(CNN)-- في وقت تتجه فيه صناعة الأزياء العالمية نحو مفاهيم أكثر استدامة، تشقّ الموضة الدائرية طريقها تدريجيًا إلى الشرق الأوسط، في محاولة لإعادة النظر في طريقة استهلاك الملابس وقيمتها.
من هذا المنطلق، أطلقت الشابة اللبنانية أندريا تيغو أول عرض أزياء مخصص للملابس المستعملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بالعاصمة اللبنانية بيروت، في خطوة تسعى إلى تغيير النظرة السائدة تجاه هذا النوع من الأزياء، وإثبات أن الإبداع والأناقة لا يرتبطان بالضرورة بالملابس الجديدة.
انطلقت المبادرة للاحتفاء بالإبداع بعيدًا عن ثقافة الاستهلاك المفرط، وكسر الصور النمطية المرتبطة بالملابس المستعملة، إذ صُممت جميع الإطلالات التي ظهرت على منصة العرض بالكامل من قطع قديمة أو" فينتيج".
وقالت تيغو في مقابلة مع موقع CNN بالعربيّة إن المشروع يختلف عن عروض الأزياء التقليدية، إذ يمكن شراء جميع الإطلالات مباشرة بعد انتهاء العرض، بدلًا من الانتظار أشهرًا حتى تصل المجموعات إلى المتاجر، وهو ما يغيّر العلاقة بين الجمهور والأزياء التي يشاهدها على منصة العرض.
كما أشارت أن العملية الإبداعية جمعت خمسة منسقي أزياء مع ثمانية متاجر محلية متخصصة بالملابس المستعملة، حيث صمّم كل منسق مجموعة مؤلفة من خمس إطلالات، من خلال اختيار القطع الموجودة في تلك المتاجر وتنسيقها من الرأس إلى القدمين.
وأوضحت تيغو أن اختلاف رؤى منسقي الأزياء في التعامل مع التحدي نفسه أبرز الإمكانات الإبداعية الكبيرة التي يحملها عالم الأزياء المستعملة، واحتفى بالفردية من خلال خمس مجموعات مختلفة.
أمّا عن الدافع وراء إطلاق المبادرة، فقد أشارت تيغو إلى أن الفكرة جاءت نتيجة الفجوة بين واقع الأزياء المستعملة والطريقة التي ينظر كثيرون إليها بالمنطقة، في ظل استمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بشراء الملابس المستعملة، رغم أنها أصبحت حول العالم جزءًا طبيعيًا من صناعة الموضة، ليس فقط لأسباب تتعلق بالاستدامة، وإنما أيضًا لأنها تمنح الأفراد فرصة للتعبير عن هويتهم وأسلوبهم الشخصي.
وأضافت أن انتشار الأزياء السريعة وفائقة السرعة جعل الإطلالات أكثر تشابهًا، بينما تعيد الملابس المستعملة عنصر المفاجأة إلى عالم الموضة، وتمنح كل شخص فرصة لبناء أسلوبه الخاص بعيدًا عن الصيحات المكررة، لافتةً أنّ نجاح المبادرة يقاس بقدرة الجمهور على الانبهار بالإطلالات قبل أن يكتشف أنها صُممت بالكامل من قطع مستعملة.
وفي ما يتعلق بالتحديات، أوضحت تيغو أن كل قطعة مستعملة فريدة من نوعها، ولا يمكن ببساطة طلب مقاس آخر أو لون مختلف إذا لم تنجح ضمن الإطلالة، لكنها اعتبرت أن هذا التحدي يتحول في الوقت نفسه إلى فرصة تدفع المصمم إلى التفكير بطريقة مختلفة، والتكيّف مع الموجود، وابتكار تنسيقات غير تقليدية.
وختمت بالإشارة إلى أنّ الأجيال الشابة لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ ثقافة الملابس المستعملة، بفضل وعيها المتزايد بالأثر البيئي لصناعة الأزياء، واطلاعها الواسع على ثقافة Thrifting عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن الإقبال على هذا النوع من الأزياء لم يعد مرتبطًا بالعمر، بقدر ما أصبح مرتبطًا بطريقة التفكير والانفتاح على مفهوم أكثر استدامة لاستهلاك الموضة.
من جهتها، أكّدت منسقة الأزياء اللبنانية السا أسطا أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل يعكس تغيرًا حقيقيًا في نظرة المستهلكين إلى الأزياء المستعملة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في الشرق الأوسط، مع ازدياد الوعي بمصدر الملابس وتأثيرها البيئي، إلى جانب الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في تقديم ثقافة" الفينتيج" والملابس المستعملة بصورة أكثر إيجابية.
وقالت أسطا إن الملابس المستعملة لم تعد خيارًا يرتبط بتوفير المال فحسب، بل أصبحت وسيلة للتعبير عن الهوية الشخصية والأسلوب الفردي، مشيرة إلى أن الأجيال الشابة باتت أكثر انفتاحًا من أي وقت مضى على مفهوم الموضة المستدامة والبحث عن القطع الفريدة التي تمنحها هوية مختلفة.
كيف نختار الملابس المستعملة؟أوضحت أسطا أن اختيار قطعة مستعملة عالية الجودة يبدأ بالانتباه إلى نوعية القماش، خاصة أن الخامات الجيدة قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، مضيفة أن جودة الخياطة والحرفية تكشف الكثير عن قيمة القطعة، لذلك تفضّل الاستثمار في التصاميم الكلاسيكية الخالدة بدلًا من الصيحات العابرة، معتبرة أن القطعة التي تحافظ على جمالها بعد سنوات من الاستخدام تستحق الاقتناء.
أما الأشخاص الذين يرغبون في خوض تجربة شراء الملابس المستعملة للمرة الأولى، فقد نصحت باختيار قطعة واحدة تلفت الانتباه وتشعرهم بالحماس لارتدائها، ثم تنسيقها مع قطع أساسية موجودة بالفعل في خزانة الملابس، مع التركيز على اختيار ما يعكس الشخصية بدلًا من ملاحقة الصيحات المؤقتة، مؤكدة أن بعض أجمل الإطلالات تولد من اكتشافات غير متوقعة، وأن الأناقة الحقيقية لا ترتبط بجِدّة القطعة، بل بطريقة ارتدائها.
كما أشارت أسطا إلى أن المنتجات الفاخرة المستعملة بدأت تكتسب مكانة خاصة بها، موضحة أن كثيرين باتوا يقدّرون القصة التي تحملها القطعة أكثر من اهتمامهم بالشعار الذي تحمله.
وأضافت أن العثور على قطعة نادرة من إحدى دور الأزياء العالمية يمنح شعورًا بالتميز قد يفوق أحيانًا شراء قطعة جديدة.
ولفتت إلى أن من أبرز المفاهيم الخاطئة التي لا تزال ترافق الأزياء المستعملة الاعتقاد بأنها قديمة أو غير نظيفة أو أقل أناقة، مؤكدة أن كثيرين يغيّرون رأيهم بمجرد اكتشاف جودة بعض القطع" الفينتيج" التي تفوق أحيانًا جودة الملابس المتوافرة اليوم، متسائلة: " إذا كنا نفخر باقتناء الأثاث القديم، والمجوهرات الكلاسيكية، والسيارات الكلاسيكية، فلماذا يكون الأمر مختلفًا عندما يتعلق بالأزياء؟ ".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك