيطرة متكاملة.
وأوضح أن فلسفة الحروب الحديثة تقوم على فصل القيادة عن القوات المنتشرة على الأرض، وهو ما يجعل وجود مركز قيادة محصن ومستقل ضرورة استراتيجية لضمان استمرار السيطرة على جميع الوحدات العسكرية في مختلف الاتجاهات.
الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية في خدمة متخذ القراروأشار العكاري إلى أن" الأوكتاجون" يعتمد على أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي في دعم اتخاذ القرار، من خلال دمج البيانات الواردة من الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار والشبكات الأرضية داخل منظومة واحدة تعرض المعلومات لحظيًا أمام متخذ القرار.
وأضاف أن المركز يمتلك أنظمة أمن سيبراني مدعومة بالذكاء الاصطناعي تضم أكثر من سبع طبقات حماية لتأمين البيانات السرية ومنع أي محاولة لاختراقها.
11 طبقة اتصالات بديلة لضمان استمرار القيادة والسيطرةوأكد أن منظومة الاتصالات داخل المركز تعتمد على عدة بدائل، بحيث إذا تعرض أحد خطوط الاتصال لأي استهداف أو انقطاع، يتم الانتقال تلقائيًا إلى خطوط بديلة، موضحًا أن منظومة الاتصالات تمتلك ما يصل إلى 11 طبقة مختلفة لضمان استمرار القيادة والسيطرة في جميع الظروف.
كما أشار إلى أن المركز مزود بتحصينات تحت الأرض ومخابئ مقاومة للانفجارات العنيفة، فضلًا عن أنظمة طاقة احتياطية تضمن استمرار تشغيل المركز حتى في حال استهداف مصادر الطاقة الرئيسية.
تكامل غير مسبوق بين المؤسسات العسكرية والمدنيةوأوضح العميد طارق العكاري أن جميع الأجهزة المعلوماتية والأمنية بالدولة أصبحت تعمل بصورة متكاملة داخل المركز، بما يتيح سرعة تبادل المعلومات واتخاذ القرار الفوري، دون الحاجة إلى الاعتماد على التقارير التقليدية أو الاتصالات المنفصلة بين الجهات المختلفة.
وأشار إلى أن التكامل لا يقتصر على الأجهزة الأمنية فقط، بل يشمل أيضًا البيانات الاقتصادية والتموينية والمالية واللوجستية، بما يمنح متخذ القرار رؤية شاملة لأي أزمة أو تهديد محتمل.
الاقتصاد أصبح جزءًا من إدارة الحروبوأضاف أن إدارة الحروب الحديثة أصبحت تعتمد بصورة كبيرة على دراسة القدرات الاقتصادية للدول، مثل حجم المخزون الاستراتيجي من السلع والموانئ ومصادر الإمداد، مؤكدًا أن هذه المعلومات أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة اتخاذ القرار العسكري.
وأوضح أن ما يسمى بـ" اقتصاد التجسس" أصبح يمثل وسيلة استباقية تعتمد عليها الدول قبل الدخول في أي مواجهة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية.
البحر الأحمر يحتاج إلى قوة إقليمية قادرة على تأمينهوأكد العكاري أن مصر تمتلك دورًا محوريًا في تأمين البحر الأحمر، مشيرًا إلى أن مصر والمملكة العربية السعودية هما الدولتان الوحيدتان القادرتان عسكريًا على تأمين الممر الملاحي بالكامل.
وأضاف أن بعض الدول المطلة على البحر الأحمر لا تمتلك القدرات العسكرية اللازمة، بينما توجد أطراف أخرى تستفيد من حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وهو ما يجعل وجود مركز قيادة استراتيجي متطور ضرورة لحماية الأمن القومي المصري وتأمين المصالح الإقليمية.
واختتم العكاري تصريحاته بالتأكيد على أن" الأوكتاجون" يمثل عاصمة دفاعية تجمع بين مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية داخل منظومة واحدة، بما يعزز قدرة الدولة المصرية على إدارة الأزمات والتعامل مع التحديات الإقليمية والدولية بكفاءة وسرعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك