في تطور ينذر بعودة كابوس التضخم الغذائي الذي ضرب العالم خلال السنوات الماضية، تشهد أسعار الكاكاو و القهوة قفزات جنونية في الأسواق العالمية، مع وصول ظاهرة" إل نينيو" المناخية التي يحذر خبراء من أنها قد تكون الأقوى في التاريخ، في وقت تعاني فيه سلاسل الإمداد بالفعل من تداعيات حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، مما يهدد بموجة تضخم جديدة تضرب جيوب المستهلكين الأوروبيين.
إل نينيو يعود.
وهذه المرة قد يكون الأقوى في التاريخوفقاً للوكالة اليابانية للأرصاد الجوية، التي تقيس تغيرات درجات حرارة المحيط الهادئ وتعلن وصول ظاهرة إل نينيو عندما ترتفع الحرارة بأكثر من نصف درجة فوق المعدل التاريخي، فإن خطر أن تكون هذه الظاهرة عنيفة هذا العام أصبح مرتفعاً للغاية، وسط تكهنات بأنها قد تكون الأقوى على الإطلاق.
ويأتي هذا التحذير في وقت حساس للغاية، حيث تعاني الأسواق العالمية بالفعل من تداعيات إغلاق مضيق هرمز نتيجة الحرب الإيرانية، مما تسبب في اضطراب إمدادات الأسمدة والوقود اللازم للآلات الزراعية.
ويحذر المحللون من أن هذا المزيج القاتل – قوة إل نينيو غير المسبوقة مع أزمة الإمدادات – قد يخلق عاصفة مثالية تضرب أسعار المواد الغذائية بشدة.
قفزات تاريخية في أسعار الكاكاو والقهوةفي غضون أسابيع قليلة، شهدت أسعار الكاكاو والقهوة تحولاً مذهلاً.
ففي منتصف يونيو الماضي، كانت هاتان المادتان الأكثر تراجعاً بين السلع الأساسية التي ترصدها بلومبرغ، مع انخفاض بنسبة 38% للكاكاو و29% للقهوة.
لكن الرياح تغيرت بسرعة، حيث قفز سعر الكاكاو بنسبة 79% من أدنى مستوياته في فبراير الماضي، ليعود فوق حاجز 5000 دولار للطن، أي أكثر من ضعف متوسطه التاريخي البالغ 1925 دولاراً.
أما القهوة، فارتفعت بنسبة 27.
3% في أسبوعين فقط، لتعود إلى 3.
11 دولار للرطل، أي ثلاثة أضعاف متوسطها التاريخي البالغ 1.
36 دولار منذ عام 1972.
ويأتي هذا الانتعاش بعد سنوات من الأسعار القياسية التي شهدتها السلعتان، حيث بلغ سعر الكاكاو ذروته التاريخية عند 12,500 دولار للطن في عام 2024، مما أثار أزمة حادة في صناعة الشوكولاتة ومنتجات الكاكاو.
لماذا الكاكاو والقهوة الأكثر تضرراً؟يُعتبر الكاكاو والقهوة من أكثر السلع الزراعية تأثراً بظاهرة إل نينيو، وهذا يعود للعديد من الأسباب، منها أن غرب أفريقيا، وخاصة ساحل العاج، أكبر منطقة منتجة للكاكاو في العالم.
وخلال فترات إل نينيو القوية، شهدت هذه المنطقة تاريخياً انخفاضات حادة في الإنتاج، حيث تعمل حرارة المحيط المتزايدة على تكثيف الرياح القادمة من الصحراء الكبرى، مما يجفف التربة ويضر بالمحاصيل.
وشهدت دورات إل نينيو القوية في 1997-1998 و2015-2016 انخفاضات حادة في إنتاج ساحل العاج.
أما فيتنام، فتمثل أكثر من 40% من المعروض العالمي من قهوة الروبوستا، تُعد من المناطق الأكثر تعرضاً للجفاف الناجم عن إل نينيو.
ومع توقعات بجفاف شديد يضرب المنطقة، يرتفع القلق من نقص حاد في المعروض.
تحذيرات الخبراء.
السوق يقلل من خطورة الكارثةيصف المحللون الوضع الحالي بأنه" قنبلة موقوتة"، حيث يقول الخبير جوزيف نوبرجر: " عودة إل نينيو تهدد بتفاقم تضخم أسعار الغذاء، في وقت تعاني فيه سلاسل التوريد بالفعل من اضطرابات خطيرة.
نحن نعتقد أن الأسواق الحالية لا تعكس هذا الخطر بشكل كافٍ"، حسبما نقلت صحيفة الكونفدنثيال الإسبانية.
وأضاف: " إذا حدثت ظاهرة إل نينيو قوية، مقترنة بالاضطرابات الحالية في إمدادات الأسمدة، فقد يواجه المستثمرون مزيجاً صعباً للغاية: تضخم أسعار الغذاء إلى جانب تضخم الطاقة، مما يخلق عقبة مزدوجة أمام الأصول التقليدية.
هذا تضخم مدفوع بالعرض، وهو النوع الذي قد يصعب على السياسة النقدية معالجته".
من جانبه، يحذر ليه فينمور، مؤسس صندوق موريتون كابيتال بارتنرز، من أن" السوق يقلل بشدة من خطورة هذا الخطر".
ويقول: " نحن نعلم أن إل نينيو قد وصل بالفعل، لكن حجم وشدة هذه الظاهرة هذا العام هو ما يقلقنا بشأن العديد من المحاصيل.
قد يكون هذا أسوأ إل نينيو في التاريخ، وإذا تأكد ذلك، فستكون له تداعيات لا تصدق على تضخم الغذاء".
أوروبا في مرمى النيران.
أكبر مستهلك ومستوردوأشارت صحيفة لابانجورديا الإسبانية إلى أن أوروبا ستكون المتضرر الأكبر من هذه الأزمة، نظراً لأنها المنطقة الأكثر استهلاكاً واستيراداً للقهوة والكاكاو في العالم.
فوفقاً للمنظمة الدولية للقهوة، تمثل أوروبا 32% من الاستهلاك العالمي للقهوة، مما يجعلها أكبر سوق للقهوة في العالم.
أما بالنسبة للكاكاو، فتستورد أوروبا أكثر من 50% من حبوب الكاكاو المتداولة عالمياً، مما يجعل القارة العجوز القلب النابض لصناعة الشوكولاتة العالمية.
وهذا يعني أن أي ارتفاع في أسعار هذه السلع سينعكس مباشرة على أسعار المنتجات النهائية في الأسواق الأوروبية، من فناجين القهوة الصباحية إلى ألواح الشوكولاتة وحلوى العيد، مما سيضرب جيوب المستهلكين الأوروبيين في وقت لم يتعافوا بعد من موجة التضخم السابقة.
سيناريو مأساوي يجمع الكوارثما يجعل الوضع الحالي فريداً وخطيراً هو تزامن عدة أزمات في وقت واحد، من ظاهرة ال نينينو القوية التى تهدد بتدمير المحاصيل فى غرب أفريقيا وفيتنام وأمريكا الجنوبية، وحرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، مما يقطع إمدادات الأسمدة والوقود الزراعى ويرفع تكاليف الشحن، و تضخم الطاقة المستمر الذي يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، بالإضافة إلى التغير المناخي طويل الأمد الذي يجعل الظواهر الجوية المتطرفة أكثر تواتراً وشدة.
ويحذر المحللون من أن هذا المزيج قد يؤدي إلى موجة تضخم غذائي غير مسبوقة، تعيد إلى الأذهان أزمة عام 2022 التي هزت اقتصادات العالم ودفعت ملايين الأسر إلى حافة الفقر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك