أنا كردي.
والمنتخب المغربي يمثلنيالرياضة خرجت من أن تكون متعة للمشاهدة بعد تجاوزها الغاية الأساسية منها، وهي الصحة والجمال والقوة.
أضحت المنافسات العالمية معرضا تمكن المشاركين من إبراز الهوية الحضارية التي يحملونها، وقد كان مونديال قطر في عام 2022 من أكثر النماذج وضوحا، بعد أن حاولت الدول المشاركة مشاكسة الهوية القطرية المسلمة عبر نشر لافتات تشمئز النفس المسلمة، والطبع القطري الخليجي المحافظ، من رؤيتها.
لكن الذي حصل كان على عكس ما رغبه المشاكسون، لقد نجحت قطر في عرض الخصال الاجتماعية الإسلامية والإنسانية المحلية على الجمهور الغربي الغريب.
لقد لمسوا الهدوء والاستقرار والاحترام والأمان لمسا، وهم قادمون من مجتمعات تتميز مواسم البطولات الدولية فيها بالتعدي، والسكر الجماعي، والتحرش.
بعد أن أبهر منتخب المملكة المغربية العالم في مونديال قطر، عاد ليثبت أن الصعود الصاروخي لم يكن مصادفة.
أنا أحاول هنا أن أبين، في أسطر قليلة، عبر أربع نقاط، لماذا يمثلني أسود الأطلس.
لكن قبل ذلك أسجل اعترافي بأن كتابة هذه المقالة ليست بريئة كليا، أي إنها ليست موضوعية في مجملها، بل تحمل بعدا نفسيا شخصيا.
لكن البعد الشخصي لا يشكل سوى ربع الدافع لكتابتها وإبداء الشعور المكنون تجاه أسود الأطلس.
أهمية إبراز مكانة الوالدين في المجتمعات التقليدية لا تلفت النظر الكبير؛ لأنها عادة، لكن في عالم تنهار فيه القيم، وتتحطم فيه الأسرة، تمثل هذه الصفة جانبا مهما من جوانب مواجهة عولمة هدم الأسرة وتحطيم قواعدهاومن أجل التوضيح والبيان، كيف لكردي من آسيا، ليس عربيا ولا أمازيغيا ولا إفريقيا، أن يرى في إنجازات المنتخب المغربي مصدر سعادة وفرح؟ ومع أنه ليس من متابعي الرياضة ولا الملاعب، فإنه يسهر حتى ساعات الصباح الأولى، وليس الفجر، من أجل الاستمتاع برؤية الأسود وهم يحفرون الملاعب الدولية ببصمات لا تنسى، بصمات تظهر أن القمة ليست حكرا على أبناء قارة أو قارتين بعينهما، ولا هي من تخصصات بيئة معينة، ولا محجوزة للون من ألوان البشرة أو عرق من الأعراق.
متابعتي للمغرب وشؤونها العامة، السياسية والرياضية منها على وجه خاص، هي لحبي للبلد من حيث هو، فقد قضيت فيها فترة ليست بالقصيرة من حياتي، ومن يرى التراب المغربي يعجز عن نسيانه.
تراب جامع للأصالة والحداثة، ترى في مدن المغرب كل الحضارات والثقافات تتفاعل، لكنك ترى الأصل متجذرا كما هو بارز.
استعصى محو الأصالة على الغزوات الأوروبية المتعاقبة، والعمارة المغربية هي التي توحي لك بفن معماري إسلامي رصين، يتبين ذلك من منارات جوامعها الشاهقة، وتصاميم بيوتها الساكنة.
ترى الأصل والعصر في كل مدينة من مدنها، وربما مدينة" الأصيلة" أصيلة كما هي، وتحتوي على حركات الحداثة، و" طنجة" عشقي المتوسطي هي مختصر دولي شامل، وميناء الهوية الإسلامية إلى العالم الغربي.
ما يلاحظه المشاهد المتابع للاعبي المنتخب المغربي أنهم يحاولون، في كل فرصة، إظهار القيم الرصينة، مع أن العديد منهم تربوا في أحضان الغرب، ونهلوا من ثقافته، وما زالوا يعيشون هناك.
لكن البعد الأخلاقي العائلي، والرصانة الإنسانية، باديان عليهم في كل حركة.
قليل جدا إظهار الربط العائلي الصادق غير التمثيلي، والحضور الأبوي أو حضور الأم في الساحات والمهرجانات، والافتخار بهم، لكن اللاعب المغربي لم يفعل ذلك فحسب، وإنما بدأ الفريق بتعليقات وتصريحات، في اللقاءات الخاصة والعامة، عن مكانة الوالدين في الثقافة المغربية.
وكان تعبير" رضا الوالدين" من العبارات التي رافقت المباريات في مونديال قطر في عام 2022، كما هو الآن في مونديال عام 2026.
وربما أهمية إبراز مكانة الوالدين في المجتمعات التقليدية لا تلفت النظر الكبير؛ لأنها عادة، لكن في عالم تنهار فيه القيم، وتتحطم فيه الأسرة، ويتردى فيه احترام الوالدين في تربية الأبناء، وفي عالم واضح سطحيته الإنسانية أمام أعين العالمين، تمثل هذه الصفة جانبا مهما من جوانب مواجهة عولمة هدم الأسرة وتحطيم قواعدها، حيث التحرر من رضا الوالدين أساس من أسس التربية الفردانية، ومن هنا فإن أسود الأطلس يمثلني.
كان لافتا قراءة سورة الفاتحة قبل الشروع بالضربات الترجيحية، وهي ضربات تضرب قلب المحب وتهزه، وكان لافتا السجود الجماعي بدعوة من" المزراوي"النقطة الثالثة، وهي مهمة نظرا للتطورات الثقافية التي تتماوج في العالم، حيث جعلت الثقافة الغازية، في مجتمعاتنا كما هي في المجتمعات الغربية، أن الإنسان الحديث المعاصر يكون مدنيا حين يتخلى عن الدين، أو يحجزه داخل المنزل وبين حيطانه.
ليس من علامات حضور الإنسان، ولا من أمارات مدنيته، أن يظهر مظاهر العبادة ومؤشرات عبودية الله في الميادين العامة، حيث العالم المتحضر يرى ويراقب.
لا يستساغ أن يظهر اللاعب بما يرى فيه الآخرون أنه من مظاهر التخلف والرجعية، أي المظاهر الدينية وكل ما يرمز إلى الدين.
في حين كان أسود الأطلس أكثر جرأة وأكثر وضوحا، خاصة في مباراة إقصاء هولندا وطردها من البطولة ورميها خارجا.
تذكر الله سبحانه والاعتراف بفضله في الإنجازات هو من الخصال التي يتصف بها الإنسان الواعي، الجامع بين خيري الدنيا والآخرة.
كان لافتا قراءة سورة الفاتحة قبل الشروع بالضربات الترجيحية، وهي ضربات تضرب قلب المحب وتهزه، وكان لافتا السجود الجماعي بدعوة من" المزراوي"، العابد المحب للقرآن، شكرا لله سبحانه على النعمة والفضل.
فهم قد دعوا وخاطبوا رب العالمين طلبا للعون والمساندة، وشكروه فيما بعد على تقديم العون والمساندة.
تذكر الله في الشدة والرخاء.
ربما قد لا يكون هذا نهج الجميع في كل الوقت أو في ممارسة الحياة التفصيلية ويومياتها، لكن تلك الحركات دليل على ما في عمق الإنسان من بذرات الإيمان والهداية.
والأجمل هو في تصريح الجنرال" عيسى ديوب" بأن ما حصل هو من فضل الله، وأننا بلد مسلم، وينبغي أن نشكر الله على ذلك.
هذه بحد ذاتها دعوة إلى الله، ومحاولة للتذكير بالخالق، وأن الوصول إلى العواصم العالمية لا يعني الانفصال عن الله سبحانه وتعالى.
ثم أليس من الجمال الافتخار باختراق الجدار الصلب الذي وضعه الواضعون حاجزا أمام انتصار المسلمين والمشرقيين، وتصويرهم على أنهم في الموقع المتخلف من الصف؟ وأليس من الكمال الشعور بالتكامل مع هؤلاء اللاعبين الذين يسجلون تاريخا يحق لنا التباهي به في محطات قادمة، والدرس بأن الجمع بين التوكل على الله واتخاذ كل أسباب النجاح يجعلك متألقا تنافس من يسمون أنفسهم كبارا، وتكرههم على رؤيتك أنك الكبير، وقد تدفع بهم صغارا خارج الساحة؟صغارا ليس إنسانيا، وإنما رياضيا، فالإنسان من حيث هو مكرم مفضل، فمعاييرنا معنوية قيمية، وليست مادية شيئية كما هم يفعلون.
بالنسبة لي أجاهر بالافتخار.
وهو درس في طريق الصحوة، وربما الرياضة بذاتها لا تبني مدينة، لكن التفوق روح تعني كل شيء عندما تثق بأنك بعبع الكبار الذين ظنوك في يوم ما صغيرا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك