إثر جمود الملفات السياسية، شهد الواقع الأمني والعسكري في منطقة الخليج تصعيدا ملحوظا، بالتزامن مع تراجع معدلات حركة الملاحة البحرية وتعرض ناقلات تجارية لعمليات تشويش ورسائل لاسلكية مجهولة المصدر.
وفي هذا السياق، بحثت ليلى الشيخلي في فقرة" سياق الحدث" – على شاشة الجزيرة – ملف صراع الإرادات الدولي في مضيق هرمز، مستعرضة التهديدات العسكرية المتبادلة بين واشنطن وطهران، والتحركات الأوروبية المستجدة لتسيير قوة بحرية مشتركة لكسح الألغام وتأمين تدفق إمدادات الطاقة العالمية.
list 1 of 1الأقصر والأعمق والأعرض.
الغاطس المائي العُماني يغير قواعد الملاحة في هرمزوصرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لموقع أكسيوس (Axios)، عن توافق بين واشنطن وطهران على" أخذ استراحة لمدة أسبوع من المحادثات" إلى حين انتهاء مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، مع تأكيده التزام الطرفين بعدم إطلاق أي النار على الآخر خلال فترة التشييع.
وأبدى الرئيس الأمريكي في الحوار ذاته دهشته من رؤية حشود من الإيرانيين في الجنازة، معلقا أنه تفاجأ برؤيتهم يبكون بعد أن كان يعتقد أن السكان لا يؤيدونه.
كما قال إن الإيرانيين يتوسلون لإبرام اتفاق، وإنه يتابع مراسم تشييع خامنئي، وبإمكانه القضاء على الجميع" لكن لن يبقى أحد للتفاوض معه" حسب تعبيره.
وفي المقابل، جاء الرد الإيراني على لسان نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، الذي وجه تحذيرا للتحالف الغربي من مغبة الإقدام على أي تحرك عسكري أو أمني في الممر المائي.
وشدد غريب آبادي على أن الدول الساحلية المطلة على المضيق هي المسؤولة وحدها وبشكل حصري عن ضمان أمن الملاحة، مؤكدا أن مضيق هرمز لن يكون ساحة استعراض عسكري للقوى غير الإقليمية.
وعلى الخارطة التفاعلية، فككت سلام خضر جغرافية المسارات البحرية الثلاثة التي تحكم حركة المرور في أضيق نقطة بالخليج، وهي:المسار الأزرق الشمالي الذي يسيطر عليه الحرس الثوري الإيراني ويمر بمحيط جزيرة لارك الخاضع لرقابة الحرس الثوريالمسار الأخضر الجنوبي الممر البديل الذي اقترحته سلطنة عُمان بالقرب من شواطئها لتلافي مناطق الاحتكاك الإيرانيةالمسار الدولي التاريخي المعترف به دوليا والذي يمر في منتصف مضيق هرمز.
وأبرز التحليل العسكري طبيعة التهديدات الميدانية التي تواجه الملاحة وفي مقدمتها" أسطول البعوض"، وهو الاسم التكتيكي لشريحة الزوارق الحربية السريعة التابعة للبحرية الإيرانية والمخصصة لعمليات الاعتراض السريع.
وحذر الحرس الثوري عبر بياناته من أن أي مسار بديل لن يكون آمنا بالكامل وقد يحتوي على ألغام بحرية تملك طهران وحدها خرائط توزيعها، لافتا إلى أن أي تحرك عسكري غربي عشوائي قد يفجر مواجهة عارمة في المنطقة، وتزامن ذلك مع إعلان فرنسا وبريطانيا وبدعم ألماني الاستعداد لنشر قوة بحرية متعددة الجنسيات لكسح الألغام وحماية السفن.
وفي قراءة سياسية للحدث، ذكر الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط محجوب الزويري، أن طهران تعمد إلى استخدام ورقة مضيق هرمز بشكل مكثف لتعويض التراجع النسبي في نفوذها الإقليمي وللتخفيف من الضغوط المسلطة على برامجها الصاروخية والنووية، معتبرا أن المضيق هو الورقة الأخيرة التي تمسك بها الدبلوماسية الإيرانية لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية في أي مفاوضات شاملة.
وأشار الزويري إلى بروز إستراتيجية متبادلة وضابطة للصراع بين واشنطن وطهران تسمى المحافظة على الوضع القائم، إذ ترفض إدارة ترمب تقديم تنازلات اقتصادية كبرى وتكتفي بمنح إعفاءات مالية محدودة وصفها بالقطّارة الأمريكية.
وفي المقابل ترفض طهران التخلي عن ورقة الضغط البحرية وإزالة الألغام وفتح المضيق كاملا قبل نيل عوائد اقتصادية حقيقية متمثلة في رفع الحظر الشامل عن النفط واستعادة الأرصدة المحتجزة في الخارج.
وخلص سياق الحدث إلى رسم سيناريوهين أساسيين لمستقبل الممر المائي:السيناريو الأول (استمرار الوضع الراهن وتكريس الاستقطاب): يقوم هذا السيناريو على بقاء واقع الحال كما هو عليه عبر تسجيل مناوشات واشتباكات بحرية متقطعة بين الحين والآخر، مع إصرار إيران على حصر الملاحة وحمايتها ضمن المسار الشمالي الأزرق الذي تسيطر عليه.
ويعد هذا الخيار بمثابة حالة اختبار قوة يومي متبادل بين واشنطن وطهران، وهو السيناريو الأكثر ترجيحا في الوقت الحالي بمرور نحو 20 يوما على توقيع مذكرة التفاهم الأولية في سويسرا دون إحراز تقدم ملموس.
السيناريو الثاني (الانفتاح الملاحي الشامل والعودة للتفتيش الدولي): ويتضمن هذا السيناريو العودة بالكامل إلى وضع ما قبل التوترات الأمنية بحيث يغدو المضيق مفتوحا بالكامل بجميع مساراته الثلاثة على مسافة 33 كيلومترا دون عوائق لوجستية أو ميدانية أو فرض رسوم إيرانية منفردة.
ويظّل هذا الخيار مؤجلا ومشروطا بحدوث اختراق دبلوماسي حقيقي وتقدم جوهري في بنود المفاوضات السياسية الشاملة المقررة في خلال 11 يوليو/تموز الجاري.
يتميز المسار الجنوبي التابع لسلطنة عُمان -والذي يمتد على طول 82 كيلومترا- بخصائص لوجستية وهيدروغرافية فريدة تجعله الممر الأكثر أمانا للملاحة الدولية في الوقت الحالي.
ويوضح الخبراء العسكريون أن الغاطس المائي للممر يتراوح بين 65 و110 أمتار، وهو ما يجعله الأقصر والأعمق والأعرض في مضيق هرمز بالكامل، مما يسمح بعبور كافة أنواع السفن التجارية الضخمة والناقلات العملاقة، بالإضافة إلى القطع البحرية العسكرية والبارجات الحربية الكبيرة، مانحا إياها عمقا تكتيكيا يضمن ابتعادها كليا عن مناطق الاحتكاك والتشنج الميداني.
تأتي انسيابية الحركة الحالية عبر الممر الجنوبي العُماني بالتزامن مع تنامي حدة الخلافات الأمريكية الإيرانية بشأن آليات العبور وحق فرض الرسوم الجمركية في المضيق.
ودفعت هذه التوترات الأمنية كبرى شركات النقل البحري العالمية والتحالفات الدولية إلى تحويل مسار ناقلاتها صوب المياه العُمانية لتفادي التهديدات الاحتكاكية، مستفيدة من التنسيق الأمني المستمر لتأمين حركة تدفق الطاقة، وهو ما أعاد رسم خريطة النفوذ والسيطرة البحرية في المنطقة خارج نطاق المسارات التي تخضع للرقابة المباشرة من الحرس الثوري الإيراني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك