نجحت البعثات الأثرية بمحافظة الوادي الجديد فى تحقيق اكتشاف أثري استثنائي يعيد رسم خريطة الحياة في واحة الداخلة في قلب الصحراء الغربية، والتى أخفت أسرارًا عمرها أكثر من سبعة عشر قرنًا، والذي يعتبر من أهم الاكتشافات الأثرية خلال السنوات الأخيرة، بعدما كشفت عن مدينة سكنية متكاملة تعود إلى العصر البيزنطي داخل موقع عين السبيل الأثري بمركز الداخلة، في اكتشاف يفتح نافذة واسعة على تفاصيل الحياة اليومية لسكان الواحات خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين، ويؤكد أن واحات مصر لم تكن مجرد محطات على طرق القوافل، بل مراكز حضارية مزدهرة لعبت دورًا مهمًا في التاريخ المصري القديم، حيث تقع المدينة المكتشفة داخل موقع عين السبيل الأثري التابع لمركز الداخلة، وهو أحد أهم المواقع الأثرية المنتشرة في الواحة، التي تضم عشرات المواقع الممتدة من العصور الفرعونية وحتى العصر الإسلامي، وتتميز المنطقة بوجود عيون مياه قديمة كانت تمثل مصدر الحياة الرئيسي لسكان الواحة، وهو ما يفسر اختيارها لإقامة تجمع عمراني كبير خلال العصر البيزنطي، حيث ساعد توفر المياه والأراضي الزراعية في إنشاء مدينة متكاملة تضم مساكن ومنشآت دينية ودفاعية وخدمية، إلى جانب ارتباطها بشبكة الطرق التجارية التي ربطت واحات الصحراء الغربية بوادي النيل.
عين السبيل رحلة طويلة من البحث والاستكشاف الاثرىويعتبر الكشف الأثري ضمن أعمال الحفائر العلمية التي تنفذها البعثة المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار داخل موقع عين السبيل، حيث واصل الأثريون أعمال التنقيب لعدة مواسم حتى بدأت تظهر معالم مبانٍ مشيدة بالطوب اللبن، قبل أن تتكشف تدريجيًا مدينة كاملة تحت الرمال، ومع استمرار أعمال الحفر، اتضح أن المدينة لم تكن مجرد تجمع سكني محدود، وإنما تخطيط عمراني متكامل احتفظ بجزء كبير من عناصره الأصلية رغم مرور أكثر من 1700 عام على إنشائه، الأمر الذي منح الكشف قيمة علمية استثنائية، خاصة أن معظم مباني المدينة لا تزال تحتفظ بتفاصيلها المعمارية بشكل واضح، ومن أبرز ما لفت انتباه علماء الآثار أن المدينة لم تنشأ بصورة عشوائية، وإنما اتبعت تخطيطًا هندسيًا دقيقًا يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم العمراني خلال العصر البيزنطي، حيث كشفت أعمال التنقيب عن شبكة من الشوارع الرئيسية الممتدة من الشمال إلى الجنوب، تتقاطع معها شوارع عرضية من الشرق إلى الغرب، لتشكل ميادين وساحات مفتوحة تسهل حركة السكان داخل المدينة، وهو أسلوب تخطيط كان شائعًا في المدن البيزنطية الكبرى.
ويؤكد هذا التخطيط أن المدينة كانت تتمتع بإدارة منظمة، وأنها لم تكن مجرد قرية صغيرة، بل مركزًا حضريًا يضم مختلف الخدمات اللازمة لاستقرار السكان.
أول مدينة بيزنطية متكاملة فى قلب الصحراء الغربيةومن أبرز ما يميز مدينة عين السبيل المكتشفة أنها تقدم نموذجًا شبه متكامل لمدينة بيزنطية في قلب الصحراء الغربية، بما تحتويه من كنيسة ومساكن وحصون وشوارع ومنشآت خدمية ووثائق وعملات، وهو أمر نادر في الاكتشافات الأثرية داخل مصر، ولم يكن الكشف عن المدينة البيزنطية في موقع عين السبيل مجرد العثور على بقايا مبانٍ قديمة، بل كان استعادةً لصفحة كاملة من تاريخ الواحات المصرية، حيث أعادت الرمال مدينة نابضة بالحياة إلى الواجهة بعد أن ظلت مطمورة لقرون طويلة، وبين شوارعها المنظمة، وكنيستها البازيليكية، ومنازلها، وأفرانها، ووثائقها المكتوبة، وعملاتها الذهبية والبرونزية، تتشكل صورة واضحة لمجتمع ازدهر في قلب الصحراء، وأسهم في الحركة الاقتصادية والدينية والثقافية لمصر خلال العصر البيزنطي، ويؤكد هذا الاكتشاف أن أرض الوادي الجديد لا تزال تخفي الكثير من الأسرار الأثرية، وأن مواصلة أعمال البحث والتنقيب قد تكشف مستقبلًا عن مدن ومواقع أخرى تضيف فصولًا جديدة إلى تاريخ مصر، وتعزز من مكانة الواحات كواحدة من أغنى المناطق الأثرية في البلاد.
عين السبيل مدينة مخططة بعناية فائقةوكشفت المدينة أيضًا عن مجموعة كبيرة من المنازل المبنية بالطوب اللبن، والتي ضمت صالات واسعة وأسقفًا مقبية، بالإضافة إلى مطابخ وأفران للخبز وأماكن مخصصة لطحن الغلال، وتوضح هذه المنشآت أن السكان عاشوا حياة مستقرة اعتمدت على الزراعة وإنتاج الغذاء، وأن المدينة كانت تمتلك جميع المقومات التي تضمن استمرار الحياة اليومية بصورة طبيعية، بعيدًا عن كونها مجرد موقع عسكري أو ديني.
وتعكس جودة البناء مهارة المعماريين في استغلال خامات البيئة المحلية، وخاصة الطوب اللبن الذي أثبت قدرته على مقاومة ظروف المناخ الصحراوي لقرون طويلة، ومن أهم معالم الكشف وجود كنيسة بازيليكية تتوسط المدينة وتطل على أحد الشوارع الرئيسية، وهي تعود إلى منتصف القرن الرابع الميلادي، ويعكس وجود الكنيسة مكانة المدينة خلال العصر البيزنطي الذي شهد انتشار المسيحية في مصر، كما يشير إلى أن سكان الواحة كانوا جزءًا من الحركة الدينية والثقافية التي شهدتها البلاد آنذاك، ويعد العثور على الكنيسة في قلب المدينة دليلًا على أن التخطيط العمراني راعى وجود مركز ديني يمثل محور الحياة الاجتماعية للسكان.
عين السبيل مدينة محصنة بالكاملولم يقتصر الكشف على المنشآت الدينية، بل أظهرت أعمال الحفر وجود عناصر دفاعية مهمة، من بينها بقايا برجين للمراقبة عند أطراف المدينة، بالإضافة إلى حصن ذي أسوار سميكة، وتشير هذه المنشآت إلى أن المدينة كانت تتمتع بأهمية استراتيجية، سواء لحماية سكانها أو لتأمين الطرق التجارية المارة عبر واحة الداخلة، التي كانت تمثل حلقة وصل بين وادي النيل وواحات الصحراء الغربية والمناطق الواقعة جنوب مصر، ولم تتوقف أهمية الكشف عند المباني والمنشآت، بل امتدت إلى مجموعة متميزة من القطع الأثرية التي قدمت صورة شبه مكتملة عن الحياة اليومية لسكان المدينة قبل أكثر من 1700 عام، حيث عثرت البعثة على أوانٍ فخارية استخدمت في الطهي والتخزين، وقنينات صغيرة لحفظ الزيوت والعطور، ومسارج فخارية للإضاءة، إلى جانب أدوات حجرية لطحن الغلال، وأفران خبز ومطابخ داخل المنازل، وهو ما يؤكد أن المدينة كانت مجتمعًا مستقرًا يعتمد على الزراعة والحرف والتجارة، ولم تكن مجرد موقع عسكري أو ديني.
200 وثيقة استراكا أثرية توثق المعاملات اليوميةومن بين أهم المكتشفات، تم العثور على نحو 200 قطعة من الأوستراكا، وهي شظايا فخارية استخدمت في الكتابة، وجاءت مدونة باللغتين القبطية واليونانية، وتضمنت سجلات للمعاملات التجارية، وعقود بيع وشراء، ومراسلات إدارية، ووثائق تتعلق بالحياة اليومية لسكان المدينة، ويؤكد علماء الآثار أن هذه الوثائق تمثل كنزًا علميًا حقيقيًا، لأنها تمنح الباحثين فرصة نادرة لفهم طبيعة المجتمع الذي عاش في الواحات خلال العصر البيزنطي، وكيف كانت تُدار شؤونه الاقتصادية والإدارية، فضلًا عن إلقاء الضوء على طبيعة العلاقات التجارية التي ربطت واحة الداخلة بالمناطق الأخرى داخل مصر.
عملات ذهبية وبرونزية تؤرخ للمدينةوأسفرت الحفائر عن العثور على عدد كبير من العملات البرونزية بحالة حفظ جيدة تحمل صورًا لأباطرة الدولة البيزنطية ونقوشًا لاتينية ورموزًا مسيحية، إلى جانب مجموعة من العملات الذهبية التي تعود إلى عهد الإمبراطور قسطنطيوس الثاني الذي حكم الإمبراطورية البيزنطية بين عامي 337 و361 ميلادية، وتمنح هذه العملات الباحثين دليلًا زمنيًا دقيقًا يؤكد ازدهار المدينة خلال القرن الرابع الميلادي، كما تكشف عن قوة النشاط الاقتصادي الذي شهدته المنطقة في ذلك الوقت، وتؤكد اندماج سكان الواحات في النظام النقدي والتجاري للإمبراطورية البيزنطية، كما تم العثور على قنينة بها عدد من العملات الذهبية التي ترجع للقرن الرابع الميلادي تحديدًا بالعصر البيزنطي، في عهد الإمبراطور «قسطنطين الثاني»، ذلك بمنطقة عين السبيل واحة الداخلة بالوادي الجديد، وكانت تلك العملة تحمل عدة صور للإمبراطور الذي صنعت في عصره من جهة، وتحمل بعض النقوش والرسوم التي تشير لتاريخ صنعها.
الكشف الأثري يزيح الستار عن ملامح حقبة زمنية لسكان المنطقةويمثل الكشف الاثرى إضافة مهمة إلى سجل الاكتشافات الأثرية المصرية، ويسهم في إبراز التنوع الحضاري الذي شهدته الواحات المصرية عبر مختلف العصور، حيث تدعم تلك الاكتشافات مكانة محافظة الوادي الجديد على خريطة السياحة الثقافية، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمار السياحي والتنمية المستدامة والتى تقدم معلومات غير مسبوقة عن طبيعة الحياة اليومية في واحة الداخلة خلال العصر البيزنطي، وما تم الكشف عنه حتى الآن لا يمثل سوى جزء من المدينة، وأن أعمال الحفائر لا تزال مستمرة، ما يرجح ظهور منشآت واكتشافات جديدة خلال المواسم المقبلة، ويضيف هذا الكشف صفحة جديدة إلى التاريخ الأثري الثري لمركز الداخلة، الذي يضم مواقع شهيرة مثل القصر الإسلامية، والبلاط، ودير الحجر، ومزوقة، وغيرها من المواقع التي تعكس تعاقب الحضارات المصرية واليونانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية على أرض الواحات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك