ليس سرّا القول إنّ الخطط الإسرائيلية تضع في اعتبارها دائما تحقيق تفوّق عسكري نوعي على الدول العربية، ولذلك يقتضي المنطق أنّ تتعامل الدول العربية والإسلامية مع أية خطّة إسرائيلية ليس برفضها فحسب، بل بمحاولة إفشالها كذلك.
فالعقلية الإسرائيلية تأسّست على ضمان ذلك التفوّق في كل الظروف، لأن الاحتلال يعلم أنّ أية خطوة يظهر منها شيء من التنازل تفتح الطريق أمام الأطراف العربية والإسلامية الفاعلة للاستفادة منها لدفع مشروع التحرير ولو خطوة واحدة.
يضاف إلى ذلك أنّ الاحتلال عُرف بتنفيذ ما يطرحه من خطط أو نوايا وإن تظاهر أحيانا بالتخلي عن بعضها إذا ارتفعت نبرة الرفض من الجانب الدولي.
وهناك الآن حديث إسرائيلي متواصل عن إعداد مخططات جديدة لتنفيذ تهجير أهالي قطاع غزّة.
ويتزامن الحديث مع خطوات عملية على الأرض تستهدف تدمير كل مقومات الحياة في القطاع، بما يدفع السكان قسرًا نحو الرحيل.
وتكشف التجربة عدم وجود استعداد لدى الجانب العربي لاتخاذ مواقف وسياسات فاعلة لوقف تلك الخطط.
وفي بعض الحالات لم يُعقد حتى لقاء أو مؤتمر واحد للتصدي للخطط الإسرائيلية الشيطانية.
هذا لا يعني أنّ القيادات الفلسطينية تتجاهل تلك الخطط أيضا، ولكن يعني أنّ صوتها ليس مسموعا.
فمثلا، انطلقت الأسبوع الماضي دعوات لعقد قمة عربية طارئة وعاجلة لمواجهة مشروع تهجير سكان قطاع غزّة، وقال حازم قاسم، الناطق باسم حركة حماس إنّ هذا المشروع «لا يستهدف الشعب الفلسطيني وحده، بل يمثل تهديدًا مباشرًا لمنظومة الأمن القومي العربي، وتحدّيًا سافرًا لإرادة الدول العربية كافة، وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية التي يشكل هذا المخطط مساسًا مباشرًا بأمنها القومي.
»ولتوضيح الموقف، يجدر طرح قضية منظمة أونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) التي تواجه أزمة وجودية بسبب الضغوط الإسرائيلية المستمرة التي تسعى لتفكيك دورها، والتحديات المالية المتفاقمة.
فقد استمر الموقف الإسرائيلي برفض السماح لها بالعمل لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، ولكن إصرار الأمم المتحدة وعدد من الدول العربية على استمرار تفويضها واعتبارها ركيزة أساسية للاجئين، وفّر قدرا من الحماية لها، وأضعف الموقف الإسرائيلي.
مع ذلك تواجه المنظمة ضغوطاً سياسية دولية لاستبعاد دورها من خطط الإعمار المستقبلية، وسط تحذيرات فلسطينية وعربية من أنّ تهميش الوكالة يهدف إلى تصفية قضية اللاجئين وحق العودة.
هذه الحقيقة لم تنسف المشروع الإسرائيلي تماما الذي يمارس التضليل وتزوير الحقائق لتبرير المطالبة بإنهاء دور المنظمة.
وقد صادق الكنيست الإسرائيلي على تشريعات تحظر أنشطة الوكالة وتنهي عملها داخل إسرائيل والقدس الشرقية.
وكان الهدف الإسرائيلي من وراء هذه الضغوط واضحا: إحكام القبضة على فلسطين وإضعاف إرادة شعبها ومنظماته عن الاستمرار في مشاريع التحرير والتصدّي والصمود.
وعلى مدى ثلاثة أرباع القرن كان هناك موقفان دوليان: الأول يتمثل بمسايرة الاحتلال وعدم التصدّي له أو الضغط على داعميه ومموّليه في أمريكا وأوروبا.
أما الثاني فهو الاستجابة للدوافع الإنسانية ودعم منظمات الإغاثة لدعم ضحايا الاحتلال.
ماذا يعني ذلك؟ لا شك أنّ دعم الاحتلال حتى لو كان سياسيا فحسب، هو الذي أحدث ظاهرة اللاجئين.
وبعد أن أصبح هؤلاء اللاجئون ظاهرة محرجة للضمير العالمي، تحرّكت منظمات الإغاثة الدولية لتوفير دعم حياتي لهم.
وتحمّلت الدول المجاورة مثل لبنان والأردن ومصر قدرا كبيرا من أزمة اللاجئين.
أرض فلسطين تمثّل أرضا مقدّسة للأديان السماوية بدون استثناء وأن السماح للاحتلال بالهيمنة المطلقة عليها ستكون له تداعيات على أتباع الديانات المختلفةالأمر المقلق للضمير الإنساني تصاعد النزعة ليس للتعايش مع الاحتلال فحسب، بل التعاطي معه واعتباره «حقيقة واقعة» لا يمكن تجاهلها.
ومع استمرار الأزمة وتصاعد الضغوط الغربية، اندفع بعض الدول العربية لكسر عزلة الاحتلال، وبدأ عصر الاعتراف بالاحتلال والتعامل معه دبلوماسيا وسياسيا.
ومن الطبيعي أنّ ينجم عن هذا التوجّه تراجع مشروع التحرير والمقاومة.
ولا تتوقف الخشية هنا.
بل أنّ الغربيين يدفعون باتجاه فرض أمر واقع، واعتبار كيان الاحتلال جزءا من الوضع السياسي في الشرق الأوسط، وأن على الدول الأخرى التعامل معه والتخلّي عن سياسة مقاطعته.
ولذلك غاب توصيف «إسرائيل» بـ «العدو» كما كان سائدا في العقود الثلاثة الأولى بعد الاحتلال.
وبالتخلي عن هذا التوصيف، أصبح المجال متاحا لسياسات جديدة تتعامل مع كيان الاحتلال كـ «دولة ذات سيادة» وحصر التعامل مع أهل فلسطين الذين يعيشون في المخيّمات والمنافي باعتبارهم «لاجئين».
وفي الوقت الذي تستمر فيه معاناة أهل فلسطين، يتم تغييب تلك المعاناة عن الوجدان العالمي، وبذلك تتشجع «إسرائيل» للتعبير عن حقيقة نواياها بالقضاء على فلسطين كبلد وهويّة وشعب.
وها هم قادتها وداعموها يدعون لإنهاء قضية اللاجئين بإبعادهم عن الحدود إلى بلدان نائية وبشكل خاص أفريقيا.
ولم تعد حكومة الاحتلال تخشى ردّة فعل دولية فاعلة عندما تعلن رغبتها في التخلّص الكامل من شعب فلسطين، بالدعوة لإبعاده إلى بلدان نائية.
ويعلم الجميع أنّ أرض فلسطين تمثّل أرضا مقدّسة للأديان السماوية بدون استثناء وأن السماح للاحتلال بالهيمنة المطلقة عليها ستكون له تداعيات على أتباع الديانات المختلفة، سواء المسلمين أم المسيحيين.
فمن المستفيد من ذلك؟ ما الذي يدفع دول العالم لتجاوز الحقائق والتخلّي عن الدعوة لتحرير تلك الأرض من أجل الحفاظ على التراث الدّيني العريق الذي تحتويه أرض فلسطين؟قد يقول البعض إنّ هذا التطور في أنماط التعامل مع «إسرائيل» طبيعي ولا يمثل تخاذلا عربيا، وليس موجّها لفكرة تحرير فلسطين.
وهذه مغالطة سياسية غير أخلاقية.
فقد كان الاحتلال مرفوضا من قبل الجماهير العربية، وكان للنخب العربية دور بارز في إبقاء جذوة النضال ورفض الاحتلال متّقدة برغم المساعي الغربية الحثيثة لرفضه كأمر واقع على الأمة.
فلم يكن هناك اعتراف به إلا كـ «كيان» وليس دولة.
أما اليوم فقد تراجعت الأمور وأصبح هناك من يسعى لإشراك هذا «الكيان» ضمن المنظومات الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط.
وينطوي ذلك على تراجع واضح عن مبدأ تحرير فلسطين.
إذ لم يعد هناك إصرار عربيّ على مقولات التحرير وإقامة دولة سياديّة على كامل التراب الفلسطيني، ولم تعد العلاقات بين الدول العربية و كيان الاحتلال ممنوعة بشكل فاعل.
وبشكل تدريجي أصبح التعاطي الدبلوماسي مع حكومة الاحتلال أمرا مقبولا.
هذا التحول له أبعاد أخلاقية وسياسية غير قليلة، مع أنه ليس ناجمًا عن تغيّر فعلي في السياسات الإسرائيلية.
وكان من نتيجة ذلك أنّ أصبحت «إسرائيل» طامعة في ضمّ كل من الضفة الغربية و قطاع غزّة إلى كيانها الذي ما يزال في قاموس النضال والحرّيّة لا يرقى الى «الدولة».
ويأتي المشروع الإسرائيلي لإخلاء غزّة من سكانها بالتدمير الشامل، حلقة أخرى على طريق ضمّ ما بقي من أراضٍ فلسطينية لكيان الاحتلال.
والأمل أنّ يستمر الوعي بالخطط الإسرائيلية ويتعمّق الإحساس بضرورة الحفاظ عليها كأساس لبناء الدّولة الفلسطينية التي كثر الحديث بشأنها.
ومن الأمور المشجّعة صدور ردّة فعل قويّة ضد دعوة مجلس السلام لاستبعاد منظمة أونروا من «غزّة الجديدة».
فقد أعلنت الدول العربية وكذلك الأمم المتحدة تمسكها بالمنظمة ورفضت إلغاء دورها في تحسين أوضاع سكان غزة.
إنه صراع محتدم حول مستقبل مشاريع التحرير لم يستطع أحد حسمه.
وفيما ينهج الغربيون سياسة الحفاظ على أمن «إسرائيل» وتجاهل أهل فلسطين، تنطلق أصوات الدعم للمشاريع التحرّرية ودعم المنظمات والجهات المتناغمة مع تلك الأصوات.
ويتضح من ذلك صعوبة مشروع التحرير الفلسطيني في عالم يصرّ على التخلّي عن قضية فلسطين التي استعصت على كافة الحلول منذ أكثر من ثمانية عقود.
في ظل الهيمنة الأمريكية على القرار العربي، بقيت إيران خارج تلك الهيمنة، وانتهجت سياسات مختلفة حول قضية فلسطين.
فدعمت قوى المقاومة، ودفعت لذلك ثمنا عاليا.
وكان واضحا خلال تشييع مرشدها الأعلى، الشهيد السيد علي خامنئي، يوم الجمعة الماضية استمرار السياسة الإيرانية تجاه فلسطين، وقناعة طهران بالموقع المحوري لتلك السياسة لدى قادتها الذين استُهدفوا بالقتل والاغتيال من قبل التحالف الأمريكي – الإسرائيلي.
وعلى هذا الأساس يصعب استشراف مستقبل التسوية او التوصل إلى حلول سلميّة لكبرى مشاكل المنطقة بدون مشاركة إيرانيّة حقيقية وكذلك المنظمات الفلسطينية الفاعلة.
فلكي ينفتح المجال لتسوية مقبولة، لا بدّ من الحوار مع الأطراف المعنيّة بشكل مباشر.
وليس صعبا إدراك مدى التغلغل الإيراني في القضايا الإقليمية العالقة وفي مقدمتها قضية فلسطين.
والسبب ليس وجود رغبة توسعية لدى الجمهورية الإسلامية، بل سياستها ومواقفها على مدى أكثر من أربعة عقود، ودعمها الفصائل الفلسطينية سياسيا وعمليا وماليّا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك