لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو مجرد ثورة شعبية أطاحت بحكم جماعة الإخوان، بل أزاحت الستار عن وجه آخر للتنظيم، وجه لم يكن يراه المواطن العادي، لكنه كان الأكثر خطورة وتأثيراً فخلف الشعارات السياسية والخطاب الدعوي، كانت تنمو على مدار عقود إمبراطورية اقتصادية واسعة، تمددت في التجارة والصناعة والتعلىم والصحة والعقارات والخدمات المالية، حتى أصبحت تمثل اقتصاداً موازياً يعمل في الظل، ويوفر للتنظيم مصادر تمويل ونفوذ تتجاوز حدود العمل الحزبي التقليدي.
وبعد 30 يونيو بدأت الدولة في مراجعة تلك الكيانات واتخاذ إجراءات قانونية بحق عدد منها لتكشف جانباً كبيراً من هذه الشبكة، وتبدأ معركة جديدة لم تكن أقل أهمية من معركة استعادة الحكم، وهي معركة استعادة الاقتصاد من قبضة التنظيم، وتجفيف منابع التمويل التي شكلت لعقود أحد أهم أسرار قوته واستمراره.
الاقتصاد الإخواني المخفي استخدمته الجماعة للسيطرة وفرض أذرعها في كل مكان بنشر مشروعاتها الاقتصادية واستخدام عوائدها المالية في تمويل العمليات الإرهابية.
كانت معركة الدولة بعد 30 يونيو تفكيك مصادر التمويل والتحفظ على الكيانات الاقتصادية التي كانت تمثل ركيزة أساسية لقوة الجماعة.
ومن خلال لجنة التحفظ وإدارة أموال وممتلكات الإخوان تم حصر عدد كبير من هذه الكيانات الاقتصادية المرتبطة بقيادات الجماعة، في خطوة استهدفت منع استخدام الموارد الاقتصادية في دعم التنظيم أو تمويل عملياته الإرهابية.
التاريخ يؤكد أنه منذ نشأتها عام 1928 على يد حسن البنا، استطاعت الجماعة أن تبني شبكات مالية معقدة تجمع الأنشطة الخفية غير القانونية لتشكل منظومة اقتصادية تمول بها أهدافها بين تبرعات خارجية وغسيل أموال واستخدام أموال الزكاة والإغاثة.
بعد إسقاط الجماعة، فوجئ المصريون بالحجم الرهيب لاقتصاد الجماعة الخفي ولعل الانقسامات والمعارك التي نشاهدها الآن داخل معسكري التنظيم الدولي للإخوان بفرعيه في إسطنبول ولندن وتزايد الصراع على شرعية القيادة وإدارة المكاتب الإدارية في الخارج يؤكد أنها حرب تصفية حسابات مالية بين الفرقاء بعد أن تحولت أموال التنظيم التي كانت تجمع تحت شعارات التبرعات والدعم، إلى ثروات شخصية يتنازع علىها قادة الصفين الأول والثاني في عواصم اللجوء إسطنبول ولندن وبعض العواصم الأفريقية.
والسؤال: كيف بنت جماعة الإخوان إمبراطوريتها الاقتصادية؟أدركت الجماعة أن السيطرة على مفاصل الاقتصاد لا تقل أهمية عن السيطرة على مفاصل الحكم، فبدأت في نسج شبكة مالية واستثمارية معقدة، امتدت من المصانع إلى المدارس، ومن شركات الصرافة إلى المستشفيات، ومن الأسواق إلى المنتجعات السياحية، لتشكل ما وصفه كثيرون بـ«الاقتصاد الموازي» الذي وفر للتنظيم مصادر تمويل ونفوذ واسعة.
وحين وصلت الجماعة إلى السلطة عام 2012، رأي مراقبون أن تلك الشبكة الاقتصادية أصبحت أقرب إلى دولة داخل الدولة، تمتلك المال والاستثمارات والعلاقات التجارية، وهو ما جعل مواجهة التنظيم بعد 30 يونيو لا تقتصر على الجانبين الأمني والسياسي، بل امتدت إلى معركة تفكيك إمبراطوريته الاقتصادية.
خيرت الشاطر وحسن مالك كانا الذراع التنفيذية للمشروع الاقتصادي الإخواني وعملا على تنويع الاستثمارات وعدم تركيزها في قطاع واحد، حتى يصعب تتبعها أو التأثير علىها ووضعا استراتيجية تقوم على بناء قوة مالية ضخمة تضمن استمرار الجماعة مهما تعرضت للملاحقات أو الضغوط.
جاء حسن مالك ليكون الذراع التنفيذية للمشروع الاقتصادي حيث استطاع بناء شبكة واسعة من العلاقات التجارية داخل مصر وخارجها، خاصة مع أسواق آسيا وتركيا، وأصبح اسمه مرتبطاً بعدد كبير من الشركات التجارية والاستثمارية.
وكان يقود ما يشبه وزارة اقتصاد غير معلنة داخل الجماعة، يتابع حركة الأسواق، ويبحث عن فرص الاستثمار، ويقيم علاقات مع رجال أعمال، بما وفر للتنظيم موارد مالية ضخمة وقدرة على الحركة.
لم تتوقف الاستثمارات عند التجارة والصناعة، فقد توسعت استثمارات مرتبطة بأعضاء في الجماعة إلى المدارس الخاصة وسلاسل تعلىمية ومؤسسات جامعية ومراكز تدريب، وهو قطاع يحقق عوائد مالية كبيرة، ويؤثر في الوقت نفسه في المجتمع.
بعد عام 2013، شملت قرارات التحفظ الحكومية عشرات المدارس والمؤسسات التعلىمية المرتبطة بقيادات أو أعضاء في الجماعة، وتم وضعها تحت إدارة الدولة وفق الإجراءات القانونية.
أما شركات الصرافة الإخوانية، فقد ارتكبت مخالفات تتعلق بحركة النقد الأجنبي للسيطرة على الدولار وتمويل أنشطة التنظيم، وهو ما ترتب علىه التحفظ على هذه الكيانات وإدارتها قانونياً.
وامتدت الشبكة كذلك إلى مستشفيات خاصة، ومراكز طبية، وجمعيات أهلية، وشركات مقاولات، ومصانع، وسلاسل تجارية، الأمر الذي جعل التنظيم يمتلك حضوراً اقتصادياً في قطاعات متعددة.
وتشير بيانات لجان التحفظ إلى أن الدولة وضعت يدها بعد 30 يونيو على آلاف الشركات والمدارس والجمعيات والمستشفيات والمنشآت المختلفة المرتبطة بالتنظيم الإرهابي في إطار تجفيف مصادر تمويله.
المثير أن أعضاء الجماعة حرصوا على امتلاك مساحات كبيرة من الأراضي في أهم المناطق والقري السياحية في الساحل الشمالي كمواقع لتحرك أو اختباء بعض قيادات الجماعة حيث تم ضبط صفوت حجازي وغيره داخل هذه القري السياحية بالساحل الشمالي وهم في طريقهم للهروب إلى ليبيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك