قرابين الحقيقة.
قراءة في تجربة شبكة الجزيرةمن السهل حمل الكاميرا، والتسكع في الشوارع والميادين لاقتفاء لحظات المارة، والتعبير في صورة مختزلة عن تلك اللحظات الأكثر إثارة وغرابة، أو بالأحرى، البسيطة نوعا ما، التي ترسم واقعا متخيلا عند كثير ممن يغالبون يومياتهم الهشة، ومعاناتهم المستمرة مع نوائب الحياة.
ولعل ما ترصده الصحافة في عالم متقلب بين الحروب -أقصد تلك النيران المشتعلة في مكان من صنع البشر- لا يتوقف عند السلام عنوانا، بل يكتب ملامح مفزعة للإمبراطورية وهي تعيث في الحضارة فسادا.
إن حمل الكاميرا لم يعد مقتصرا على نخبة صحفية اليوم، بل أصبح «تعبيرا وجوديا» لتلك الفئة التي ترابط بحثا عن الحقيقة، وعن الحضارة التي يفترض بها أن تحمي الإنسانية.
ففي الحرب كانت -وما زالت- الجزيرة تقتفي اللحظات الصعبة والمؤلمة لأولئك الذين يعانون ويلاتها في السودان وفلسطين وغيرها من بقاع الأرض، إنها قصة ملحمية لشواهد الحقيقة، وهم يرابطون مع المهمشين والمقهورين كي ينالوا حريتهم واستقلالهم وكرامتهم الإنسانية.
واليوم، كما الأمس، تقف الصحافة في مفترق طرق صعب، وهي ترفع قرابين الحقيقة نحو السماء، آملة استمرار التغطية والسعي وراء الصورة الكاملة.
لعل ذلك النقص الذي يراه بعض منتقدي عناقيد الحرية، محاولة لإعادة إنتاج خطاب إعلامي موجه، يجعل الصحافة ضمن الحلقة المفرغة من الالتزام الإنسانيمنذ لحظة إعلان التغطية لليومي والاستثنائي، كانت توجهات الصحافة تنطوي على عنوان رئيس ومهم، من شأنه أن يغير قواعد الاشتباك في المنطقة العربية والعالم، حيث تلوح الصورة المرتبكة والقاتمة في عواصم عربية وبلدان غربية لا تتأخر في انتهاج سياسات الإبادة والتمييز العنصري، لا في وقت تأخذ فيه الأرض مستقرها، بل حين تجتاح حروب البشرية العالم، مهددة بزواله.
أن تكون مع الإنسان ليس شعارا عابرا، ولا خبرا تسرده حكايات الشارع، ولا حلقات متتابعة من برنامج يبث الكراهية ضد الآخر؛ إنه شعور بالانتماء إلى فضاء مغيب قسرا، وهوية كافحت لإسماع صوتها، ورسم صورتها، والاحتفاء بتاريخها، فليس ثمة طريق سوى أن تقتنص الصحافة الحرة تلك اللحظة التاريخية، حين تتحرر من عباءة الخطابات الرسمية، والأخبار المزيفة، والمشاهد التراجيدية للشاشات وهي تختنق بقرارات القائد العظيم.
من المهم إدراك رمزية تبني منظمة العفو الدولية لشعار شبكة الجزيرة «الصحافة ليست جريمة» كونه تعبيرا لثمن الحقيقة المكلف، فحرية الكلمة والصورة تقتضي تضحيات تتجلى في استهداف الصحفيين عمدا، ولعل استشهاد شيرين أبو عاقلة، وأنس الشريف، وكثيرين ممن اختاروا «خوذة الصحافة» مرافعين عن المنسيين من الحضارة، قد تحولوا إلى عناوين في عناقيد الحرية، اختارت «شبكة الجزيرة طوعا» أن تنحاز لمأساة المغيبين، وترسم الصورة الكاملة للصحافة الحرة في زمن الإبادة.
ما تفتقده الصحافة في زمن الحرب هو ما يسعى له كثيرون ممن امتهنوا الإعلام والصحافة الرسمية؛ ولعل ذلك النقص الذي يراه بعض منتقدي عناقيد الحرية، محاولة لإعادة إنتاج خطاب إعلامي موجه، يجعل الصحافة ضمن الحلقة المفرغة من الالتزام الإنساني، وإذعانا للسياسات الإقصائية والاختزالية الرسمية، غير أنهم، في واقع الأمر، صادقون في ادعاءاتهم حينما ترصد كاميراتهم صوتا واحدا لا غير: كحة القائد العظيم.
ما تفتقده شبكة الجزيرة هو الخضوع للأخبار المضللة، والانبطاح للصحافة الموجهة، وللسياسات الإقصائية التي تهمش الأصوات المستقلةما الذي راهنت عليه الجزيرة؟لا يخلو برنامج من منتقديه، ولا مشروع من إعادة إنتاجه ضمن رؤية حديثة ومتطورة، لاستيعاب النقائص وجبر الضرر الناجم عن الأخطاء على اختلافها.
وقد تعرضت شبكة الجزيرة، كما المنطقة والعالم، لهزات شديدة أبانت عن حقيقة شعاراتها، وهي ترصد بعدستها الدقائق الأولى لاجتياح أفغانستان والعراق، والربيع العربي، وحرب غزة.
راهنت شبكة الجزيرة منذ انطلاقها على اقتفاء الحقيقة، حيث ترسم الصورة أبعادا مختلفة لها؛ فقد اختارت، ضمن سياستها، الانحياز إلى البحث المستمر عن الصورة الكاملة، لا إلى سردية جاهزة تبثها المراجع الاستخباراتية أو القنوات الدعائية.
وهذا «الامتناع» عن الانجرار نحو العمل الصحفي الموجه، قد كلف الشبكة إنسانيا، حين اغتيل عدد كبير من صحفييها.
ومن الملاحظ جدا، عبر مسيرتها الاستثنائية، أن اسم شبكة الجزيرة ارتبط بتفاعلها الإيجابي مع الانتفاضات العربية إنسانيا، لتجد نفسها في زاوية" الرفض الرسمي" لصوتها وصورتها وتغطيتها المستمرة، إذ قدمت الأنظمة العربية مسرحيات هزيلة لشيطنة الشبكة، واعتبارها أداة تخريب للمنطقة التي كانت، في متخيلهم، مزدهرة وفي مقدمة الحضارة العالمية.
ما تفتقده شبكة الجزيرة هو الخضوع للأخبار المضللة، والانبطاح للصحافة الموجهة، وللسياسات الإقصائية التي تهمش الأصوات المستقلة.
بمعنى آخر، ترفض الجزيرة أن تكون صوتا وصورة لما جبلت عليه الصحافة العربية والعالمية، حين كانت تمثل «الديكتاتورية المثالية» لعالم تنتابه الخيبات وتجتره المؤامرات.
إنها، ببساطة، خارج دائرة احتكار الرأي الواحد، بابتكارها برامج وقنوات غيرت قواعد الاشتباك مع الاستبداد.
عندما تحمل الكاميرا وتسير بين ركام الأرض، تنقل الحقيقة لا الخبر، وتسرد التاريخ المؤسس لا الأثر، وترسم ملاحم التغيير الكبرى لا أسطورة متهاوية، حينها تنتزع الحقيقة فتعبر عن مأساة الإنسانيةما يقرب لثلاثة عقود من المقاومة المستمرة لأعتى قوى الأرض، وفي وجه بربرية متوحشة وصور أشد فظاعة من التمييز العنصري، ظلت الجزيرة، بعدستها وصوت مراسليها، منبرا لمن هجروا وعذبوا، حتى الأموات نطقوا يسردون قصص المعتقلات المرعبة والإبادة التي لا تنقطع، لا لشيء إلا لتكون تضحياتهم مفتاحا لخلاص الأجيال المقبلة.
أن تكسر الكاميرا، ويسكت صوت الحقيقة، ويقتل الصحفي أمام شاشات العالم، في وقت نحتاج فيه إلى الصورة المغايرة عما تبثه وسائل الإعلام الموجهة، يمثل فشل الحضارة في تفعيل قيمها وقوانينها لحماية من يفترض أنهم صوتها وصورتها، فالصحافة ليست جريمة، وعدستها مرآة للعالم الذي يتقلب بين السلام والحرب.
ليس بإمكاننا أن نعود إلى نقطة الصمت، حين كانت الشاشة تعج بصور الإنجازات الوهمية، وصوت المدافع المتواري خلف انتصارات أسطورية.
إننا اليوم في مكان بعيد نوعا ما، لكنه جزء من حياتنا ويومياتنا، ومن سعينا المستمر لاقتفاء الحقيقة، حيث تنتزع ولا تمنح.
ها نحن الآن أمام شاشتها بلونها المتميز وصوت مراسليها، نستمع إلى إعلان وقف الحرب، أو لانتهاء الحصار، أو لافتتاح بطولة كأس العالم، لكننا -وبصورة استثنائية- كشعوب عربية، اكتسبنا وعيا سياسيا بأهم اللحظات التاريخية، إذ كانت التضحيات في سبيل تحقيق إنسانيتنا تفتح مسارات التغيير العظيمة.
ما تزال التغطية الجريئة تضع الجزيرة في مفترق طرق شائك ومضطرب، خاصة مع استهداف صحفييها بشكل متعمد ومنهجي، فإما أن تختار الانضمام إلى فيالق التطويع الإعلامي والانبطاح للسرديات الكبرى، أو تستمر في نهجها الإعلامي المعزز للحريات العامة، والمدافع بشراسة عن حق الشعوب في الحرية والعدالة والكرامة.
عندما تحمل الكاميرا وتسير بين ركام الأرض، تنقل الحقيقة لا الخبر، وتسرد التاريخ المؤسس لا الأثر، وترسم ملاحم التغيير الكبرى لا أسطورة متهاوية، حينها تنتزع الحقيقة فتعبر عن مأساة الإنسانية، وعن عجز الحضارة عن حماية أولئك الذين يقتنصون لحظات الحقيقة بعدستهم وصوتهم، ليكتبوا أسماءهم ضمن عناقيد الحرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك