دمشق / عمر فاروق مادان أوغلو، ليث الجنيدي / الأناضول** عميد المعتقلين السوريين رغيد أحمد الططري في مقابلة مع الأناضول:- كانت معاناة 15 عاماً في تدمر صعبة جداً، منها ثلاث سنوات ونصف قضيتها في زنازين انفرادية- التعذيب كان يوميا، وكانت هناك فتحات في أعلى السقف يراقبوننا من خلالها على مدار 24 ساعة- في عام 1997 كانت المرة الأولى التي أرى فيها ابني وهو بعمر 16 عاماً والزيارة كلفت 20 ألف دولار- أسعدتني فرحة الناس بالتحرير أكثر من فرحة خروجي من السجن لأن الناس بالخارج كانوا معتقلين أكثر منيكشف عميد المعتقلين السوريين، رغيد أحمد الططري، عن أن عائلته سبق أن دفعت 20 ألف دولار مقابل تأمين زيارة له داخل سجون نظام الأسد، مبينًا أن بهجته بتحرير البلاد تجاوزت فرحته بانعتاقه من السجن بعد 43 عامًا.
والططري (72 عامًا)، طيار سابق، اعتقل في عدة فروع خلال عهد نظام الأسد، بينها سجن المزة العسكري بالعاصمة دمشق، وتدمر بريف محافظة حمص (وسط)، وصيدنايا وعدرا بريف دمشق (جنوب)، والسويداء (جنوب)، وصولًا إلى سجن طرطوس (بالساحل).
ويروي الططري في مقابلة مع الأناضول كواليس رحلة العذاب الاستثنائية التي عاشها طوال تلك العقود خلف القضبان، قبل أن ينتهي هذا المسار الطويل بفرج لم يكن يتخيله، تزامنًا مع سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
يقول إن سبب اعتقاله الأساسي في عام 1981" كان التحريض على عدم تنفيذ الأوامر العسكرية"، موضحًا أن النظام كان يدرج للاعتقال سببًا آخر، والمحاكم كانت تنطق بالحكم بشيء مغاير.
ويبين الططري أن المحاكم لم تكن تدرج هذه التهمة" لأنها تدين النظام، إذ إن للتحريض سببًا، وسبب تحريضنا كان رفضنا لممارسات الجيش بحق الشعب".
وعن إجراءات المحاكمة، يوضح: " لم تكن هناك محكمة أصلًا، إذ حاكمنا شخص يدعى سليمان الخطيب، وهو ليس قاضيًا ولم يدرس الحقوق، أي أنه ليس بمحامٍ، بل كان مجرد ضابط في الجيش تولى محاكمتنا".
وعن 43 عامًا قضاها في سجون الأسد، يقول: " قضيت في المجمل ثلاث سنوات في فرع المخابرات بدمشق، وسنة ونصف في سجن المزة العسكري، و15 سنة في سجن تدمر، و10 سنوات في صيدنايا، و5 سنوات في عدرا، و6 سنوات في السويداء، وثلاث سنوات في طرطوس، ومن سجن طرطوس نلت حريتي".
وعن معاناته في سجن تدمر الذي ذاع صيته، يقول الططري: " لم تكن معاناتنا في سجن صيدنايا، بل كانت في سجن تدمر، فهو ليس سجناً بل معتقل، والسجن تكون فيه حقوق، أما المعتقل فلا تملك فيه أي حقوق، ويمكن أن يُقتل الشخص في أي لحظة".
ويضيف: " كانت معاناة الـ15 عامًا في تدمر صعبة جدًا، منها ثلاث سنوات ونصف قضيتها في الزنازين الانفرادية".
ويشير إلى أن" التعذيب كان يوميًا، وكانت هناك فتحات في أعلى السقف يراقبوننا من خلالها على مدار 24 ساعة، فكنا تحت المراقبة والتعذيب المستمر".
وفي هذا السجن قتلت قوات رفعت الأسد عم الرئيس المخلوع نحو ألف شخص أعزل، أغلبهم من جماعة الإخوان المسلمين في العام 1980.
وبعد نقله من تدمر إلى صيدنايا، يصف الطيار السابق المعاملة حينها بأنها" مقبولة، وكان اسمه سجن صيدنايا لا معتقل صيدنايا".
ويستدرك: " لكن في عام 2011 ومع قيام الثورة (في مارس/ آذار)، تحول سجن صيدنايا إلى معتقل، وأصبح شبيهاً بالوضع الذي عشنا فيه في تدمر، من حيث المعاملة القاسية والتعذيب بغرض الإذلال".
ويؤكد أنه" في صيدنايا لم نعانِ الآلام ذاتها التي عانى منها لاحقًا معتقلو الثورة".
ومعلقًا على الثورة، يقول: " كانت سلمية بنسبة 100 بالمئة، ولم يكن لدى أحد رغبة في حمل السلاح، فالشعب السوري كان يرفض هذا الأمر، وكان يريد ثورة سلمية".
ويتابع: " لكن الشعب السوري أُقحم من قِبل النظام في ثورة مسلحة، إذ بدأ النظام يمارس القوة المفرطة، ما دفع الشعب إلى حمل السلاح للدفاع عن نفسه".
وبعد انطلاق الثورة، يقول: " نُقلنا عام 2011 إلى سجون مدنية، وكانوا يأتون بالمعتقلين من الضباط المنشقين وغيرهم ويعذبونهم".
وعلى وقع التعذيب، يضيف: " كنا ندق الأبواب ونحاول منعهم من تعذيب المعتقلين، ونقول لهم: لا يجوز أن تعذبوا أحدًا وما إلى ذلك".
وتفيد تقارير دولية بأن آلاف المعتقلين قُتلوا بشكل منظم وسري داخل سجن صيدنايا بريف دمشق، حيث نفذ النظام المخلوع آلاف الإعدامات دون محاكمات، بمعدل 50 حالة إعدام أسبوعيًا بين عامي 2011 و2015 وحدهما.
وبشأن أول زيارة للعائلة، يقول الططري: " رأيتهم لأول مرة في عام 1997 (أي بعد 16 عامًا من اعتقاله)".
وبنبرة مؤلمة يضيف: " كانت المرة الأولى التي أرى فيها ابني وهو بعمر 16 عامًا، وجاءت تلك الزيارة إثر صفقة مالية، حيث دفعت عائلتي 20 ألف دولار مقابل إتمامها".
وردا على سؤال بشأن معنوياته خلال هذه الرحلة الطويلة، يوضح: " تأتي لحظات يأس لا محالة، ولكن بالعموم كان لدي حدس دائم بأنني سأخرج".
ويتابع بلغة الأمل: " لقد غرس الله فينا شيئًا دون أن نشعر، يجعلنا نستشعر ما سيحدث، فكنت أشعر بأنني سأخرج يومًا ما".
ويؤكد أنه" في الأشهر الأخيرة أو السنة الأخيرة أصبح الأمر واضحًا بأن النظام سيسقط".
وعن لحظة خروجه، يلفت الططري إلى أن" البعض قد يظن أن من يقضي 43 عامًا في السجن سيكون فرحًا جدًا بخروجه، وأنا بالفعل كنت فرحًا للغاية، ولكن ليس بخروجي، بل بسقوط النظام".
ويضيف: " عندما خرجت من السجن شعرت وكأن الناس جميعًا يعيّدون معي".
ويختم حديثه بالقول: " خرجت من طرطوس، ورأيت الناس كلهم يحتفلون بصدق، ويرفعون علم الثورة، وفرحتهم غامرة".
ويردف: " أسعدتني فرحة الناس بالتحرير أكثر من فرحة خروجي من السجن، لأنني شعرت أن الناس خارج السجن كانوا معتقلين أكثر مني، لذلك شاركتهم فرحتهم".
وفي 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 دخل الثوار السوريون العاصمة دمشق معلنين الإطاحة بنظام بشار الأسد (2000 - 2024)، الذي ورث الحكم عن أبيه حافظ الأسد (1971 - 2000).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك